لماذا أصدر مجلس الأمن 100 قرار في 1993 ، انشاء آلية التفتيش في العراق فتح المجال أمام جحيم من التطورات الدولية انبعثت اجواء التفاؤل لبرهة عقب حرب الخليج الثانية, وعقب سقوط الاتحاد السوفييتي ظن الناس ان صوت (العقل) سيعلو على صوت السياسة, وتعالت شعارات النظام العالمي الجديد, الذي تحفه مؤشرات السلام والأمن من كل مكان, وتهيأ مجلس الأمن ليلعب دوره كحكومة عالمية مكلفة بحفظ الأمن وتوطيد السلام وعمل لذلك على تفعيل البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة, وعلى ضوء ذلك صدر القرار الأشهر تحت رقم 687 الذي استهدف تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل. لم يتطلب ذلك القرار مسألة التدخل المباشر في العراق, ولكنه بانشائه لآلية التفتيش شبه الدائمة أقر عمليا مسألة التدخل في شئون العراق, بما أصبح يشكل سابقة في عمل المجلس وتراث القانون الدولي بالتالي, وهكذا تتالت عمليات التدخل في شئون الدول الأخرى, وأصبح المجلس في حالة تدخل دائم في مناطق الأزمات, وتكاثرت قراراته حتى اقتربت من 100 قرار في 1993, مقارنة بنحو 15 قرارا في كل سنة من سنوات الحرب الباردة, وفي 1996 تفاقمت الأزمات حتى تأثر بوقوعها المباشر أكثر من 42 مليون نسمة, وبلغ اجمالي الانفاق على جهود الاغاثة حوالي 7.2 مليار دولار, وهو رقم مهول لا سابق له في تاريخ الأمم المتحدة منذ انشائها. تنامت أيضا ظاهرة ارسال قوات حفظ السلام, ففيما بين انشاء الأمم المتحدة وعام 1988 لم تبعث الأمم المتحدة إلا بثلاث عشرة قوة من قوات حفظ السلام ولكن في الثلاث سنوات ونصف السنة التالية تم ارسال خمس بعثات سلام, وبنهاية 1994 تم ارسال سبع عشرة بعثة سلام, تضم نحو ثمانين ألف جندي, أي ما يماثل تعداد جيش كامل من الحجم المتوسط. ادارة المتاعب كان على دكتور بطرس غالي وخلفه كوفي عنان ان يديرا وينسقا تلك الجهود التي تشكل تدخلا في شئون الأقطار المستقلة, قد قام كل منهما بتنسيق تلك الجهود وادارتها بطريقة مختلفة. وكانت البداية الحقيقية في كمبوديا حيث استدعى سقوط الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا ان ترتخي قبضة فيتنام على كمبوديا, وتشرع تدريجيا في سحب قواتها عن ذلك القطر الذي ظلت تحتله طوال الثمانينيات. حقا لقد أوقف الفيتناميون مجازر الخمير الحمر التي أبادت نحو مليوني شخص, كانوا يشكلون ما يقرب من ربع سكان القطر, ولكن الخمير الحمر رفضوا بعد ذلك ان يجلوا عن ذلك القطر, الذي تدخلوا فيه أساسا لأسباب استراتيجية لا انسانية, ودعمتهم في ذلك الصين لأسباب استراتيجية أيضا, ووقفت الأمم المتحدة عاجزة حيال ذلك الوضع, الأمر الذي جر عليها انتقادات لا حصر لها, ولكن ها هي فيتنام تقرر بمحض إرادتها ان تجلو عن كمبوديا, فإذن لابد من ان ترحب الأمم المتحدة بذلك القرار وان تبادر بالمساهمة في التدبيرات الجديدة لمستقبل كمبوديا, وهكذا تقرر ان توضع كمبوديا تحت الوصاية الانتقالية للأمم المتحدة. وبنهاية عام 1991 قرر خبراء الأمم المتحدة ان تكاليف حفظ السلام في كمبوديا تصل إلى نحو ملياري دولار, وبقي على دكتور بطرس غالي الذي انتخب حديثا سكرتيرا عاما للأمم المتحدة, ان ينفذ خطة نشر قوات السلام في كمبوديا, فاختار دبلوماسيا يابانيا يعمل بالأمم المتحدة هو يوشي أكاشي ممثلا شخصيا له لشئون المشكلة الكمبودية, ولم يكن أكاشي صاحب خبرة تذكر في الشئون العسكرية, وكل استعداداته كانت تتلخص في