كيلوجرام واحد من الغذاء لكل 140 جنديا ، باولوس يعجز عن اقناع هتلر باستحالة تموين جيش كامل جوا لم يكن لدى الوحدات الألمانية والحليفة لها أية أوامر بوجهة انسحابها, فاتجه معظمها شرقا لعبور نهر الدون والانضمام إلى القوة الرئيسية للجيش السادس في ستالينجراد. ولم يكن العبور سهلا بسبب الزحام الشديد. واضطرت الوحدات المدرعة لنسف دباباتها عند ضفة النهر عندما نفذ وقودها. وبلغ اليأس أشده في نفوس القادة, حتى ان رئيس سلاح الاستطلاع في الجيش السادس سمع الجنرال هوبه, أحد قادة الجيش يتحدث مع رئيس أركانه عن (اقتراب الحل الأخير... رصاصة في الرأس) لتفادي الأسر. في 27 نوفمبر, أي بعد ثمانية أيام من بداية الهجوم, نسفت وحدة ألمانية الجسر المقام على الدون في بلدة لوتشينسكي, فأغلق آخر منفذ يربط قوات الجيش السادس بالغرب. لقد اكتمل الحصار. ونشأ وضع غريب وعجيب. فقوات الجيش 62 الروسية المدافعة عن ستالينجراد, والمحاصرة هي نفسها في جيوب صغيرة غير مترابطة على امتداد نهر الفولجا أصبحت فجأة جزءا من القوة التي تحاصر الألمان, على الرغم من انه لم يطرأ أي تعديل فوري على وضعها! وهكذا أصبحت محاصرة ومحاصرة! حاول باولوس, من دون جدوى, اقناع هتلر بما أقنعه به قادة القوات الجوية, من انه يستحيل تموين جيش كامل جوا بسبب العجز الفاضح في عدد طائرات النقل. ثم حاول كذلك اقناعه بأن يسمح له بحرية الحركة والقرار في ظل الظروف التي يعيشها هو ويعرفها هو أفضل. لكن جهوده ذهبت عبثا. الفوهرر يرفض أي محاولة لكسر الطوق والانسحاب نحو الجنوب الشرقي. وتوالت أوامره الواضحة والصريحة بمنع أي تراجع مهما كانت الظروف. وكانت كلها تحمل الوعود بأن يبذل كل جهد ممكن لانهاء محنة الجيش السادس. أما (قلعة ستالينجراد) كما أسماها, فيجب الدفاع عنها حتى آخر رجل. والحقيقة التي يجب أن يشار إليها هنا هي ان هتلر لم يكن على علم كامل بمجريات الأحداث بالتفصيل, فضباط أركانه كانوا ينقلون إليه في كثير من الأحيان الأخبار المريحة, أما عند النكسات, فهناك دوما كبش فداء يتحمل المسئولية, لان الفوهرر لا يخطئ أبدا. شر البلية لم تدرك قيادة الجيش الأحمر حجم القوات التي وقعت في الطوق. وقد أشار أحد التقارير إلى ان عددها ربما يصل إلى 86 ألف جندي. لكن أحدا لم يتوقع أن يرتفع العدد إلى 290 ألف جندي. وعلى الرغم من تحسن الأوضاع التعبوية للقوات الروسية, إلا انها بقيت تعاني كثيرا من ضعف امكانيات نقل المؤن والذخائر, والتنسيق الكامل بين مختلف الأسلحة. الجنود الألمان كان عليهم أن يواجهوا عدة أعداء في آن واحد. الهجمات والغارات الروسية لا تتوقف من جهة, والأمراض المرتبطة بالبرد, مثل الدوسنتاريا كان مشكلة أخرى. كما كان عليهم تحمل أنواع الحشرات التي تكاثرت بسبب القذارة, وقلة الماء, وأهمها القمل والبراغيث, وصار الاسم الشائع للبراغيث (عند الألمان) جيوش المغاوير. تحت تلك الظروف الرهيبة التي أحاطت بالجيش السادس, لم يكن