بعد عقود من تجربة النموذج الاقتصادي الذي يفرضه صندوق النقد الدولي على الدول الدائنة له ثبت بالتجربة العملية فشل هذا النموذج في الغالبية العظمى من دول العالم وفي مقدمتها الدول الآسيوية خاصة النمور الاسيوية التي كان لانعكاسات شروط صندوق النقد الدولي بها اسوأ محصلة واتضحت هذه الاثار السلبية بصورة اكثر خطورة في الدول الفقيرة والمتخلفة والتي تسببت شروط الصندوق في هلهلة اقتصادها الوطني وفتح اسواقها امام وقد حاصرت الانتقادات الدولية مؤخرا صندوق النقد الدولي والدولة الكبرى المتحكمة في تسييره وهي امريكا واتضحت هذه الانتقادات في انتفاضات شعبية وثورات غضب احاطت بالمؤتمرات الاقتصادية التي كان صندوق النقد والبنك الدوليان بطليها وكذلك منظمة التجارة العالمية على غرار مؤتمر سياتل واونكتاد, وكذلك في مؤتمر مجموعة الـ 77 مؤخرا في هافانا ومع هذه اليقظة الدولية والشعبية يجب ان يحدث نوع من الوقفة الدولية لمواجهة الواقع الذي يفرضه صندوق النقد الدولي والبحث عن بدائل للهروب من طوق الشروط المدمرة للاقتصاد والتي يفرضها الصندوق مقابل تقديم قروضه او منحه تحت زعم اصلاح الاقتصاد. وحول الاشكاليات التي خلقها صندوق النقد الدولي عالميا ونماذج من هذه التراكمات السلبية والحلول للخروج من دائرة الشروط كان (للملف السياسي) هذا الحوار مع الدكتور كامل الرفاعي استاذ الاقتصاد والمستشار للجنة الاغاثة للصليب الاحمر. وهذا نصه: * الى اي مدى يخدم صندوق النقد الدولي مصالح الدول الكبرى وما هي الشروط المتسببة في الاضرار باقتصاديات الدول التي يساعدها؟ ـ نعلم ان لأمريكا اليد الطولى في تمويل صندوق النقد الدولي حتى انها مؤخرا زادت من تمويلات الصندوق بما يعادل 10% من رأس ماله, ولا يأتي هذا من فراغ او لوجه مساعدات الدول الفقيرة والمتخلفة, او لانقاذ الدول من ازماتها الاقتصادية من خلال القروض والمنح التي يقدمها الصندوق بل لأن الشروط التي يفرضها الصندوق (والتي صاغتها الرأسمالية الامريكية) انما تخدم في الواقع مصالح امريكا بجانب مصالح الدول الاخرى التي تختص بالشق الاكبر من تمويل الصندوق وتتمثل هذه الشروط في رفع الدولة يدها عن ادارة الموارد الاقتصادية وفتح الباب امام الاقتصاد الحر ودخول رؤوس الاموال الاجنبية تحت زعم مساعدة هذا في الاسراع بالتنمية المطلوبة, فتح الباب امام الشركات الاجنبية المختلطة او المتعددة الجنسيات, وهي في الغالب شركات امريكية, بيع المؤسسات الوطنية الاقتصادية للقطاع الخاص تحت زعم انقاذه من الخسائر والديون, وترك حركة المال بصورة حرة بدون رقابة من الدولة, ولقد افرزت هذه الشروط ازمات اقتصادية فادحة في الدول التي وافقت على تطبيقها تحت ضغط الحاجة للقروض والمساعدات فرفع الدولة يدها عن ادارة الموارد الاقتصادية بها والاتجاه غير المحسوب للخصخصة والقطاع الخاص قد ادى الى انهيار الاقتصاد الوطني في معظم هذه الدول والى ظهور طبقات من المنتفعين الرأسماليين الذين اشتروا المؤسسات الاقتصادية الوطنية بابخس الاثمان, وطردوا نسبة كبيرة من عمالها فزادت نسب البطالة بهذه الدول وتحولت هذه المؤسسات الى مؤسسات اجنبية