ملكة المرح التي يتمتع بها واستعداده المستمر للابتسام. وعندما سافر إلى كمبوديا أسرع فأبرق إلى دكتور بطرس غالي يقول ان تقديرات الدول المساهمة في حل المشكلة الكمبودية هي تقديرات ساذجة جدا, لأن هذا القطر يحتاج إلى ان يبنى مما دون الصفر حيث لا توجد طرق ولا جسور ولا مبان سليمة ولا مصادر تدر أي دخل, الأمر الذي جعل حكومة كمبوديا (الشكلية) بمثابة شحاذ متسول, وذكر أكاشي في برقيته انه بمجرد وصوله إلى هناك امتدت اليه أيدي هذا الشحاذ المتسول. قام أكاشي بتحذير دكتور بطرس غالي من صعوبات سياسية ولوجستية كثيرة ستواجه قوات الأمم المتحدة بكمبوديا, فلم يعره دكتور غالي اذنا صاغية وقام بزيارة إلى هناك وأمر بانشاء محطة راديو محلية لتيسير الاتصالات المتعذرة في المنطقة المدمرة, ولم يبال بتظاهرات وتمرد وعدم تعاون الخمير الحمر مع قوات الأمم المتحدة الأمر الذي جلب أسوأ العواقب فيما بعد وأثر في مستقبل كل بعثات السلام التي سترسلها الأمم المتحدة بعد ذلك إلى انحاء أخرى في العالم. تجاهل التحذيرات بينما كانت تلك المصاعب تتصاعد في كمبوديا نشبت أزمة يوغسلافيا التي لم يشأ حلف الناتو ان يواجهها عسكريا, ولم تشأ المجموعة الأوروبية ان تحسمها سياسيا منذ البدء, بل اشعلت نارها بتشجيعها لسلوفينيا وكرواتيا في الانشقاق عن الاتحاد اليوغسلافي, وعندما حذر علي عزت بيجوفيتش من خطر اندلاع القتال بين الصرب والكروات, ودعا إلى ارسال بعثة سلام من قبل الامم المتحدة إلى هناك. رفض طلبه بتصميم شديد, وذكر الايراني بهرويز سادري الذي كان يرأس وحدة الادارة والامداد بقوات السلام التابعة للأمم المتحدة ان الأمم المتحدة يكفيها ما تعاني من مشكلات حاليا في كمبوديا, وان السكرتارية العامة للأمم المتحدة لا يمكن ان تتورط في ارسال بعثة أخرى إلى يوغسلافيا, أما دكتور بطرس غالي فقد قال في هذا الأمر: (نحن خاسرون تماما, إذا أوصينا بعدم ارسال بعثة سلام إلى يوغسلافيا فستشيعنا الاتهامات من قبل فرنسا وغيرها, وسيحملوننا تبعة ما سيقع من مذابح وجرائم, أما إذا أوصينا بارسال بعثة سلام وأجاز مجلس الأمن تلك التوصية فإن مصير البعثة هو الاخفاق التام, وسيكون مآلها ان تسحب سريعا من هناك) . كانت تلك هي كلمات د. بطرس غالي ولعله ضمنها في تقريره السلبي الذي أرسله إلى مجلس الأمن, ولكن حدة القتال تفاقمت حالما أعلن علي عزت بيجوفيتش على عكس نصيحة وزارة الخارجية الأمريكية له استقلال البوسنة والهرسك عن يوغسلافيا ثم جدد طلبه ارسال قوات سلام إلى بلاده, ولكن الصرب رفضوا ذلك, وأرسل د. بطرس غالي توصية إلى مجلس الأمن مفادها ان ارسال بعثة لحفظ السلام إلى البوسنة أمر خارج عن حيز الامكان, وانه لا يضمن سلامة أعضاء تلك البعثة, فضلا عن ان يضمن أداءها لأي خدمة ايجابية فيما يتعلق بإقرار السلام. لم يكن تقرير بطرس غالي مقنعا لمجلس الأمن إذ أصدر المجلس قراره رقم 752 في منتصف مايو 1992 والذي يقضي بإرسال قوات لحراسة المواد الاغاثية المرسلة إلى الاقليم, وهي بعثة لم تستمر طويلا بسبب اشتداد القتال وقام د. بطرس غالي أخيرا باصدار أوامره بسحب تلك القوات, خوفا عليها من اعتداءات الصرب الذين رفضوا إرسال تلك القوات منذ البداية. وبناء على ذلك ظل بطرس غالي يردد فيما بين 1992 و 1995 بلا كلل ان ارسال بعثات سلام إلى البوسنة أمر لا يُرْجى منه, ولا مردودد له على الاطلاق, وان تلك البعثيات لن تحقق لا وقف اطلاق نار, ولا اتفاق