دعا وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير الخارجية القطري الى اعادة تطبيع علاقات دول الخليج مع العراق خصوصاً الكويت وقال في كلمته امام الندوة, ان هناك روابط وعوامل متميزة تجمع بين البلدين اكثر مما تفرقهما, وطالب الوزير القطري الجميع بالعمل من اجل اعادة التطبيع الكويتي العراقي لأن الازمة التي تشهدها الامة العربية حالياً سببها الرئيسي العداوة بين الكويت والعراق مؤكداً ان الوضع بالمنطقة لن يعود الى طبيعته الا بهذه المصالحة. ودلل بن جاسم على ان تداعيات الغزو العراقي للكويت ما زالت قائمة بقوله ان الوجود الاجنبي في الخليج سببه المباشر هو الغزو وعملية السلام الجارية حالياً انعكاس مباشر لخلل الموازين الاقليمية الناجمة عن الغزو ومن ثم دعا الى صيغة جديدة بين الكويت والعراق وطالب بغداد بتصحيح الخطأ. وقال الوزير القطري ان القيادة العراقية ارتكبت خطأ فادحاً بغزوها للكويت, وهذا الخطأ لم يؤد الى الحاق اضرار جسيمة بالكويت وبشعبها وبمصالحها فحسب, بل اسفرت عنه نتائج وتبعات كارثية على العراق وشعبه ايضاً, وعلى جميع العرب, ونحن ما زلنا حتى هذه اللحظة, وبعد اكثر من عقد كامل من الزمن على هذه المأساة, نعاني من آثارها السلبية على منطقة الخليج دولاً وحكومات وشعوباً, وعلى العالم العربي ككل, في مختلف المجالات وعلى الاصعدة كافة سياسياً واقتصادياً وامنياً واستراتيجياً وليس ادل على ذلك من الواقع الذي نواجهه حالياً في المنطقة. فزيادة الوجود العسكري الاجنبي في دول الخليج ومياهه واجوائه هي نتيجة مباشرة للأزمة التي نتجت عن غزو الكويت, وعملية السلام الجارية حالياً, بكل تعقيداتها وتشعبها ما هي بدورها الا الانعكاس المباشر للخلل الحاصل في موازين القوى الاقليمية نتيجة لهذه الازمة والتداعيات المترتبة عليها, والتي لا نزال نعاني منها والاعباء الاقتصادية الاضافية التي تعين على دولنا ومجتمعاتنا تحملها كانت ناجمة بدورها عن هذه الازمة وانعكاساتها المستمرة وهذه ليست سوى أمثلة على ما أسفرت عنه هذه الأزمة ـ الكارثة من نتائج سلبية علينا جميعاً. بالتالي, لا شك لدينا بأنه يتعين على بغداد تصحيح خطأها, والعمل بصدق وجدية على ازالة آثاره والتخلص من تبعاته, كان هذا موقفنا دائماً, وهو سيظل كذلك حتى تتم معالجة هذه الأزمة وذيولها, وحتى ننتهي منها ومن انعكاساتها, وحتى نضمن عدم تكرارها او حدوث ما يماثلها مستقبلاً. من هذا المنطلق الثابت, دعونا الاخوة في بغداد, باستمرار وبالحاح, الى ضرورة التقيد بقرارات الامم المتحدة ذات الصلة, والى احترام التزاماتهم وتعهداتهم, وتطبيق ما تنص عليه هذه القرارات والالتزامات. في السياق نفسه, طالبنا ولا نزال بضرورة وضع حد لمأساة الأسرى والمفقودين الكويتيين, الذي نسأل الله تعالى ان يعيدهم الى أهلهم وعوائلهم في اسرع وقت ممكن سالمين. وقبل كل شيء, شددنا دائماً على ضرورة وقف اي دعوات او شعارات تمس بأمن الكويت وسيادتها واستقلالها, ووحدة شعبها واراضيها, وشرعية