يكتسب الحوار مع د. جون قرنق أهمية خاصة في هذا الوقت الذي يشهد احداثا كثيرة يأخذ بعضها برقاب بعض, يجري بعضها في اوساط الحكومة.. وبعضها الآخر في اوساط المعارضة, ويقترن كل ذلك بمتغيرات اقليمية ودولية متعددة تؤثر في القضية السودانية. وقد جاءت زيارة د. قرنق للقاهرة في هذه الظروف تحمل معاني كثيرة هامة, كان اهمها هو توضيح موقف الحركة من المبادرة المصرية الليبية المشتركة, الذي شابته بعض السحب وخضع لأكثر من تفسير. وعن هذا الموقف كان مدخل حوارنا مع د. قرنق الذي اكد تمسكه بالمبادرة وتقديره للدور المصري في جهود ايجاد حل للمشكلة السودانية, وتحدث عن اسباب دعوته لتوحيد المبادرات وتوحيد منابر التفاوض, كما تحدث عن التجمع الوطني الديمقراطي وتقييمه الشخصي لمسيرته ومواقفه, وعن اثر خروج حزب الأمة على حركة وأداء التجمع, وعن اشتراطات واحتمالات جلوس التجمع الى مائدة التفاوض مع الحركة, كما رد على الاتهامات التي وجهها له جون لوك ـ القيادي السابق في الحركة ـ وبونا ملوال.. وفيما يلي نص الحوار: * التجمع الوطني, والحركة الشعبية, أعلنا تأييدهما الكامل للمبادرة المصرية الليبية المشتركة, مع ذلك يرى بعض المراقبين انكم لم تفعلوا شيئا عمليا لدفع هذه المبادرة الى الامام.. ما تعليقك؟ ـ انا, اولا, متحفظ على الفصل في السؤال بين التجمع والحركة الشعبية, فالحركة جزء من التجمع, والتجمع ايد المبادرة المصرية الليبية تأييدا كاملا.. وكل الذي اكدناه, كتجمع وكحركة هو ان التعامل مع مبادرتين متوازيتين لن يكون مثمرا.. نحن أقررنا المبادرة المصرية الليبية وقبلها ايضا اقررنا مبادرة الايجاد.. ولهذا نادينا بدمج المبادرتين في مبادرة واحدة لمصلحة بلادنا.. هناك اعتقاد خاطىء بأن مبادرة الايجاد موجهة للجنوب بواسطة الافارقة والمبادرة المصرية الليبية موجهة للشمال بواسطة العرب.. وهكذا فإن الابقاء على هاتين المبادرتين متوازيتين يحمل في طياته عناصر تقسيم التجمع الوطني الديمقراطي وتقسيم البلاد في النهاية. لهذا فنحن نقول دعونا نجد آلية لتوحيد هاتين المبادرتين. ان النزاع السوداني لا يمكن حله بغير مشاركة مصر. وبيننا وبين مصر علاقات تاريخية وعلاقات معاصرة, عميقة جدا, وبالمثل لا يمكننا تجاهل دول الايجاد التي ظلت تطرح مبادرتها منذ عام 1994. ولهذا هناك ضرورة لتوحيد المبادرتين اللتين تخاطبان نفس المشكلة, وهي مشكلة السودان, وينبغي الا تكون هناك صعوبة لربطهما معا. حق تقرير المصير * كيف ترى هذا الربط؟ ـ حسنا, ان لدينا افكارا في هذا المجال, ولكن مسئولية الربط بين المبادرتين تقع على دول المبادرتين, ولكن عندما نتحدث عن المحتوى, فإن في مبادرة ايجاد اشياء غير موجودة في المبادرة المشتركة, والعكس صحيح وتوحيدهما يؤدي الى استفادة كل منهما بمزايا الاخرى. مثلا مبادرة الايجاد تشتمل على اعلان المبادىء الذي تشتمل عليه المبادرة المصرية الليبية المشتركة. * ماذا عن حق تقرير المصير؟ ـ ان اعلان المبادىء لا يختص فقط بحق تقرير المصير.. انه ينص على اعطاء اولوية لوحدة البلاد والفقرة الاولى من الاعلان تنص على وجوب التزام طرفي النزاع, الحركة والحكومة, بالحل السياسي, ثم ضرورة اعطاء اولوية لوحدة البلاد القائمة على (7 عناصر عددها اعلان المبادىء) واذا فشلنا في تحقيق ذلك فهذا هو مكان اللجوء لحق تقرير المصير.. ومعنى هذا ان حق تقرير المصير هو نتيجة للفشل في تحقيق عناصر الوحدة. هذه المبادىء التي اشتمل عليها اعلان مبادىء الايجاد غير موجودة في المبادرة المصرية الليبية المشتركة. أما المبادرة المشتركة فتتضمن ضرورة تهيئة المناخ الملائم من خلال اجراءات محددة تتخذها الحكومة. وهكذا فإن ربط المبادرتين يخلق مبادرة جديدة تشتمل على مزايا المبادرتين. * ما تصورك لآلية التوحيد؟ ـ اذا تناولنا الموضوع بصورة علمية فمن الممكن دعوة عدد من اعضاء المبادرة المشتركة وعدد من اعضاء مبادرة الايجاد لتكوين لجنة فنية مشتركة. على أية حال كيفية عمل هذا ليست مسئولية طرف واحد بل مسئولية كل الاطراف وبصفة خاصة اصحاب المبادرتين. ودمج المبادرتين يعني ان النتائج لن يكون مبادرة ايجاد ولن تكون المبادرة المشتركة.. وأنا على استعداد للمشاركة في هذا المجال, ولكن المهمة, في المقام الاول تقع على عاتق دول المبادرتين. ان ما افعله هو ان ادعو الى الدمج. * اذا رجعنا الى خطابك في اجتماعات قيادة التجمع في كمبالا.. كانت لك بعض المقترحات في هذا الشأن؟ ـ لقد كانت لدي مقترحات بخصوص شركاء الايجاد. وكانت المقترحات مبنية على الآتي: اذا كان بامكان الاوروبيين والامريكيين والكنديين ان يصبحوا شركاء للايجاد, لماذا لا يكون بامكان الافارقة ان يصبحوا كذلك؟ ان (الصدقة تبدأ بالبيت) . وكان محتوى المقترحات هو ايجاد منبر افريقي لشركاء الايجاد مماثل لمنبر شركاء الايجاد الدولي.. وهذا لا يتناقض مع دمج المبادرتين. ان بعض دول شركاء الايجاد كانت لها مبادرات مستقلة مثل سويسرا والنرويج.. ولم يمنعها تأييدها للايجاد من ان تكون لها مبادراتها الخاصة.. ولا يناقض كل هذا دمج المبادرتين. ان مبادرة الايجاد مبادرة اقليمية مدعومة بدول منبر شركاء الايجاد.. وما اقترحته في كمبالا هو ان تدعم مبادرة ايجاد ايضا بمنبر افريقي للشركاء وهذا ايضا لا يمنع اي بلد افريقي ـ بمفرده ـ ان تكون له مبادرته الخاصة.. الفريق البشير ذهب الى جنوب افريقيا وطلب منها ان تطرح مبادرة خاصة واضطررت الى الذهاب الى جنوب افريقيا لكي اخطرهم بأننا لا نريد مبادرتين متوازيتين.. ايضا البشير ذهب الى ماليزيا وطلب من رئيس وزرائها التقدم بمبادرة وانا شكلت وفدا سافر الى ماليزيا ليقول لهم: من فضلكم نحن لا نريد مبادرتين متوازيتين. وكما ترى فإن موقفنا الحالي لا يقتصر على المبادرة المصرية الليبية وانما ينطبق على كل المبادرات.. هدفنا هو الا نسمح للنظام بالتسوق في سوق المبادرات اذ ان