سلام, لأن الأطراف المتفائلة لا تريد أي سلام, ولكن في وقت لاحق عندما أزيح د. بطرس غالي عن السكرتارية العامة للأمم المتحدة, وجيء بكوفي عنان, أصدر هذا الأخير دراسته التقويمية عن تجربة مجلس الأمن وتوصية د. بطرس غالي فقال: ان العلة الحقيقية لم تكن في الموقف, ولا في أصل الفكرة, وانما في نوعية القوات التي أرسلت وعددها وحجم تسليمها, فعدد القوات كان قليلا, وأسلحتها كانت خفيفة, وتركيزها كان ضعيفا, وكانت القوات موزعة على أنحاء متباعدة بحيث لا تردع معتديا, ولا تنصر معتديا عليه!! ولم تبحث الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن, ولا بعثة السلام, ولم تقم بتقصي موضوع التعذيب والتجويع والتطهير العرقي وعندما اكتشفت اجهزة الاعلام الغربية أمر معسكرات الاعتقال التي أودع فيها المسلمون, لم تتحرك الأمم المتحدة حيالها ولم تقم بأي شيء , حتى جاء دور بوش واستثمر الموضوع لصالح حملته الانتخابية, إذ ان صور تلك المعسكرات صدمت الرأي العام الأمريكي إلى أقصى حد, ومع ان بوش لم يستخدم قط لفظ (معسكرات الاعتقال) إلا انه أمر باخلائها فورا واطلاق سراح أسراها وقد نفذ الصرب الأمر جزئيا, بعد ان قتلوا عددا كبيرا من المسلمين, واكتفى بوش بذلك الانجاز, ولم يقم بمجاراة منافسه على الرئاسة (بيل كلينتون) الذي أعلن انه حال انتخابه سيقوم بارسال قوات أمريكية إلى هناك, وعبر بوش بقوله انه بارد الاحساس تجاه المجازر, وانه يكرر الآن موقفه الصامت نفسه حيال مجازر تيان آنمين في الصين. الفريسة الأسهل ابتلع بوش تلك الاتهامات ولم يشأ ان يخاطر بشيء في البوسنة, لا سيما ان درس كمبوديا كان عالقا بالأذهان, ولكن المشكلات العالمية لم تنحسر قط بل ظلت تتصاعد, فهاهي الحرب الأهلية المترافقة بالمجاعة تعم الصومال, ان الصوماليين قوم متشابهون ثقافيا, وعرقيا ولغويا ودينيا, ولكنهم مع ذلك متحاربون, والسبب هو انقسام ملايينهم الخمسة إلى ست قبائل, هي الأصل في انتمائهم الحياتي, أما ولاؤهم للدولة القومية فهو أضعف من ضعيف, وحتى رئيسهم محمد سياد بري الذي أعلن انه بصدد الغاء القبلية وانشاء المجتمع المدني الجديد, فانه اعتمد بشكل كامل في ادارة شئون الدولة على أبناء قبيلته, وتزايد اعتماده على قبيلته عندما قطعت عنه المساعدات السوفييتية, وهنا استطاعت قوة قبلية أخرى بزعامة محمد عيديد ان تهزمه ليبتدئ عهد (اللاحكومة) على أنقاض (الحكومة الفاسدة) التي أنشأها سياد بري, وأخذت كل قبيلة تحارب أختها, وكان الأصل هو القبيلة, لا الدولة, فانهارت الخدمات, وانتشرت الفوضى, وأصبحت العصابات المسلحة بالمدافع الرشاشة هي التي تتحكم في معاش الناس, وتفاقم الأمر عندما انقطع القَطْر وعمت المجاعة أنحاء الصومال. كانت أهمية الصومال الاستراتيجية قد تضاءلت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي, لذا تجاهلها الناس, ولم يهب أحد إلى نجدتها, وهنا نظر د. بطرس غالي إلى وضع الصومال, وقام بإعلان اتهامه لمجلس الأمن بأنه أهمل أمر توصيته بعدم التدخل في يوغسلافيا, وأرسل قواته إلى هناك, لأنه يهتم فقط بأمر الانسان الغني هذا, بينما تجاهل الآن وضع الصوماليين الفقراء. وفي حديث له مع المندوب البريطاني بمجلس الأمن أشار د. غالي إلى أهمية إرسال بعثة سلام إلى الصومال قائلا: صحيح ان الصوماليين لم يطلبوها, ولكن لم يكن ذلك بسبب عدم حاجتهم لها, وانما بسبب جهلهم وبساطة تفكيرهم على العكس من مسلمي البوسنة الذين