أكدت تظاهرات واشنطن التي جرت مؤخرا و حاولت منع انعقاد اجتماعات الربيع لوزراء مالية 24 دولة مكونة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي (مؤسسة بريتون وودز التي تأسست سنة 1944) على الرفض المتزايد من جانب منظمات واتجاهات وتيارات وقوى عديدة للدور الذي تلعبه هذه المؤسسة في خدمة اقتصاديات البلدان الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة وعلى حساب الدول النامية. فلقد اضفت المظاهرات رغم تعدد راياتها ابعادا اعمق للغضب الذي جرى التعبير عنه في بانكوك ودافوس وسياتل ضد التوجهات والاتجاهات المسيطرة على حركة الاقتصاد العالمي. وإذا كانت سهام هذا الغضب قبل احداث واشنطن, قد توجهت ضد منظمة التجارة العالمية (WTO) , واتفاقياتها ومناورات اقطابها وصراعاتهم المكشوفة والبعيدة عن المثل والقيم التي يروج لها الموديل الليبرالي الجديد والخاصة بحرية التجارة المطلقة والتي لا تعبر إلا عن ميول (مركنيتدلية) تنافسية حادة اتضح أنها الاكثر اصالة واشد تغلغلا في عوالم لاكسيس, فإن تظاهرات واشنطن التي طرحت علامات استفهام كبيرة حول دور صندوق النقد الدولي حولت وجهة الغضب نحو الأخير. فما الذي يفعله صندوق النقد الدولي؟ نظرة تاريخية لم يلعب صندوق النقد الدولي دور المدان, منذ البداية, فلم تكن أهدافه الابتدائية تخرج عن التمويل قصير الأجل لموازين المدفوعات الخاصة باقطاب عالم ما بعد الحرب العظمى الثانية بصورة تستبعد التخفيضات المتنافسة في اسعار الصرف وتحقق تعاونا اقتصاديا يحاصر إمكانية تجدد أزمة كأزمة الثلاثينيات الركودية الحادة والتي عصفت بالجميع ومهدت للفاشية والنازية وأسست للحرب ذاتها. فلم تكن التنمية من أهداف الصندوق ولا كانت البلدان النامية محل اهتمام في هذه الآونة, وما تعلق بالتنمية على محدوديته أنيطت مهامه بالبنك الدولي. ولكن مع استكمال بناء ما هدمته الحرب, بدأ الصندوق في اظهار اهتمام محدود بالمشكلات الخاصة بالبلدان النامية, حيث أنشأ في أكتوبر 1952 ما عرف (بترتيب المساندة) وتحت ضغط مجموعة الـ77 التي أنشأت في 63 من ناحية ومحاولة التوسع في استخدام صندوق النقد الدولي كأداة جاهزة لدى بلدان الغرب في صراعات الحرب الباردة ضد (المعسكر الاشتراكي) جرى التفكير في تحويل التمويل وزحزحته قليلا بعيدا عن البلدان الصناعية وفي اتجاه البلدان النامية, حيث جرى انشاء تسهيل التمويل التعويضي (CFF) عام 1963 وكذلك تسهيل تمويل المصدر السلعي (BSFF) عام ,1969 تحقيقا لموارد مالية خاصة تتيح انجاز المهمة. واستجابة لأزمة موازين المدفوعات التي صاحبت أزمة النفط في ,1974 جرى انشاء تسهيل النفط (OF) لمواجهة مصاعب المدفوعات التي تصاعدت مع ارتفاع أسعار البترول, وهو تسهيل جرى تمويله من فوائض البلدان النفطية ولم تساهم فيه البلدان الصناعية. وأنشأ صندوق النقد أيضا تسهيل التمويل الممتد (EFF) في 74 في محاولة لتقديم مساعدات لفترة أطول من التي تتيحها (ترتيبات المساندة) للاقتصاديات التي تعاني من اختلال مو ازين المدفوعات نتيجة اختلالات هيكلية في الانتاج. وبالنسبة