مشتركة لا تخدم الاهداف التنموية بل تخدم في الغالب اهدافا استثمارية اجنبية تعتمد في مجملها على اقتصاد الترفية. وترك الحرية لحركة المال ادت لهروب رؤوس الاموال للخارج على غرار ما حدث في روسيا والتي تعد الآن من اكبر الدول المصدرة لرؤوس الاموال, وترك الباب مفتوحا امام الشركات متعددة الجنسيات اعطى الفرصة لغزو ونزوح الشركات الغربية او الامريكية بصفة خاصة الى هذه الدول على حساب الشركات الوطنية وعدم تكافؤ فرص التنافس اثر سلبا على الشركات الوطنية وادى لمزيد من خسائرها وافلاسها وفي الوقت نفسه تعتمد الشركات الاجنبية على التقنية العالية وعلى الخبراء الاجانب الامر الذي يقلص من فرص العمل بها بالنسبة لأهالي البلد نفسه الا في نسبة ضئيلة والسوق الحر ادى لكساد الانتاج الوطني والمحلي لهذه الدول امام غزو المنتجات الامريكية والغربية التي لابد انها تتميز بالجودة والكفاءة لتوافر آليات التقنية والتقدم بالمقارنة بالدول الفقيرة والنامية وفي المقابل لم يحدث نوع من التوازن المقابل لخروج منتجات هذه الدول وقبولها بشكل جيد في الاسواق الخارجية, وبهذا كانت شروط صندوق النقد الدولي نقمة على العديد من الدول وليست نعمة او انقاذا كما تحاول ان تدعي امريكيا. * ما هي النماذج الدولية الواضحة للانعكاسات السلبية لشروط صندوق النقد الدولي؟ ـ لنا في الدول الأسيوية اكبر نموذج على ذلك فعقب ازمة النمور الاسيوية والتي سببتها بالدرجة الاولى ثورة من المضاربات سواء المالية او البنكية او العقارية ـ تم ذلك بتحريك امريكي لايقاف النمو المتصاعد للنمور الاسيوية ومحاولتها التخلص من نظرية التبعية ـ مما اطاح برؤوس الاموال المحلية فتراجع النمو, وافلست الشركات الوطنية, وانهارت قيمة العملات لهذه الدول, وهنا لم تجد هذه الدول مفرا من اللجوء لصندوق النقد الدولي عسى ان ينقذها من ازمتها الطاحنة فما كان من الصندوق الا ان فرض شروطا هي في مجملها لشل او تقييد لحركة الاقتصاد الوطني في هذه الدول تحت زعم ضرورة ضبط الموارد الاقتصادية, وكان من مبادئه في هذه الاموال عدم اقامة مشاريع من شأنها خلق وظائف جديدة في القطاع العام تحت زعم ان مثل هذه المشاريع سوف تؤدي الى انعدام فرصة التحكم في الموازنة الامر الذي يؤثر وفقا لتصوره في النمو الاقتصادي الذي تسعى اليه الدولة ولقد افرز تطبيق شروط الصندوق مزيدا من افلاس الشركات الاسيوية حتى الآن ولم يحدث تجاوز حقيقي للأزمة الاقتصادية, بل ان بلدا مثل اندونيسا والتي حدد لها الصندوق قرضا يبلع 43 مليار دولار لاعادة هيكلة اقتصادها نجد ما يحدث بها الآن من ازمة اقتصادية طاحنة ادت لثورات وغضبة شعبية تنفجر بين حين واخر هي في الواقع احدى افرازات التطبيق الفعلي لشروط صندوق النقد الدولي وقد فشل الصندوق في علاج تداعيات الازمة الاسيوية ايضا في تايلاند وكوريا الجنوبية كما فشل في حل المشاكل الاقتصادية في روسيا واليابان وغيرهم فلا تزال الديون متراكمة على بنوك هذه الدول والشركات تواجه الافلاس والبطالة في تزايد مصتمر. * هناك بعض الدول التي رفضت شروط الصندوق مثل ماليزيا فهل نجحت هذه الدول في تجاوز احتياجاتها للصندوق؟ ـ لو نظرنا لدولة مثل ماليزيا التي مرت بأزمة انهيار النقد في ازمة النمور الآسيوية, نجد انها رفضت الانصياع لشروط صندوق النقد ولعله ساعدها في هذا النظام الاقتصادي الذي تتبعه والذي سعت فيه الى السير للخصخصة بخطوات محسوبة والتوجه الى السوق المفتوح بترشد بجانب عدم وجود تكتلات اقتصادية كبيرة بها, ولهذا فقد ساعدها اقتصادها المبني على اسس سليمة تتوازن فيها الجوانب الاجتماعية مع الاقتصادية الى مواجهة الازمة الآسيوية بشجاعة ورفض الخضوع لشروط الصندوق اعتمادا على تنمية صادراتها الخارجية بسرعة كبيرة خاصة وانها تتمتع بمصادر طبيعية من الثروة المعدنية وايا كان بطء الخطوات التي تخرج بها ماليزيا من ازمتها الاقتصادية فهي افضل في تصوري من ارتكانها لصندوق النقد وخضوعها لشروطه القاسية التي تهدم على المدى الطويل الاقتصاد الوطني اكثر مما تبني. * ما رأيكم في الاتهامات الموجهة للصندوق في اسهامه بنشر الفقر والأوبئة لرفضه مساعدة الحكومات في مشروعات الغذاء والدواء؟ ـ يجب ان نعترف ان صندوق النقد الدولي يساهم بصورة غير مباشرة في انتشار هذا الفقر والاوبئة والمجاعات لأنه يرفض مساعدة الدول في مشروعات الزراعة والغذاء والدواء كما اشرتم في سؤالكم فصندوق النقد يعمد الى اصلاح هيكل الاقتصاد كعناوين رئيسية لاهدافه ويركز في هذا على مسألة الخصخصة وفتح السوق وتنمية المشروعات الاستثمارية وسيولة حركة المال ورفع القيود عليها ولا يعنيه تلك المشروعات الخدمية او الانسانية التي تمس حياة او صحة الانسان وهي اهم الانتقادات التي توجه له والصندوق يعتمد بالطبع في تلك الجزئية على هيئات الاغاثة الدولية والمساعدات الانسانية لحل مشاكل نقص الغذاء او الدواء في الدول الفقيرة والمتخلفة ولكن فات صندوق النقد الدولي ان المشروعات الاقتصادية الفوقية لا يمكنها بأي حال من الاحوال المساهمة في التنمية الحقيقية بل تساهم في تنمية وهمية على غرار ما هو حادث الآن في بعض بلدان اوروبا الغربية وايضا امريكا, اما التنمية الحقيقية فيجب ان تبدأ من المشروعات ذات الصفة الاجتماعية والتي تمس البنية التحتية وتمس حياة الشعوب من غذاء وملبس ومسكن ودواء, وبدون تدعيم هذه الاسس ستكون اية ركيزة يمكن استولادها لعملية التنمية غير حقيقية وهذه هي الحقيقة المريرة التي افاقت عليها شعوب البلدان الفقيرة والنامية حيث اكتشفت الاهداف الحقيقية التي يسعى لها الصندوق من وراء فرض شروطه وهي اهداف تخدم مصالح كبريات الدول على حساب التوليفة التنموية الحقيقية لهذه الدول ولا يضيف صندوق النقد في الواقع الا مزيدا من الاعباء والقيود على كاهل هذه الدول لذلك اجد ان الحل هو تخليق مؤسسة دولية مالية محايدة تساهم فيها جميع الدول بما فيهاالدول التي تخطت مرحلة الفقر وبلغت اعتاب النمو وان توضح اهدافا تعمد الى التنمية الحقيقية ودعم المشروعات ذات الطابع الخدمي الانساني والتي تمس احتياجات الشعوب بالدرجة الاولى وان يساهم في تخطيط هذه المشروعات نخبة متميزة من الخبراء المحايدين وما اكثرهم في العالم سواء المتقدم او الاقل تقدما. أجرى الحوار في هولندا ـ د. سعيد السبكي