برنامج الهند النووي بدأ بـ 80 ألف روبية ، حشد من الأسرار وراء الدور المزدوج الذي قام به نهرو لماذا سعت الهند إلى الدخول في النادي النووي في الوقت الذي وقعت 149 دولة اتفاقية منع التجارب النووية؟ ما الذي دفع الحكومة الهندية الجديدة المتطرفة إلى الانحراف عن الموقف الهندي التقليدي المعادل للتسلح النووي؟ كيف أثر موقف الولايات المتحدة على عملية صنع القرار في كل من الهند وباكستان؟ في معرض الرد على هذه الأسئلة يأخذنا مؤلف هذا الكتاب في رحلة طويلة يحكي عبرها القصة الكاملة ويكشف خلالها الستار عن الشخصيات والمؤسسات والأحداث والعمليات التي لا يعرف العالم غير النذر اليسير عنها, والتي كانت وراء السياسة النووية الهندية. والمؤلف هو جورج بركوفيتش مدير برنامج (العالم الآمن) التابع لمؤسسة دبليو آلتون جونز, وهو أيضا عضو مجلس العلاقات الخارجية والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. وقد نشرت آراؤه في مجلتي (الشئون الخارجية) , و(السياسة الخارجية) , ونشره علماء الذرة, وفي (الواشنطن بوست) وغيرها. المؤلف سرد فصول حكاية الخيار النووي الهندي منذ البدايات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية, على مدى فترة تمتد من عام 1948 إلى عام 1963 تحت عنوان (تطوير قاعدة تكنولوجية من أجل الخيار النووي) . ويرى ان تعبير (القوة النووية) مصطلح متشعب الجوانب, فهو قد يعني انتاج الكهرباء مثلما يعني حالة امتلاك أسلحة نووية, كما ان غموض التعبير يجعله ملائما بشكل خاص في علاقته بسعي الهند نحو امتلاك قدرة نووية والذي بدأه رئيس الوزراء جواهر لال نهرو ورئيس مفوضية الطاقة النووية العالم الهندي هومي بهابا. وحتى قبل الاستقلال, كان هذان الرجلان يسعيان إلى اكتساب كل شيء لبلادهما: المكانة, والمركز, والمزايا الاقتصادية الناشئة عن كونها قوة نووية بما في ذلك صناعة (القنبلة) إذا دعت الضرورة. وتنكر التعليقات بشكل عام أن السعي للقوة النووية كان يحيطه الغموض منذ البداية, فقد قيل ان نهرو كان ينوي أن تستخدم الهند التكنولوجيا والخبرة النووية بشكل شامل من أجل الأغراض السلمية. ويرى بركوفيتش انه ربما (لو ظهر نهرو كشخص يتمسك بالفوائد العسكرية للقوة النووية لكانت صورته قد فقدت بريقها كزعيم دولي مرموق ووريث للمهاتما غاندي) وهكذا كان عالم الفيزياء اللامع والطموح هومي بهابا - وليس نهرو - هو الذي أعطى للبرنامج النووي الهندي كلا من هدفيه المدني والعسكري, بل تشير الوثائق في الحقيقة إلى انه كان يقود السياسة النووية للهند. وهناك أمران يشكلان استراتيجية مقصودة لبناء خيار الهند للسلاح النووي: الأمر الأول: خطط بهابا في أوائل الخمسينيات للحصول على البلوتونيوم, وذلك قبل ظهور امكانية استخدامه لفوائده الاقتصادية. والأمر الثاني: هو تحليله لكيفية قيام دولة بانتاج الأسلحة النووية على الرغم من اجراءات الرقابة الدولية. وفي نهايات الخمسينيات كان يعرب بشكل خاص عن رغبته في ضرورة قيام الهند بانتاج قنابل نووية. وعلى الرغم من هذه النتيجة التي يتوصل إليها مؤلف الكتاب, فإننا نجد انه يناقضها على الفور ويعيد النظر في رأيه في موقف نهرو الذي يعود إلى ما قبل ذلك, والذي تكشفه بوضوح خطبة له في بومباي عام 1946 يقول فيها: (ما دام العالم قد نشأ على ما هو عليه فسوف يتحتم على كل دولة أن تصنع وتستخدم أحدث الأدوات العلمية لحماية نفسها. ولا يراودني شك في ان الهند سوف تطور أبحاثها العلمية, وآمل أن يستخدم العلماء الهنود القوة النووية لأهداف بناءة, ولكن إذا واجهت الهند تهديدا فسوف تدافع عن نفسها لا محالة بكل الوسائل المتاحة لها. وآمل أن تقوم الهند بالاشتراك مع دول أخرى بمنع استخدام القنابل النووية) . ويكشف المؤلف في صدر الكتاب عن ان أقوال نهرو وأفعاله والأهم من ذلك دعمه لأعمال بهابا, تشير الازدواجية والغموض