هناك شك على الاطلاق بأن النهاية ليست بعيدة اطلاقا. فبعد الأخطاء الفادحة التي ارتكبها القادة بدءا من هتلر, وانتهاء بضباط أركان بولوس, أصبح على الجيش أن يعتمد على تعهد الفوهرر بتموينه جوا. لكن ذلك كان مستحيلا, فمن أصل ثلاثة آلاف طن من المؤن هي الحد الأدنى اليومي اللازم للجيش, نقلت طائرات اليونكر 350 طنا في الاسبوع الاول, كان بينها 14 طنا من المواد الغذائية التي ينتظر أن تكفي 275 ألف جنديا. أي ان نصيب كل 140 جنديا كان كيلوجراما واحدا فقط. وارتفع الرقم في الاسبوع الثاني إلى 512 طنا, وهو أقل من ربع الحد الأدنى. وكان على طائرات النقل أن تواجه ضراوة الطقس, وهجمات المقاتلات السوفييتية, ثم تهبط في مطار بيتومنيك الصغير الذي كان تحت وابل لا يتوقف من نيران المدفعية. على الجانب السوفييتي, كانت قوات الجيش الأحمر قد استشعرت حجم الانتصار المقبل وابعاده. وكانت صور الفظائع التي ارتكبتها القوات الألمانية خلال تقدمها السريع قبل أشهر, والتي ساهمت الدعاية السوفييتية بتضخيمها مرات عدة, أحد الدوافع الرئيسية التي ساهمت في تسارع خطى الجنود. الهجمات على الجيش السادس المحاصر تتواصل على مدار الساعة, والخطط كانت توضع لتطوير الهجوم الشامل, واعتبار ما حصل على جبهة ستالينجراد مجرد مرحلة جانبية منه. اقترح فاسيلفسكي, رئيس هيئة الأركان الروسي خطة شاملة, على ان تبدأ في العاشر من ديسمبر, ووافق ستالين عليها. لكن القيادة السوفييتية كانت تراقب الوضع بقلق وترقب, انتظارا لما سيقوم به المارشال مانشتين, لانقاذ الجيش السادس. ولم يكن تخوفها في غير محله, لانها كانت عالمة ان القوات التي ما زالت تحت امرة مانشتين ما زالت ذات وزن وقدرات لا ينكرها أحد. اضافة إلى ذلك, تبين لفاسيلفسكي وجوكوف, خلال الاسبوعين الأخيرين من نوفمبر ان الجيش السادس, على الرغم من تدهور حالته لم يصل مرحلة الانهيار بعد, وان تحطيمه واجباره على الاستسلام سوف يستغرق بعض الوقت. كما اتفقا على انه قد يكون من الضروري تأجيل الخطة التي وضعها رئيس الأركان, وأسماها (ساتورن) وأحل محلها مؤقتا خطة (ساتورن الصغرى) التي تقضي بمهاجمة مؤخرة وميسرة قوات جيش الدون الذي يقوده مانشتين لمنع أي تحرك يهدف لانقاذ المحاصرين في ستالينجراد. عاصفة الشتاء تنحسر أثبتت الأحداث المتلاحقة بسرعة صدق الحس العسكري المرهف الذي كان جوكوف يمتاز به, والذي جعل منه واحدا من أعظم العسكريين الذين عرفهم الانسان. فقد بنى جوكوف كامل خطته على أساس واحد, وهو ان الطريق الوحيد المتاح عسكريا أمام جيش الدون لمحاولة اختراق الطوق الذي يحيط بالجيش السادس, وفتح ممر امداد له, إنما هو من الجنوب, انطلاقا من منطقة كوتلنيكوفو, شمالا عبر نهري أكساي وميشكوفا. تدفقت الامدادات على جيش الدون, وكان بينها فرقة الدبابات السادسة المجهزة حديثا في فرنسا بأحدث ما أنتجته مصانع الرايخ, وهي دبابات مارك 4. وقد أثبتت هذه الدبابة مقدرتها في مناوشات