قيادتها وحكومتها, معتبرين بأن اي مساس بهذه المسائل يشكل تعدياً على كل دول الخليج العربية وشعوبها وحكوماتها. لقد عادت الكويت, والحمد لله, حرة مستقلة, وعادت الى الكويت قيادتها الشرعية, ومؤسساتها السياسية والادارية, وكان ذلك قبل ما يقارب عشر سنوات, بفضل جهد دولي جامع قل نظيره في التاريخ العالمي المعاصر, وكان لنا نحن في قطر شرف المشاركة فيه والمساهمة في تحقيقه, كما انه لا بد من الاشارة هنا الى ان هذا الجهد لم يكن ليحصل ويتبلور وينجح لو لم تتوافر له القاعدة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الاساسية التي تمثلت في اجماع الخليجيين, حكومات وشعوبا, ووقوفهم بوحدة وصلابة وراء هدف تحرير الكويت واعادة الشرعية اليها, وفي صورة خاصة, لم يكن ذلك ممكناً, في اعتقادي, من دون الموقف التاريخي الذي اتخذته المملكة العربية السعودية الشقيقة بوضع قواتها ومنشآتها واراضيها واجوائها ومياهها ورصد طاقاتها وامكاناتها في سبيل تحقيق هذا الهدف لكن المؤسف ان الازمة التي تسبب فيها الغزو العراقي لهذا البلد العزيز لم تنته بعد, بل انها ما زالت ماثلة أمامنا, صحيح انها لم تعد ازمة كويتية, بالمعنى الدقيق للكلمة, لان الكويت تحررت, لكنها لا تزال أزمة خليجية, بل وأزمة عربية شاملة, ناهيك عن كونها, اولاً وأخيراً ازمة العراق نفسه, بلداً عزيزاً وشعباً شقيقاً وكياناً أساسياً وحيوياً في منطقتنا. لابد لي هنا ان اكون في منتهى الصراحة عندما اقول انني على اقتناع كامل بأن الوضع في هذه المنطقة لا يمكن ان يعود الى طبيعته, الا اذا عاد الوضع بين العراق وجواره ومحيطه, بما في ذلك الكويت, الى طبيعته. فالوضع العربي والاقليمي لا يمكن ان يكون طبيعياً ولا مقبولاً عندما تكون العلاقات الكويتية ـ العراقية على ما هي عليه الآن من قطيعة, وعندما يكون العراق خارج اطار العلاقات العربية, وعندما يكون شعبه لا يزال يعاني منذ عشر سنوات اهوال الحصار والعقوبات والمقاطعة واود هنا ان اشير الى انني لا احاول في هذا السياق تحميل المسئولية في هذا الوضع على هذا الطرف او ذاك, او توجيه اللوم الى اي كان, فهذا موضوع آخر قابل للبحث والنقاش, لكن ما يهمني هو التأكيد على ان وضعا كهذا لا يمكن ان يستمر الى الأبد, لانه يحمل في طياته كل بذور عدم الاستقرار والتوتر واحتمالات التأزم والتفجر التي نحاول جميعاً تلافيها. اعادة التطبيع في المقابل, يتعين علينا جميعاً ان نعمل من اجل التوصل الى اعادة تطبيع هذا الوضع, واستخدم هذا التعبير عن عمد, لأنني على اقتناع بأن المطلوب فعلاً, اذا كنا نتحدث عن مستقبل العلاقات بين الكويت والعراق, ايجاد الصيغ الكفيلة باعادة تطبيع هذه العلاقات, باعتبار ذلك المدخل الذي لابد منه لاعادة تطبيع علاقات العراق العربية, ومن ثم تطبيع موقعه الاقليمي والدولي كعضو فاعل ونشط ومؤثر بين الأمم وهذا يعني انه يترتب علينا نحن, اي الدول الخليجية العربية المجاورة للعراق, ان نأخذ زمام المبادرة, وان نعمل ونفكر