السيناريو المفضل لديهم هو ان تكون بالساحة اكثر من مبادرة ليقفزوا من مبادرة الى اخرى, الآن, لدينا على الطاولة مبادرتان جاءتنا هما الايجاد والمصرية الليبية.. واذا كان هناك مبادرة اخرى فسأتخذ نفس موقف المطالبة بدمجها ليكون لدينا منبر تفاوضي واحد. وعندما حضرت الى مصر في سبتمبر من العام الماضي كنت احمل نفس الموقف. * وماذا عن مشاركة التجمع الوطني الديمقراطي في المفاوضات؟ ـ التجمع الوطني يجب ان يكون طرفا في المفاوضات خلافا لما كان في الماضي عندما اقتصر التفاوض في الايجاد على الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة السودان, وقد طالبنا في كمبالا بضم التجمع للايجاد, وكررنا تلك المطالبة في اسمرة. اذا توحدت المبادرتان فلن يكون الطرفان هما الحكومة والحركة وانما التجمع الوطني وحكومة السودان.. هذا هو موقفنا. ليس لدينا جندي واحد في همشكوريب * اعلنت الحركة مؤخرا تعليق مشاركتها في الجولة المقبلة لمفاوضات الايجاد بنيروبي.. هل يمتد هذا الموقف الى تعليق المشاركة في المفاوضات بأكملها ام يقتصر على جولة واحدة؟ ـ هذا التعليق للمشاركة كان بمثابة احتجاج ضد قيام الحكومة السودانية بقصف الاهداف المدنية, وسنواصل العمل لدمج المبادرتين. * هل يقتصر تعليق المشاركة على اجتماع واحد؟ ـ هذا يتوقف على مسلك الحكومة.. في 19 ابريل اعلن البشير للعالم انه امر بوقف قصف الاهداف المدنية (الا في حالة الدفاع عن النفس) كما قال, مع اننا لا نحارب الحكومة في الجو لأننا لا نملك طيرانا! بعد عشرة ايام شن البشير قصفا مكثفا على الاهداف المدنية في الجنوب والشرق وحتى همشكوريب التي اعلناها منطقة منزوعة السلاح قاموا بقصفها. انهم يرددون ان همشكوريب مركز ديني, فلماذا يقصفون مركزا دينيا؟ لقد خرجنا من همشكوريب ولا يوجد جندي تابع لقوات التجمع الوطني في همشكوريب وبالتالي فإن القنابل التي اسقطوها هناك انما سقطت على مدنيين ابرياء وعلى الماشية.. وطائرة الانتينوف كما هو معلوم ليست دقيقة في القصف لأنها تطير على ارتفاعات عالية. في بانتيو لم يكتفوا بقصف المدارس والمستشفيات والماشية.. لقد قصفوا المواطنين لطردهم من مواقع البترول. ان المجتمع الدولي لم يتجاوب بما فيه الكفاية. ان ضميرنا لن يسمح لنا بالجلوس مع هذا النظام الذي يرتكب هذه الاعمال الوحشية.. هذا هو سبب تعليق المشاركة في المفاوضات. * ولكن ألا تعتقد ان جولات المفاوضات هذه, على اية حال, غير مجدية وغير منتجة؟ اجتماعات واجتماعات لسنوات وسنوات والموقف هو ذات الموقف؟ ـ صحيح, انها لا تحرز تقدما كبيرا ولكن هذا ليس بسبب الآلية او بسبب الايجاد, ففي اغسطس 1989 عقدنا مفاوضات ثنائية مع النظام في اديس ابابا, وفي ديسمبر من العام نفسه تفاوضنا معه في نيروبي بوساطة من الرئيس جيمي كارتر. في عام 1992 ـ 1993 ذهبنا الى ابوجا بوساطة من الرئيس بابنجيدا, وجئنا الى الايجاد, في عام 1994 وهكذا, فإن عدم احراز أي تقدم ليس بسبب الايجاد, وانما لأن موقف الحكومة غير عملي.. انهم يريدون ادخار الكعكة وأكلها في وقت واحد.. يريدون الابقاء على المشروع الحضاري وتحقيق السلام.. ولا يمكن انجاز السلام في اطار دولة دينية.. لابد لهم من ترك المشروع الحضاري الى المشروع السوداني الذي يسعنا جميعا. التجمع أكثر وحدة * في آخر حوار صحفي شامل اجريناه معك في القاهرة, انتقدت اداء التجمع الوطني الديمقراطي.. هل انت الآن راض عن هذا الاداء؟ ـ بالطبع هناك مجال للتحسن وانا عموما مقتنع بالاداء في الاطار التالي: لقد قمنا بتجديد التجمع في عام 1995 في اسمرة واصدرنا اعلان اسمرة, والتجمع الوطني اساسا هو تجميع لقوى سياسية وتوجهات سياسية مختلفة من اقصى اليسار الى اقصى اليمين. وهذا هو السبب الذي جعلني في وقت من الاوقات اصف عملية تحريكه بأنها تشبه (زحزحة الجبل) . اذ انك لو نجحت في زحزحة الجبل بهامش ضئيل فإن ذلك يحسب في عداد النجاح. ولأول مرة في تاريخنا التقت المعارضة الشمالية والحركة التي نشأت في الجنوب واشتركا معا في العمل المعارض, وحتى في العمل المسلح ضد النظام القائم في الخرطوم. في الماضي كانت المعارضة الشمالية تعمل على طريق الانتفاضة وعندما تحقق الانتصار يلتفت الناس ويتساءلون: اين الجنوبيون؟ هذه المرة الوضع مختلف.. لقد اوضحنا اهدافنا في عام 1983 بأن الحركة الشعبية ليست حركة جنوبية بحتة بل هي قومية.. وفي 1995 انضممنا مع بقية القوى السياسية.. ومهمتنا هي تنشئة وتطوير التجمع الوطني الديمقراطي حتى يصبح بديلا, فعالا وذا مصداقية لنظام الجبهة. لقد كونا وحدات عسكرية للتجمع الوطني وهذا كان جديدا. في البداية كانت هناك وحدات مختلفة مثل جيش الامة, وقوات الفتح, لواء السودان الجديد, الحزب الشيوعي, البجا, الأسود الحرة.. قوات الفيدرالية (دريج) .. الخ وكبديل للجبهة لم يكن مناسبا ان نذهب للخرطوم بسبعة اعلام وسبعة جيوش, ولكن كان تكوين جيش واحد امرا صعبا ولابد من الوصول اليه عبر مراحل. وقد حددنا اربع مراحل للتوحيد: الاولى مرحلة التواصل وهي اضعف اشكال القيادة, ثم طورنا التواصل الى التنسيق, ثم مرحلة القيادة المشتركة, وأخيرا القيادة العسكرية الموحدة في مطلع هذا العام. وقد كانت هذه المراحل ضرورية بسبب طبيعة التجمع. وبالنظر الى المشاكل التي واجهتنا والتي قمنا بحلها, يمكنني القول انه منذ 1995 حتى مارس الماضي عندما خرج حزب الامة ظللنا موحدين, وهذا في حد ذاته نجاح. بعد ذلك انشأنا وحدات عسكرية وانخرطنا في عملية التوحيد. * هذا في المجال العسكري, ولكن كيف الحال في المجال السياسي؟ ـ هذا ايضا ينطبق على المجال السياسي.. لقد ظللنا موحدين خلال السنوات الخمس واجرينا تنسيقا مع التجمع في الداخل, وللمرة الاولى شارك تجمع الداخل في اجتماعات التجمع بالخارج في كمبالا وأسمرة.. هذه تطورات مهمة جدا. * وكيف أثر تجميد حزب الأمة لنشاطه على هذه التطورات؟ ـ اعتقد اننا اصبحنا موحدين اكثر من ذي قبل, الذين بقوا منا في التجمع هم الآن اكثر وحدة.. ومولانا محمد عثمان الميرغني ظل كما كان عنصر استقرار وتوحيد. في تقديري ان هدف الصادق المهدي كان هو تعبئة المكون الشمالي للتجمع الوطني ليصطحبه معه للخرطوم لتقديمه للتحالف الجديد بينه وبين النظام. فشل المهدي والترابي وفي اعتقادي, انه منذ اجتماع جنيف تم التوصل الى اتفاق يقوم بموجبه الترابي بأشياء معينة في الداخل اهمها توحيد القيادة بحيث يصبح مسيطرا على الحزب والحكومة. اما الصادق فكان دوره ان يعمل من داخل التجمع الوطني لتقديم التجمع للتحالف الجديد المكون من الترابي والصادق. والذي حدث ان الاثنين فشلا في مهمتهما, او هما على طريق الفشل لم يتخذ اي فصيل من التجمع الوطني الخط الذي اتخذه الصادق, والنظام شن هجوما علينا اثناء اجتماعنا في اسمرة وذلك بغرض دعم خط الصادق, لكن ذلك ايضا لم ينجح. اظن ان سوء قراءة الواقع السياسي هو الذي دفع الصادق المهدي لاتخاذ قراره ذاك. وقد بذلنا جهدنا في كل من كمبالا واسمرة لاثناء الصادق وحزب الامة عن السير في هذا الطريق. لأننا رأينا فيه اضرارا حتى بمصلحة حزب الامة في يونيو 1998 (بعد جنيف) عندما تقدم الصادق بمقترحاته في اجتماع اسمرة. تبنينا الحل السلمي التفاوضي, و لم يكن ذلك شيئا جديدا, لأن الحل التفاوضي كان ضمن اعلان اسمرة.. فقط فتحنا ملف السلام المضمن في اعلان اسمرة, ولكن معنى الحل السلمي التفاوضي, في فهمنا, كان مختلفا من فهم الصادق لهم. فبالنسبة لنا فإن التسوية السياسية عن طريق التفاوض هي احدى وسائل النضال الاربع وهي الانتفاضة, الكفاح المسلح, الضغوط الدولية والحل السياسي. الحل السياسي ليس هدفه الانضمام لحكومة الجبهة بل لتفكيك النظام.. وهذه الوسيلة النضالية ليس حكرا على التجمع الوطني ولكنها وجدت في حالات اخرى, على سبيل المثال حالة جنوب افريقيا كانت المشكلة هناك هي (التمييز العنصري) , وفي السودان فإن المشكلة هي حكم الحزب الواحد القائم على اسس ايديولوجية, في جنوب افريقيا كان اسهام الكفاح المسلح صغيرا ومحدودا, بينما اسهام الانتفاضة كان كبيرا جدا (سويتو) وكان اسهام الضغوط الدولية كبيرا للغاية من خلال التعبئة الدولية ضد نظام الفصل العنصري, وفي النهاية فإن مشكلة الفصل العنصري لم تحل بالعمل العسكري او الانتفاضة, وانما حلت بالمفاوضات السياسية, وهكذا فإن نظام الابارتهايد تم اخراجه من السلطة بالتفاوض. الحل التفاوضي يمكن استخدامه في السودان لاخراج الجبهة القومية الاسلامية من السلطة, وهذا ما نعنيه بتفكيك النظام. ولكن الصادق المهدي فهم الحل السلمي, كما اعتقد, بأنه (انقاذ نمرة 2) اذ كان يتحدث عن تعرض السودان للتهديدات وعن فصل الجنوب وعن التدويل ثم اتجه نحوي وطلب مني ان اساعده ضد نفسي! اذن, كان لدينا تفسيرات مختلفة للحل التفاوضي. وكل فصائل التجمع الوطني الاخرى لها فهم واحد للحل التفاوضي