أولية ضد فرقة خيالة روسية على مقربة من كوتلنيكوفو. كما وصلت كتائب مسلحة بدبابة النمر الجديدة تماما. وبعد قصف تمهيدي قصير, انطلق الهجوم الذي حمل اسم (عاصفة الشتاء) , وكان جنود الجيش السادس يصغون لصوت الانفجارات على بعد عشرات الكيلومترات. لكن الأمل الذي حمله لهم الصوت لم يكن مقدرا له أن يعيش طويلا. حاول فاسيلفسكي نقل جيش الحرس الثاني المدرع جنوبا لمواجهة الهجوم, لكن الجنرال روكوسوفسكي, قائد جبهة الدون احتج على ذلك القرار بشدة. وفي موسكو, أدرك ستالين فجأة ان مواجهة الهجوم الألماني, وتقرير مصير الجيش السادس, إنما يكمن في ايقاف تقدم المهاجمين مؤقتا, وتوجيه الضربة القاضية في مكان بعيد تماما. فأصدر أوامره بالشروع في تنفيذ عملية (ساتورن) . وفي حركة عبقرية استغل جوكوف صمود قوات الجنرال يرمنكو بعد معارك طاحنة وباهظة التكاليف للجانبين, على ضفة نهر مينشكوفا, فدفع في 19 ديسمبر قوات ثلاثة جيوش, هي الحرس الأول والحرس الثاني والسوفييتي السادس باتجاه الجنوب. وعلى الرغم من كثافة حقول الألغام, اجتاح المهاجمون مواقع الجيش الثامن الروماني, ثم بدا فجأة ان الوحدات الروسية قد أفلت عقالها, فانطلقت تسدد الضربات الموجعة للوحدات الألمانية التي فوجئت بالهجوم يأتيها من الخلف, فلم تملك ردا له. واندفعت أرتال دبابات تي 34 مسافات طويلة طهرت خلالها العديد من المواقع واستولت على تقاطعات الطرق المهمة ووضعت يدها على قطارات تنقل الامدادات للقوات الألمانية قبل أن يتم تفريغها. إحدى تلك الوحدات, وهي فيلق الدبابات 24 بقيادة الجنرال بودانوف, قطعت 230 كيلومترا في ثمانية أيام. وفي 24 ديسمبر, وصلت طلائع الفيلق إلى قرية سكاسيرسكايا حيث المطار الرئيسي الألماني الذي يتولى تموين ستالينجراد. ودون أن تتوقف, أخذت باطلاق قذائفها ونيران رشاشاتها على صفوف طائرات اليونكر التي لم يكن هناك كقوة تذكر للدفاع عنها. وركض الطيارون نحو طائراتهم محاولين الاقلاع بها وسط نيران الجحيم. وكانت الحصيلة النهائية تدمير 72 طائرة يونكر, أو حوالي 10% من اجمالي طائرات النقل الألمانية (الحصيلة حسب المصادر الروسية كانت 431 طائرة). هكذا كتب الفشل على عملية (عاصفة الشتاء) , عبر التنفيذ المتقن للمرحلة الأولى من عمليات ساتورن. وعندما أدرك مانشتين ان جيش الدون بأكمله أصبح في وضع خطر, أصدر أوامره للقوات التي كانت تقاتل للوصول إلى ستالينجراد بالتراجع. وما ان وصل الأمر حتى اتضحت الحقيقة المرة أمام كل جندي. الجيش السادس سوف يترك لمصيره المحتوم. في 16 ديسمبر أيضا اشتدت البرودة فجأة, وما ان حل المساء حتى حدث ما كان جنود الجيش 62 المدافعين عن ستالينجراد ينتظرونه. لقد تجمد الفولجا, وصار ممكنا نقل الامدادات على طبقة الجليد السميكة. وخلال اسبوع واحد, كانت 18 ألف شاحنة و17 ألف عربة أخرى قد عبرت النهر. وفي 19 ديسمبر عبره تشويكوف سيرا على الاقدام لأول مرة منذ اكتوبر, لحضور حفلة على الضفة