اللذين شكلا معالم برنامج الهند النووي خلال عام 1997 واللذين قد يظل يحتفظ بهما حتى بعد تفجيرات 1998 النووية. الرجل الآخر كان نهرو, المثالي, الحال, يمقت الدمار الوحشي الذي تسببه الأسلحة النووية, ويرى ان هذه الأسلحة لعنة تلحق بروح الهند الفريدة, غير انه كان هناك نهرو آخر, الرجل الطموح, رئيس الوزراء الواقعي, الذي يدرك ان السلاح النووي قد يدعم مكانة الهند ونفوذها في العالم الذي يهيمن عليه الغرب, والذي كان نهرو يعرف منطقه جيدا منذ تلقيه العلم في كامبردج ومن قراءاته في العلوم والتاريخ الأوروبي. وفي أواخر الأربعينيات كانت أصداء قصف نجازاكي وهيروشيما توضح الثورة الرهيبة التي حدثت في التقنية العسكرية, وتبين من ناحية أخرى ان استخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية والبناءة قد فتح آفاقا لا حدود لها للتنمية والازدهار الانسانيين, ذلك ان التقنية النووية تمد الإنسان بقوة خارقة لاستغلال الطبيعة ودعم ازدهارها, ولتدميرها في نفس الوقت. ولقد أدرك نهرو ذلك وربط بين ازدواجية الخبرة النووية والتقنية النووية. ولا تدهش, عزيزي القارئ, إذا عرفت ان البرنامج النووي الهندي بدأ بميزانية قدرها 80 ألف روبية هندية خصصتها مؤسسة تاتا المالية لمعهد الأبحاث الأساسية الذي اقترح الدكتور بهابا على عائلة تاتا الشهيرة انشاءه والذي افتتح في عام 1945 وأصبح العالم الهندي مديرا له. وقد نما البرنامج النووي الوليد في أحضان هذا المعهد إلى جانب مؤسسة الطاقة النووية في ترومبي, ثم لجنة أبحاث الطاقة النووية التي شكلت في عام 1946 برئاسة بهابا أيضا. واسمح لنا, عزيزي القارئ, أن نقفز متجاوزين بقية تفاصيل قصة البداية التي نشرت الصحف معظم جوانبها وتفاصيلها, ولكن المهم في هذه القصة ما يذكره مؤلف الكتاب, ويصر عليه في أكثر من موضع من كتابه, وهو ان البرنامج النووي الهندي كان, منذ البدايات الأولى, مزدوج الأهداف, وان نهرو لم يستبعد الاستخدام العسكري لهذا البرنامج. ويقول جورج بركوفيتش في هذا الصدد: (على عكس ما يراه معظم المؤرخين الهنود والأجانب, وعلى عكس الفهم التقليدي الشائع, فإن الذين أنشأوا المؤسسة النووية الهندية أدركوا ورحبوا منذ البداية بالخيارات التي أتاحها البعد العسكري النووي للهند. وقد فعلوا ذلك في عام 1948 قبل سيطرة الشيوعيين على الصين, وقبل وجود أي تهديد عسكري من الصين, بل وفي الحقيقة قبل وجود أي تهديد عسكري خارجي كبير للهند. ويركز المؤلف كثيرا على العلاقة الخاصة التي ربطت بين جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند آنذاك وعالم الفيزياء هومي بهابا, ويقول ان الرجلين كانا يشتركان في الخلفيات نفسها ويتمتعان بروابط وثيقة فكلاهما ولد للثراء والنفوذ وتلقيا تعليمهما في جامعة كامبردج, وعلى درجة عالية من الثقافة والمعروفة بشئون العالم, ومن القدرة والمظهر, وبحكم ان بهابا أعزب طوال حياته, وان نهرو أرمل, فقد كرسا نفسيهما ووقتهما وطاقاتهما لتحقيق الانجازات. خلاف مبكر عندما يتناول المؤلف العلاقات الأمريكية - الهندية يتحدث عن الخلاف المبكر الذي نشأ بين البلدين ما بين عامي 1948 و1953, وهو يرى ان الخلاف كان موجودا بين برنامج الهند النووي والجهود الدولية الأوسع لفرض الرقابة على التقنية والمواد النووية. وفي عام 1948 تشبثت الأمم المتحدة بالمحاولة التي كانت أمريكا وراءها لانشاء أداة رقابة على المواد الانشطارية والتسهيلات التي يمكن أن تساعد على تخزينها ومعاملتها واستخدامها سواء للأغراض السلمية أو العسكرية. وفي عام 1946 قدم اقتراح بخطة باروخ لانشاء (سلطة التطوير النووي) العالمية لامتلاك وتشغيل جميع المواد والتقنيات والتسهيلات التي يحتمل أن تحتوي على امكانية استخدامات الأسلحة النووية. وشعرت الهند بالقلق من الاقتراح, وعارضته في المناقشات التي دارت حوله في هيئة الأمم