للاختلالات الأشد جسامة والتي تخص البلدان ذات الحصص الأكبر في صندوق النقد أنشأ الصندوق تسهيل التمويل التكميلي عام 1979 وفي سياق هذا النشاط التمويلي الخاص بضبط موازين المدفوعات قبل أي شئ آخر نشأ وتطور مبدأ (المشروطين) حتى يحافظ الصندوق على استمرار موارده لا أكثر وتجسد هذا المبدأ في (ازالة القيود على المدفوعات الدولية الجارية+ انتهاج سياسة اقتصادية غير تضخمية). وتوسع الصندوق مع نهاية السبعينيات في نسب الاقراض وفي اطالة فترات السماح, مطورا لمشروطتين وملزما للدول الراغبة في الاستفادة من التسهيلات باتباع برامج التثبيت النقدي التي يعتمدها. وبعد أن كان صندوق النقد الدولي على وشك الاحتضار تحت وطأة انهيار نظام سعر الصرف في بداية السبعينيات, استهل الثمانينيات ليس فقط قويا بل محاطا بعناية قصوى, اعتمادا على أزمة الديون التي ارتأت الولايات المتحدة والدول الصناعية الاعتماد في ادارتها على صندوق النقد الدولي مع عجز البنوك التجارية عن التصدي لأزمة ليست فقط كبيرة, بل تهدد استقرار النظام البنكي برمته خصوصا مع قرار بعض الدول (المكسيك-البرازيل) في 82 بالتوقف عن سداد خدمة الديون. واستهدف الصندوق منذ هذه اللحظة تحقيق التكيف الهيكلي بالاضافة الى التثبيت النقدي الذي تطور اليه مبدأ المشروطين المشار اليه وكانت مهمة الصندوق محددة في اعادة الجدارة الائتمانية للمدنيين والتوصية بالمزيد من اقراضها عبر تدفقات الائتمان الرسمية والمعونة الانمائية الرسمية. وأصبح الصندوق وقوته لايعتمد على ما بحوزته من موارد بقدر ما أصبح يحوزه من مصداقية معتمدة لدى الجهات الدائنة (نادي لندن نادي باريس الاتحاد غير الرسمي للبنوك الدائنة). وتدعيما لهذا الدور سرعان ما أنشأ الصندوق تسهيل التكيف الهيكلي (SAF) في 1986 وتسهيل التكيف الهيكلي المعزز (ESAF) عام 87 الأمر الذي سمح بالاستفادة للدول ذات الدخل المنخفض من اقتراض 25% من حصصها عند نسبة فائدة لاتتجاوز 5.0% فقط. وهكذا يمكن القول أن صندوق النقد الدولي لم يدخل مجال تمويل التنمية إلا في ثمانينيات القرن الماضي. حيث أصبحت جهوده لاتستهدف مجرد التثبت النقدي ضمانا لقروضه المباشرة بل التكيف الهيكلي ضمانا لقروض الجهات الدائنة الأخرى. ولقد تدعم هذا الدور بصورة قوية مع أزمة نفط 87 وتأثر معظم مدفوعات البلدان غير المنتجة للنفط بأسعارها, فليس صدفة أن قسما كبيرا من برامج الاصلاح الاقتصادي التي باشرها الصندوق جرت تحت وطأة آثار هذه الأزمة. وتدعم أكثر مع انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة (الاشتراكية) حيث أصبح صندوق النقد الدولي مدعوا لمتابعة اعادة هيكلة بلدان (الشيوعية) سابقا الأمر الذي لايقل عن مهمة مقدسة! وجاءت التطورات المالية في بلدان (المعجزة الآسيوية) لتزيد الصندوق قوة على قوة, حيث أصبحت الحاجة ماسة للاستثمار الأجنبي في معظم بلدان المجموعة الآسيوية مع تراجع التدفقات اليابانية في مطلع التسعينيات مع بداية أزمة الركود الياباني التي مازالت ممتدة. حيث قاد رجال الصندوق برامج اصلاحية رئيسية في تايلاند والفلبين