طلبوا ذلك التدخل من مجلس الأمن, لقد طلب بطرس غالي ارسال تلك القوات, وأجيب طلبه بقرار من مجلس الأمن قضى بارسال قوة لحراسة عمليات ارسال الاغاثة وتم تعيين الدبلوماسي الجزائري البارع محمد سحنون ممثلا لبطرس غالي بمهمة التوفيق بين القبائل الصومالية ولكن غالي دخل في خلافات مع سحنون, الأمر الذي أفسد مهمته ودفعه للاستقالة, وهكذا أحبطت مهمة التوفيق بين أطراف الصراع, ولم يتحقق أي وقف جدي لاطلاق النار, كما فشلت أيضا مهمة القوات الباكستانية عندما شرعت تتدخل في شئون أخرى غير مهمتها الأساسية وهي حراسة طوابير شاحنات الغذاء. وأعلن بوش في نهاية أيامه ان القوات الأمريكية هي وحدها التي يمكن ان تحسم الموقف في الصومال, وأعلن ارسال قوات عسكرية لتحقيق مهمة غير سياسية, مع ان القوات العسكرية لا يمكن ارسالها أبدا إلا لتحقيق مهام سياسية بالمقام الأول, وأوضح ذلك د. بطرس غالي بحماسة شديدة, اذ أعلن ان القوات الأمريكية ستقوم بتجربة كل أطراف الصراع في الصومال من السلاح, وأنها ستقوم باستخدام العنف إذا تطلب الأمر ذلك, وجاء كلينتون متحمسا لمطالب د. بطرس غالي بتجديد الأمم المتحدة وتوسيع نطاق دورها, فأضاف أعباء جديدة لمهمة قوة السلام الأمريكية في الصومال. هذا الحماس المتضاعف لمهمة قوات السلام في الصومال والمفقود في حالة البوسنة أدى إلى تفاقم الأخطار على البعثة العسكرية الأمريكية في الصومال, تطورت الأحداث على النحو التالي: في خلال مهمتين للقوات الباكستانية للتفتيش على مخبأ أسلحة في مقديشو, وتوزيع بعض الأطعمة في ناحية أخرى من المدينة, تعرضت تلك القوات لهجوم الصوماليين, الأمر الذي أدى إلى مقتل 26 جنديا وجرح 56 آخرين, وعقب ذلك بيومين فقط أصدر مجلس الأمن قرارا يخول د. بطرس غالي توجيه قوات الأمم المتحدة بالصومال باستخدام أي اجراء تراه ضد من يهاجمونها من الصوماليين, ولما كان الجنرال محمد عيديد المتهم باصدار الأمر بذلك الهجوم, فقد تحولت كل مهمة قوات الأمم المتحدة بالصومال إلى مهمة سياسية خالصة تتلخص في القبض على الجنرال عيديد, زعيم احدى أقوى القبائل الصومالية وقائد إحدى أقوى الميليشيات الصومالية. قام الممثل الشخصي لبطرس غالي بالصومال, وهو الجنرال الأمريكي المتقاعد (جوناثان هو) بتوزيع ملصقات شملت كافة أرجاء مقديشو وتعلن عن تقديم جائزة قيمتها 25 ألف دولار لمن يقبض على الجنرال عيديد, فما كان من الأخير إلا ان قام هو أيضا باغراق انحاء مقديشو باعلانات مضادة عن تقديم جائزة مماثلة لمن يأتي برأس (جوناثان هو) وبدأت رحى الحرب تدور ما بين جوناثان وعيديد, وبدت الأمور وكأنها تسير في صالح عيديد, فهو شخص غامض, وذو مهارة شديدة في حرب العصابات, والأكثر من ذلك انه يتحرك على مسرح يعرفه جيدا, ووسط أناس يعرفهم ويعرفونه ويدينون له بالولاء العميق. وهنا طلب الجنرال الأمريكي مساعدة واشنطن له بقوات اضافية, وطلب بوجه خاص ارسال (قوات الدلتا) له وقامت مادلين أولبرايت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة وقتذاك, ووارين كريستوفر وزير الخارجية الأمريكي حينها ولس آسبين وزير الدفاع حينها بتقديم طلبات مشابهة تزكي طلبات الجنرال جوناثان هو وتعضدها وقام كلينتون بأولى تصرفاته الخرقاء في القصف العشوائي. وأطلقت قوات التدخل السريع 16 صاروخا من طراز (تاو) باتجاه منزل الجنرال عيديد وبلا سابق انذار, فتساقطت الضحايا التي تم التعرف عليها فيما بعد, واتضح انه لم