هو انه احدى وسائل النضال. هكذا ذهب الصادق المهدي وحزب الامة الى الخرطوم, والآن هم في وضع صعب وهذا ما اشرنا اليه في نصيحتنا لهم في اسمرة. قلنا لهم: ربما كنتم صادقين في اعتقادكم بصحة وسلامة ما تفعلون, ولكن اذا ذهبتم الى الداخل فإن النتائج ستكون سيئة للغاية. فبادىء ذي بدء, فيما يتعلق بوسائل النضال, ستحرمون انفسكم من الكفاح المسلح لأنكم تخليتم عن ذلك بتجميد قواتكم منذ اكتوبر 1999 قبل كمبالا وقبل جيبوتي. وثانيا فيما يتعلق بالانتفاضة لا اتصور ان حزب الامة بمعزل عن التجمع الوطني, بامكانه ان ينجح عن طريق الانتفاضة في التخلص من نظام الجبهة, ولهذا فسيصعب عليهم النضال من خلال الانتفاضة دون مشاركة بقية قوى المعارضة.. الا اذا انتفضوا مع الترابي! اما فيما يتصل بالضغوط الدولية لا ادري كيف سيكون خطابهم للمجتمع الدولي. سيجدون انفسهم يتحدثون لغة الجبهة القومية الاسلامية.. وهذا ما حدث في الواقع, فقد اصبحت الحركة الشعبية هي هدفهم واصبح التجمع ايضا هدفا لهم ولا يوجهون اي نقد للجبهة القومية الاسلامية. اما بخصوص الحل التفاوضي, فالسؤال هو: من أي منبر سيتفاوضون على الحل السياسي؟ ليس بمقدورهم التفاوض عبر منبر الايجاد لأنهم ليسوا اعضاء في التجمع الوطني الديمقراطي. وليس بامكانهم التفاوض من خلال المبادرة المصرية الليبية المشتركة لأن اتفاقية جيبوتي تمثل رفضا للمبادرة المشتركة, وذهابهم الى الخرطوم هو بمثابة رفض للمبادرة المصرية الليبية, ورغم ان الصادق المهدي يتهم الحركة الشعبية بأنها ضد هذه المبادرة فإنه هو, أي الصادق, هو الذي عمل بفعالية ضد المبادرة المشتركة. اذن فإن حزب الأمة عزل نفسه عن كل وسائل النضال.. وسواء ارادوا ام لا فإن (طبيعة الاشياء) كما قال مولانا الميرغني, تجبرهم لأن يكونوا مع النظام. * هل تعتقد ان الحكومة ستقبل التفاوض مع التجمع بقصد (تفكيكها) ؟ ودعنا نضع السؤال بشكل آخر: اذا امكن الوصول الى نظام ديمقراطي في السودان عبر المفاوضات, الا يعني هذا تفكيكا للنظام القائم؟ ـ نعم هذا صحيح.. والجزء الثاني من السؤال يجيب عن الجزء الأول. ان النظام ليس غبيا ليتفاوض على تفكيك نفسه, ليست المسألة هي ان نطلب من النظام ـ بأدب ـ ان يفكك نفسه فيفعل.. انه تضافر بين كل عوامل الضغط, استمرار الكفاح المسلح, واستمرار قوى الانتفاضة في الضغط والحل السياسي. كل هذه الضغوط هي التي ستجبر النظام على القبول لتقليل خسائره الى الحد الادنى. لقد فاوض نظام التمييز العنصري على تفكيك النظام من اجل ان يكون لهم (وجود) .. وقد تحقق لهم ذلك ودي كليرك يتنفس الحرية. واذا تم اخراج نظام الجبهة القومية الاسلامية من السلطة عن طريق التفاوض, فإن بامكان الجبهة الاسلامية ان تظل موجودة كحزب سياسي مثل الاحزاب الاخرى, وهذا احسن من (الانقراض) . اذن, لا احد يتفاوض ليخرج نفسه من السلطة, ولكنه سيجبر, ليس فقط لتقديم تنازلات, ولكن ليصبح واحدا من الاحزاب السياسية وليس الحزب السياسي الوحيد. * بعض اصدقائك ( مثل بونا ملوال) وبعض رفاقك السابقين (مثل جون لوك) وجهوا انتقادات لأسلوب قيادتكم.. ما تعليقك؟ ـ وهل توجد قيادة لا توجه لها الانتقادات؟ كل القيادات في كل العالم توجه لها الانتقادات.. هذا لا يقلقني. أنا مقاتل إذا أنا متفائل * ألا تضيف شيئا؟ لقد ذكر بونا انك تمثل عقبة في طريق الوصول الى حل سلمي.. ماذا تقول؟ ـ فيما يتصل بجون لوك فليس لدي شيء ضده كل ما فعله هو انه بتكوين حركته السياسية الخاصة وتسمى (حركة تحرير جنوب السودان) هذا هو خياره, وكل ما فعلناه هو تأكيد انه لم يعد عضوا في الحركة الشعبية لتحرير السودان لأن المرء لا يمكن ان يكون عضوا في منظمتين سياسيتين. اما فيما يتصل ببونا ملوال فنحن لسنا ضد اجتماع الجنوبيين الذي دعي له في جنيف, نحن ضد مشاركتنا كحركة في ذلك الاجتماع وأوضحنا اسبابنا لعدم المشاركة وهي ان الحركة الشعبية لا تضم الجنوبيين فقط, بل تضم جنوبيين ونوبة وسودانيين آخرين, فإذا حضرنا اجتماعا للجنوبيين فقط فإن ذلك سيتسبب في مشاكل داخل تنظيمنا. لكننا لسنا ضد اجتماع اي جنوبيين في مجموعات او اجتماع اي مجموعات اخرى كأبناء النوبة.. وهكذا ليس بيننا وبين بونا أو جون لوك اي مشكلة على الاطلاق. * ماذا دار في زيارتك الحالية لمصر, وهل حققت اهدافها؟ ـ أؤكد ان اجتماعاتي ولقاءاتي في القاهرة كانت ناجحة للغاية لقد التقيت بكل الذين اردت الالتقاء بهم.. الوزير عمر سليمان ووزير الخارجية عمرو موسى.. الدكتور يوسف والي والدكتور اسامة الباز وأخيرا الرئيس محمد حسني مبارك. ومحتوى كل هذه اللقاءات اكد وجود تفاهم بيننا. ولقد عبرت عن شكري للرئيس الذي ابدى اهتماما بالسودان وحرصا شديدا عليه, وهو (متحمس) لقضية السودان. وقد اتفقنا على ان ما يحفظ وحدة السودان هو التحرك نحو السودان الجديد, كان هذا هو حصيلة الاجتماعات على جميع المستويات.. قد اتفقنا في ان ما يحدث في السودان الآن تطور مهم, وينبغي ان يستخدم لتحريك الاوضاع باتجاه وقف الحرب وتحقيق السلام والاستقرار والوحدة القائمة على اسس جديدة, واتفقنا على ضرورة التعاون والتنسيق لايجاد آلية للربط بين المبادرة المصرية الليبية ومبادرة الايجاد. اما على مستوى التجمع الوطني الديمقراطي فقد تمكنا في اجتماع القيادة من اجراء تقويم للتطورات الاخيرة في البلاد. وستتواصل اجتماعات المكتب التنفيذي بقيادة مولانا محمد عثمان الميرغني وبحضور نيال دينق المنسق العام. * هل انت متفائل بخصوص الحل السياسي الشامل؟ ـ لا مجال لـ (مقاتل غوريلا) مثلي لأن يكون متشائما, انني متفائل بحدوث الحل السياسي الشامل الذي يحقق وحدة السودان, خاصة وان التجمع الوطني قد نجح في البقاء متماسكا ومتحدا رغم التحدي الذي شكله خروج حزب الأمة. * هل هناك أية امكانية لعقد اجتماع مشترك بين التجمع الوطني والحكومة على أي مستوى من المستويات؟ ـ نعم هناك امكانية عقد اجتماع, في وقت من الاوقات, بين التجمع الوطني الديمقراطي والحكومة. وفي الحقيقة, نحن كحركة ليست لدينا مشكلة في الاجتماع مع الحكومة, فقد فعلنا ذلك في ابوجا (1) وأبوجا (2) والآن في الايجاد, اما بالنسبة للتجمع الوطني فإننا في اطار المبادرة المصرية الليبية المشتركة نتحدث عن تهيئة المناخ لعقد اجتماع من هذا القبيل, وفي الاجتماع الذي عقدناه كقيادة للتجمع قبل ايام بالقاهرة اكدنا هذا مجددا, ودعونا الحكومة للقيام بخطوات معينة لخلق الظروف الملائمة لعقد الاجتماع. نعم ان الرد هو بالايجاب بشرط ان تتخذ الحكومة الاجراءات المطلوبة. * وفي ضوء ما يجري الآن داخل السودان بماذا تنصح الفريق البشير؟ ـ (ضاحكا) يا له من سؤال طريف.. انا انصح البشير؟! انني انصحه بأن يتنحى ويترك المجال للسودان الجديد! هذا سيوفر علينا الكثير من سفك الدماء والكثير من المعاناة. وكجزء من خطة تنحية انصحه بالقدوم نحو (التوجه السوداني) بدلا عن (التوجه الحضاري) .. ان خطوة كهذه ستهيىء ظروفا ملائمة لكي يكون مفيدا في بناء السودان الجديد. لقد برهنت السنوات العشر الماضية على ان طريق الجبهة القومية الاسلامية هو طريق مسدود, والبشير يمكن ان يكون مفيدا, اذا سار في الطريق المعاكس لطريق الجبهة.. هذا بالطبع اذا كان لي ان انصحه. * فيما يتصل بتهيئة المناخ, ما الذي انتم على استعداد لتقديمه؟ ـ كأنك تطلب من ضحية القهر ان يتنازل.. الذي يقع عليه القهر ـ عادة ـ لا يقدم تنازلات.. على الذي يتسبب في القهر التنازل. * ماذا عن اعلان التجمع وقفا مؤقتا لاطلاق النار في كل السودان؟ كما تنص المبادرة المصرية المشتركة؟ ـ التجمع قدم تنازلا كبيرا عندما اصبح ـ للمرة الاولى ـ يتحدث عن الجلوس مع النظام بعد ان يدعوا الى اجتثاث النظام من جذوره وفروعه.. الآن, دع الحكومة تخلق الاجواء المناسبة, عندها سنقدم المزيد من التنازلات. * سؤالنا عن وقف اطلاق النار.. موقفكم معروف من ربط الوقف النهائي لاطلاق النار بالتسوية النهائية.. ولكن ماذا عن وقف مؤقت لاطلاق النار؟ ـ وقف اطلاق النار هو جزء من العملية السياسية.. اذا تمت تهيئة المناخ الملائم واتجه الناس للتفاوض, فمن الممكن حينئذ النظر في وقف اطلاق النار.. ولكن في الوقت الراهن لا يوجد اساس لهذا, كل ما سيحدث ان النظام سيجد فرصة لدعم صفوفه باستخراج المزيد من البترول, انهم يكسبون ما يقارب 5 ملايين دولار يوميا, فاذا اوقفنا اطلاق النار لثلاثين يوما, مثلا, فمعنى هذا ان نهيىء لهم راحة البال بالحصول على 150 مليون دولار. لماذا نفعل هذا في الوقت الذي لم تفعل فيه الحكومة شيئا؟ اذن لا يوجد اساس للنظر في هذا, ولكن اذا وجد الاساس فمن الممكن النظر في وقف اطلاق النار. * كيف ترى الصراع الحالي في الخرطوم؟ ـ (ضاحكا) جيد. ان ما يحدث جيد!! أجرى الحوار في القاهرة ـ الدكتور الباقر أحمد عبدالله المدير العام لصحيفة الخرطوم وفضل الله محمد رئيس التحرير