وكوريا الجنوبية تقريبا ما عدا (الصين والهند) جرى خلالها فتح البورصة ورفع كافة القيود عن حركة رؤوس الأموال والسماح بملكية الشركات المحلية وتثبيت أسعار صرف العملة المحلية ازاء الدولار ورفع سعر الفائدة المحلية وبالتالي العائد على الاستثمارات النقدية (بلغت الفائدة على الودائع في بانكوك أو مانيلا حوالي 15% بينما كانت الفائدة على الدولار لاتتجاوز 6%) وأسهم ذلك مثلا في انشاء ما أسمته بانكوك آنذاك تسهيلات بانكوك الائتمانية الدولية حيث جرى السماح للبنوك والشركات المحلية للاقتراض الخارجي بالدولار لأن كلفة الاقتراض بالنقد التايلاندي كانت أعلى بنحو 6-7% منها على الدولار الخ.. الأمور التي ساهمت بصورة مباشرة وتحت اشراف صندوق النقد الدولي في الكارثة الآسيوية. عقد الكوارث لقد جاءت التسعينيات وكان من المفروض أن تكون عقد (حصد الأرباح) بلغة البورصة بالنسبة لمعظم البلدان التي اندرجت في برامج الاصلاح الاقتصادي فاذا بها عقد للكوارث المالية والأزمات المفاجئة التي أثرت على مهمة ودور الصندوق في الصميم وأثارت أشباحا ثلاثينية جرى تأسيسه أصلا لتجنبها وأصبحت الأزمة على ما شبهها جورج سوروس عبارة عن مطرقة بندولية هائلة لا أحد يعرف أين تضرب؟ ومتى؟ ولماذا؟ وأخذت في الانتقال كالوباء من المكسيك الى الارجنتين الى روسيا الى الانهيار الآسيوي وأخيرا في أعقاب اجتماعات الربيع في عرين الأسد ذاته في بورصة نيويورك وكأنها لعنة ميتافيزيقية مجهولة المصادر. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية, فإن الديون التي توجه الصندوق لمحاصرتها وضمانها ببرامج جرى الترويج لمفعولها السحري, وقدرتها على تلبية الأقساط والفوائد. هذه الديون تضاعفت ثلاث مرات حيث تزايدت الى 2 تريليون دولار في نهاية 97 وبلغت ديون افريقيا لأوروبا وحدها قرابة 350 مليار دولار بعد أن كانت حوالي 100 مليار عندما بدأ رجالات صندوق النقد الدولي مباشرة مهمتهم المقدسة منذ بداية الثمانينيات وثالثة الأثافي كما يقولون والتي لاتشكل أقل من خلفية سوداء لهذه الصورة التسعينية المروعة هي الفقر الذي صار شديد الافراط حيث تؤكد احصائيات البنك الدولي ارتفاع عدد الأشخاص تحت خط الفقر وقلت مداخيلهم عن دولار واحد في اليوم, فمن 3.1 بليون نسمة عام 1993 الى 6.1 بليون نسمة نهاية ,98 وحيث اصبح أكثر من 5.1 بليون انسان في البلدان النامية يفتقرون للرعاية الصحية والمياه النظيفة ويعاني 60% من انتشار الأوبئة والبطالة وفقا لمنظمة العمل الدولية وصارت تؤثر في بليون انسان أو قرابة ثلث القوة العاملة العالمية. ويمكن الاستنتاج بسهولة أن الهدف لم يكن يتعلق بالتنمية اذن ولا بتسديد الديون ولا في توقي أزمات ثلاثينية الطابع, من انشاء هذا الصندوق بل حشد بلدان العالم النامي من أجل المضاربة المالية في أوساط اقتصادياتها البارزة وحصد النتائج بالمليارات أولا بأول. ولكن المسألة على أية حال أعقد من هذه الرؤية التي لاتخلو من تآمرية في أحسن الأحوال في شأن العقلية التي تكمن خلف القيادة الراهنة للاقتصاد العالمي. ونعتقد من جهتنا أن