ونضع التصورات الكفيلة بتحريك الوضع الراهن واخراجه من جموده, والافلات من قبضة هذا المأزق الذي تدور منطقتنا في دوامته ما يقارب عقداً كاملاً من الزمن, فلم يعد كافياً, في اعتقادي, ان نكتفي بالقول اننا حريصون على التقيد بالقرارات الدولية, ومن ثم الجلوس والانتظار ريثما تحدث معجزة تأتي لتخلصنا من هذه الورطة, بل علينا ان نبادر نحن الى تحمل مسئولياتنا, وتحريك الامور في الاتجاه الذي نراه ملائماً لمصالحنا ومستجيبا لأهدافنا, كخليجيين وكعرب وكمسلمين, فالقرارات الدولية لا تظل جامدة او ثابتة, بل هي دائماً عرضة للتحولات والتغيرات حسب تحول وتغير المصالح الدولية التي قد تكون كامنة وراءها في اي وقت من الاوقات بل لقد شهدنا خلال الفترات الماضية, وبالفعل والواقع, كيف تتبدل هذه المصالح وكيف تتغير معها الظروف وبالتالي القرارات الدولية, في اكثر من أزمة ومنطقة من العالم لذلك اقول واكرر انه يتعين علينا نحن أبناء هذه المنطقة ان نتحمل هذه المسئولية المطلوبة منا, وان نعمل على صياغة مبادرة اقليمية تعيد الوضع الى نصابه في المنطقة, بما في ذلك رفع الحصار عن العراق وشعبه, فهذا الحصار, والمعاناة الانسانية الناجمة عنه, لا يمكن ان يستمر الى الأبد, مهما كانت الاسباب والدوافع السياسية الكامنة وراء هذا الوضع. حتى يتحقق ذلك, فإنه لا بد ان يتجاوب الاخوة في بغداد, نعم, عليهم ان يعملوا على تصحيح الخطأ المتمثل في غزوهم للكويت, وان يعملوا على ايجاد الحل النهائي والانساني لقضية الاسرى والمفقودين الكويتيين حتى نتجاوز هذه المأساة, وان يعلنوا بما لا يقبل التأويل او النقاش او الجدل اعترافهم الذي لا لبس فيه بكيان الكويت واستقلالها وسيادتها وحدودها, ووحدة شعبها واراضيها, وخصوصيات مجتمعها وتاريخها وثقافتها, وشرعية نظامها ومؤسساتها. في الوقت نفسه, علينا ان نؤكد على تمسكنا بوحدة العراق ارضاً وشعبا, وبسيادته على ارضه واجوائه ومياهه, وبكيانه كدولة مستقلة موحدة وفاعلة بين دول المنطقة وفي العالم, وعلى ضرورة رفع المعاناة عن شعبه في أقرب فرصة ممكنة. أما مسألة الحكم في العراق فهذه يجب ان تكون متروكة لشعب العراق, وهذا اضعف الايمان, لأن تغيير نظام الحكم في اي دولة من الدول, ومهما كان موقفنا من هذا النظام ومدى اتفاقنا او اختلافنا معه, فإن المبدأ الأساسي الذي يجب ان نستند اليه هو عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى, مهما كنا في موقفنا من أنظمة الحكم فيها, فتغيير هذه الانظمة يجب ان يكون, اولاً واخيراً في ايدي شعوبها وليس بوحي من الآخرين, او بناء على رغباتهم. وعلينا ايضاً ان نميز بين العراق كبلد وشعب, وبين الظروف السياسية التي قد تكون قائمة في مرحلة من المراحل او في وقت من الاوقات, فنحن قد نتفق مع الحكومة العراقية او قد نختلف معها, وقد نعترض على سياساتها ونطالبها دائماً بمواجهة الحقائق وتحمل مسئولياتها لكننا لا يمكن ولا يجوز ان نحمل الشعب العراقي تبعات هذه السياسات او المسئولية عنها.