يكن بين القتلى مسلح واحد, وانما كانوا رجال دين مسنين حضروا اجتماعا قبليا بمنزل عيديد. تجاه تلك الفاجعة كان لابد للصوماليين ان ينتقموا, وهكذا فبعد 26 يوما انفجر لغم تحت مركبة عسكرية وقتل على اثر ذلك أربعة جنود أمريكيين, وبعد أيام قلائل جرح ستة جنود أمريكيين بسبب لغم آخر, وهنا بدأت الأصوات تتعالى في الكونجرس مطالبة بسحب القوات الأمريكية من الصومال, وذكر السيناتور روبرت بيرد رئيس لجنة التخصيصات بمجلس الشيوخ ان انقاذ الصوماليين لا يستحق ان يموت أو يجرح من أجله أي جندي أمريكي. الأمريكيون يتعلمون الدرس تجاهلت وزارة الدفاع أصوات الكونجرس وقامت بارسال (قوات الدلتا) إلى الصومال, وفي اليوم التالي لوصولها قامت تلك القوات مدفوعة بفورة الغضب والرغبة في مزيد من الانتقام, بالهجوم على منزل ظنت انه دار الجنرال عيديد, فاكتشفت بعد ان نفذت الهجوم ان المنزل لا يضم إلا بعض أفراد بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام, ولكنها وجدت معهم شخصا صوماليا يعاونهم, كان ضابطا سابقا بالشرطة الصومالية, وعندما حققت معه تلك القوات بأمل ان يكون هو عيديد نفسه, انهار ذلك الأمل وخاب, ولكن كان لابد ان تنتقم (قوات الدلتا) بأي حال, فقامت بتعذيب ذلك الرجل البريء بالضرب المبرح. انطلقت أسهم النقد من ثم إلى د. بطرس غالي, لأنه فتح الباب واسعا لاستخدام السلاح والعنف حتى اختلط الحابل بالنابل, وبدا الوضع مرشحا لمزيد من التفاقم الذي قد يعم الاقليم بأكمله, وكان وزير الخارجية الأمريكية وارين كريستوفر أرجح عقلا من بطرس غالي, إذ بادر باعادة النظر في سياسة استخدام العنف, ومطاردة الجنرال عيديد, وكتب بذلك الخصوص خطابا خاصا أرسله إلى بطرس غالي حدثه فيه بضرورة اعادة النظر في مهمة بعثة السلام إلى الصومال من الأساس, ولكن د. بطرس غالي رفض ذلك الطلب على وجه الجملة والتفصيل, وقامت لجنة خاصة من الأمم المتحدة لدراسة تجربة قوات السلام وفحص ممارساتها فاصدرت تقريرا جاء فيه ان من المشكوك فيه ان قرار مجلس الأمن رقم 837 يعطي الأذن بقصف البيوت والمخابئ والاجتماعات, وقد حاول بطرس غالي جهده ان يخفي ذلك التقرير ويقتله بالصمت إلا انه خرج بسبب اصرار أعضاء اللجنة إلى النور. أدت تلك المماطلة إلى وقوع كارثة كبرى اتخذ القرار بها في فلوريدا بعيدا عن مسرح العمليات في الصومال بقيادة الجنرال جوناثان. لقد اتخذت قيادة (قوات الدلتا) قرارا بشن غارة بطائرات هيليوكوبتر على مكان اعتقدت انه معقل لقوات الجنرال عيديد, تمكن الصوماليون من اسقاط طائرتين من تلك الطائرات المغيرة, واشتعلت فيهما النيران, واشتبك الأمريكيون في قتال ضار مع الصوماليين حتى صباح اليوم التالي, وكانت حصيلة القتل موت ما بين خمسمئة وألف صومالي و 19 أمريكيا وآخر ماليزي وآخر مغربي من قوات حفظ السلام, وقد سَحَلَ الصوماليون جثة أحد الجنود الأمريكيين في طرقات مقديشو والتقطت المنظر كاميرات التلفزيون وبثته على أنحاء العالم أجمع في مشهد أجبر الأمم المتحدة ود. بطرس غالي على اعادة النظر في مهمة قوات السلام, وأجبر أمريكا على الانسحاب بعيدا عن الصومال, وأدخل هاجسا عميقا في عقول متخذي قرارات السياسة الخارجية الأمريكية يمكن ان يسمى بهاجس الصومال, ان الصومال ومقديشو لم يعودا اسمين لمكانين في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية, وانما أصبحا مؤشرين للابتعاد عن مخاطر التدخل العسكري في الدول الأخرى.