المتحدة, حيث أصرت شقيقة نهرو, فيجايا لاكشمي بانديت, مندوبة الهند لدى الأمم المتحدة, على ان الملكية الدولية للخامات الانشطارية مثل الثوريوم قد تجرد الدولة من رصيد اقتصادي مهم في المستقبل. واتخذت الهند موقفا طبع دبلوماسيتها النووية لعقود من الزمان فقد دعمت مبدأ ضمان الاستخدام السلمي فقط للمواد والقدرات النووية, ولكنها قاومت أي اجراءات تسمح لبعض الدول بالاحتفاظ بأسلحة نووية, بينما تنكر على الاخرين الحرية الكاملة في استخدام مواردهم بما يرونه ملائما لهم. وبحلول عام 1952 وبعد اخفاق خطة باروخ والجهود الاخرى لفرض الرقابة الدولية على البرامج النووية الوطنية بدأت خطط الهند لاستخدام الطاقة النووية تأخذ شكلا مبرمجا بدرجة اكبر, وكانت الهند قد وقعت اتفاقية للتعاون النووي مع فرنسا عام 1951, وفي عام 1952 كشف نهرو النقاب عن خطة رباعية للبدء في تطوير قدرة الهند النووية بداية من اجراء عملية مسح للبحث عن المواد النووية ومعالجة المونازايت للحصول على الثوريوم, كذلك اعلن عن تطبيقات للطاقة النووية في الطب وعلم البيولوجيا, وبدأ بهابا يبحث في تكتم عن المعلومات التقنية عن نظرية المفاعل وتصميمه وتقنيته من الولايات المتحدة الامريكية, وبعدها بقليل من كندا والمملكة المتحدة بينما كان يتفاوض مع الثلاثة ليبيع لهم او يقايضهم على المواد الخام مثل المونازايت وخام البريل, وهو مصدر البريليوم ذي الاهمية الحيوية والامريكية وكان الدافع وراء هذه الانشطة الانتقال من البحث النظري الى تطبيقات التكنولوجيا التي تقود الى بناء وتشغيل مفاعلات للبحوث. مصالح لا عواطف سرعان ما اصبح تحرك الهند صوب الاستقلال النووي مناقضا لمصالح الولايات المتحدة الامريكية. ولعلك تلاحظ عزيزي القارىء في الواقعة التالية التي يدلل بها المؤلف على تعارض المصالح بين الهند وامريكا, ان العلاقات بين الدول لا تعرف العواطف وان الدافع الاساسي لها هو المصالح فها هي الهند تبيع خامات نووية للصين ففي يوليو 1953 كانت هناك شركة مملوكة للحكومة الهندية تستعد لشحن طنين اثنين من نترات الثوريوم على متن سفينة بولندية في بومباي لنقلها الى الصين والمعروف ان نترات الثوريوم مادة مهمة ومفيدة كوقود نووي, وكان القانون الامريكي لعام 1951 المعروف باسم قانون المساعدة الدفاعية المتبادلة يقضي بأن ترفض الولايات المتحدة تقديم اي شكل من اشكال المساعدة العسكرية او الاقتصادية او المالية الى اية دولة تبيع مثل تلك المواد للاتحاد السوفييتي او الدول التي تدور في فلكه ومنها الصين ولذا قام جورج الن السفير الامريكي في الهند انذاك باخطار نهرو بأن شحن نترات الثوريوم قد يدفع الولايات المتحدة الى وقف برامج المعونة للهند, ورد عليه نهرو بعنف بأن بلاده لن تفقد سيادتها وتسمح للولايات المتحدة بأن تملي على الهند ما تتاجر فيه ومع من, ولن تقبل الهند اية قيود سياسية ترتبط بالمعونة, واختمر النزاع خلال الصيف وظل نهرو متصلبا في موقفه, وفي النهاية قدم جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكي آنذاك حلا وسطا توافق الهند بمقتضاه على اعلان ان شحنة نترات الثوريوم المرسلة الى الصين هي لاغراض تجارية فحسب, وان الهند تعاقدت مع الصين عليها دون معرفة بسريان التشريع الامريكي على الصفقة, واعلنت الهند انها على الرغم من عدم قبولها الالتزام بالتشريع الامريكي, ليس لديها خطط لمزيد من شحنات البضاعة المماثلة الى جهات محظورة بحكم القانون الامريكي, ووافقت الولايات المتحدة على شراء جميع كميات نترات الثوريوم التي ترغب الهند في تصديرها في المستقبل بسعر مقبول من الطرفين. وزادت قصة نترات الثوريوم من توتر العلاقات الهندية ـ الامريكية وانذرت بنشوب نزاعات مماثلة بين المصالح السيادية الهندية في الاستقلال النووي وبين القوانين والسياسات الامريكية التي وضعت لمنع الانتشار النووي.