الغربية. وأثناء عودته زلت قدمه فسقط من فتحة في الجليد في مياه النهر. وأمكن انقاذه بصعوبة. وهكذا فان القائد الذي أوقف على رأس الجيش 62 تقدم الألمان في ستالينجراد كاد يلقى حتفه بزلة قدم! أما الجنود الألمان داخل الطوق, فقد كانت أوضاعهم تتدهور يوما بعد يوم. وأخذت الأمراض السارية تتفشى بينهم. وقد لعب القمل دورا أساسيا في ذلك, خاصة مع انعدام الماء, على الرغم من أكوام الجليد التي يعيشون وسطها, بسبب عجزهم عن تذويبها. ولوحظ في الأسابيع الأخيرة من ديسمبر ان كثيرا من الجنود كانوا يموتون فجأة, دون أن يسبق موتهم أي عارض مرضي, باستثناء الهزال. لكن أحدا في سلاح الخدمات الطبية الذي كان يضم 600 طبيب لم يتجرأ على قول الحقيقة المرة, وهي ان أولئك الجنود كانوا يموتون جوعا. وفي ظروف رهيبة مثل تلك التي كان المدافعون الألمان يعيشونها, كان من الطبيعي ان الأسرى الروس لديهم كانوا يعانون أكثر بكثير. فقد أقيم لهم معسكرا على وجه السرعة في العراء, وأحيط بأسلاك شائكة. وجرد معظمهم مما كانوا يرتدونه من ملابس شتوية من قبل حراسهم. وفي بداية الحصار, كان أحدهم لا يتلقى سوى نصف جفنة من حبوب الذرة المتعفنة. وهكذا ارتفعت بينهم نسبة الوفيات من الجوع. كان عددهم عندما أغلق الطوق أكثر من 3500 جندي. وعندما اجتاح الجيش الأحمر موقعهم قبيل استسلام الجيش السادس, كان عدد الأحياء منهم 20 فقط. وتشير تقارير روسية إلى ان الجوع دفع بعضهم لالتهام ما يعثرون عليه من لحوم جائفة ربما فيها لحوم بشرية. كان من الطبيعي ان أحداث ستالينجراد ستثير حنق العديد من ضباط القوات المسلحة على هتلر باعتباره المسئول الأول عن كل الأوامر الخاطئة والبعيدة كل البعد عن أي منطق سليم. وسرعان ما نظم الحانقون صفوفهم وأخذوا يعملون للاطاحة بالفوهرر. وقد جرت محاولات كثيرة من جانبهم لاجتذاب المارشال مانشتين إلى صفوفهم, لكن من دون جدوى. فهذا القائد الذي برز كواحد من أفضل ضباط حرب الحركة المدرعة, كان يخشى هتلر, ويؤمن مثل باولوس بأنه لا يجوز انتهاك قانون التسلسل العسكري مهما كانت الظروف. على ان ذلك لم يثبط من عزائم المتآمرين الذين انتهت محاولاتهم بعدئذ بمحاولة لاغتيال الفوهرر. وعلى الرغم من ان عددا من أتباعه المخلصين قتلوا حوله, لكنه نجا لكي يحاكمهم ويعدم من بقي منهم على قيد الحياة. تختلف الروايات العسكرية والمذكرات الشخصية كثيرا حول تلك الحقبة المظلمة. بل ان مانشتين نفسه يوحي في مذكراته بأنه اعتقد ان من فاتحوه بأمر قيادته لانقلاب عسكري ضد هتلر, أو برفض تنفيذ أوامر الفوهرر, واصدار أمر شخصي يسمح للجيش السادس بالانسحاب غربا. عندما كان ذلك ممكنا, وتحمل مسئولية ذلك, إنما كانوا مدفوعين للقيام بما قاموا به بتعليمات من هتلر لاختبار ولائه له. ومهما يكن من أمر, فإن الحقيقة المرة كانت ان الجيش السادس لم تعد لديه القدرة لشن أي هجوم بعدما أحكم طوق الحصار حوله, وبقيت مسألة النهاية قضية أيام وساعات.