هذه التطورات لعبت الأزمة العامة الركودية التضخمية التي ضربت الاقتصاد العالمي منذ بداية السبعينيات والتي مازالت مستمرة والتي لايقلل من شأنها التوسعات الرأسية التي أضافها ما أصبح يعرف الآن بالاقتصاد الجديد (المعلوماتية) وعصفت منذ اللحظة الأولى بالفكر الكينزي الذي لا يحتمل اجتماع الركود والتضخم وفتحت الباب أمام الليبرالية الجديدة (التاتشرية الريجانية) التي رأت الحل في أقصى توسيع للسوق الرأسمالي العالمي ليشمل المعمورة إن أمكن وبأقصي سرعة وكأنها مهمة عسكرية ذات طابع ديني طرحت فورا العصف بالدور التقليدي الذي تلعبه الدولة في الانتاج منذ القديم في بلدان كبلدان الشرق ورأت في قطاع خاص وليد ومشوه هيكليا مضارعا للرأسمالية التقليدية في بلدان الغرب التي تقف وراءها أكثر من خمسة قرون ورأت في البرامج الاجتماعية نوعا من الترف لايليق بمستويات حضارية متواضعة, وكأن هذه المادة البشرية المليونية مجرد أحجار لدى سدنة الليبرالية الجديدة. ومن أسف أن هذه الموجة المتوحشة والتي تستهل البشرية تحت رايتها الفيتها الثالثة لاتتورع عن الاندفاع أكثر فأكثر رغم تتالي ضربات المطرقة البندولية السورسية ويبدو ما يحكم منطقها: طالما أننا قادرون على الدفع فلن نتوقف رغم ان مدفوعات معالجة الأزمات تجاوزت المئة مليار ويبدو الآن بوضوح أن صندوق النقد الدولي الذي تحكم رؤاه هذه الليبرالية الجديدة بعد أن حشد لاقتصاديات سوقها (الذي يصحح نفسه بنفسه!!) كذا أكثر من 63 بلدا جرى فيها أو جرب فيها برنامج الاصلاح: تثبيت نقدي+ تكيف هيكلي أو الموت جوعا.. يستعد الآن لفصل جديد أكثر توحشا ينتظر بلدان العالم الثالث وفقراءه. فلقد تسلح الصندوق في اجتماعات الربيع بعدة قرارات تكشف عن طبيعة ما هو مقبل. أولا: الصندوق سيولي الايدز في افريقيا بعض العناية.. لامانع رغم أن الصندوق ليس اليونيسيف ولا أطباء بلا حدود. ثانيا: قررت اللجنة النقدية والمالية للصندوق تشديد ضوابط القروض وأنه منذ منتصف عام 2000 سيشترط الصندوق اجراء مراجعة شاملة مستقلة لبيانات البنوك المركزية لكل الدول الحاصلة على قروض حاليا أو مستقبلا.. الأمر الذي يعني تشديد شروط الاقراض بالخضوع أكثر فأكثر لمقتضيات حدة الأزمة. ثالثا: انشاء صندوق برأسمال 9.3 مليار وحدة نقد خاصة وظيفته تخفيف آثار الديون ليس إلا والغاء ديون البلدان الأكثر فقرا أجرى تحويل القرار فيها الى مؤتمر دافوس المقبل مع تأكيد رئيس البنك الدولي على استحالة الغائها فهي حقوق آخرين!! رابعا: تخصيص تمويل جديد للتدخل السريع عند انفجار موجات البيع في البورصات يهدف الى وقف الانهيارات. خامسا: انشاء صندوق خاص بتمويل يسمح بضمانات كافية للدائنين في لحظات الازمات.. وهو ما اقترحه منذ شهور بالنص الملياردير العالمي جورج سورس. ويمكن أن يكون الجديد في دور الصندوق هو التفاعل الايجابي بأسوأ معاني اللفظ مع منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي من أجل شن هذا الفصل الجديد من الهجوم على امكانيات وقدرات العالم الثالث شعوبا وحكومات. بقلم: عدلي الهواري كاتب وباحث. مصر