يوم واحد بعد عبور الفولجا كاف لاكتساب صلابة الفولاذ ، عقل جنرال باولوس يتجمد عن العمل في مواجهة هجوم روسي شامل من الممكن القول ان الذين قاتلوا في ستالينجراد, وبقوا أحياء حتى نهاية المعركة كانوا هم الصفوة المختارة التي تولت بعدئذ القيادة الميدانية للوحدات التي قامت بطرد القوات النازية من بقية مدن الاتحاد السوفييتي, ومن ثم احتلال ألمانيا, وبرلين, بعد سلسلة طويلة من المجابهات. لقد جرى تعميد المدينة بنطاق يصعب تصوره من الدم والعرق, حتى أصبح يطلق على من قاتل فيها (لقب (خريج أكاديمية ستالينجراد لقتال الشوارع) . كان الجنود الذين يعبرون نهر الفولجا لأول مرة لا يحتاجون لأكثر من يوم واحد لكي يصبحوا متمرسين في فنون القتال. فذلك اليوم كان يكفي لرؤية الدماء تسيل, والأرواح تزهق من دون حساب, والتضحيات تقدم من دون توقع مكافآت. وكانت قصص البطولات تنتقل من موقع لآخر, فترفع الروح المعنوية وتثير الحماس والمنافسات. فليس هناك أحد في المدينة لم يسمع قصة الجندي اللغَّام كوسيشنكو ومرافقه الجندي المجهول الذي دمرت دبابته, فبقي بدون سلاح. وجد الاثنان نفسيهما في موقع لا يعرفان فيه أحدا, فيما كان الموقع يتعرض لهجوم شرس من المدرعات والمشاة الألمانية, وكان الاثنان قد خسر كل منهما ذراعه اليسرى قبل ساعات, ولم يعودا قادرين على استعمال السلاح. لكن ذلك لم يمنعهما من التقاط القنابل اليدوية بيد واحدة ونزع مسمار الأمان بالأسنان, ثم قذفها على المهاجمين. وليس هناك من لم يكن يتابع تطور القتال في بيت بافلوف. وبافلوف هو رقيب تولى قيادة فصيل من المشاة بعد مقتل آخر ضابط فيه. وقد قام هذا الفصيل باحتلال مبنى مكون من أربعة طوابق كان الألمان قد وصلوا إليه, وبنى الجنود متاريسهم في الطابق الأرضي والطابق الرابع بمهارة. وهناك نجح بافلوف ومقاتلوه في وقف تقدم الألمان عند ذلك المبنى, وصدوا أشرس الهجمات على مدى 58 يوما. والأغرب من ذلك انهم تمكنوا من الحفاظ على حياة عدد من النساء والأطفال الذين وجدوهم مختبئين في قبو المبنى. وقد اشتهر عن تشويكوف انه كان يمازح رفاقه بالقول ان جنود بافلوف قتلوا من الألمان أكثر مما تكبده هؤلاء خلال احتلالهم مدينة باريس. كان المدافعون عن المدينة يتناقلون كذلك قصص القناصة الذين اشتهروا ليس فقط في ستالينجراد, بل في كل أرجاء البلاد. كانت تتردد أسماء أشخاص مثل زيكان (قتل 224 ألمانياً حتى 20 نوفمبر) زايتسيف. (قتل 149 ألمانيا) وغيرهم. ولم تكن الدعاية السوفييتية تقصر في نشر قصص البطولة في طول البلاد وعرضها. الألمان يغيرون أسلوبهم في الأيام الأخيرة من أكتوبر, تقاربت مواقع الجانبين وتداخلت بصورة لا تصدق. ولم يبق للجيش 62 سوى بضع رؤوس جسور على ضفة النهر. واستولى الألمان على شوارع عديدة, بعد أن قتلوا آخر المدافعين عنها. وأصبحت قوة كثير من الفرق لا تزيد عن بضع مئات من الجنود, الذين يرفضون فكرة التوقف عن القتال. لكن حدة القتال تراجعت, وفقدت اندفاعة الهجوم الأخيرة زخمها نتيجة الارهاق ونقصان الذخائر, ثم انهار آخر هجوم ضد مصنع اكتوبر الأحمر في أول نوفمبر تحت وطأة قصف مدفعي شرس من الضفة المقابلة. بعد ذلك, لجأ الألمان لتغيير تكتيك هجماتهم. فعوضا عن استخدام فرق بكاملها في هجمات موضعية, أخذوا باستخدام وحدات صغيرة من المشاة التي قد تدعمها المدرعات أحيانا. لكن ذلك كله لم يفض إلى نتيجة ملموسة على صعيد الأرض. وفي تلك الفترة, وعلى الرغم من الارهاق والاعياء, أخذ الجنود من الجانبين يظهرون قدراتهم الابداعية بشتى الطرق. الألمان مثلا, اكتشفوا انهم يستطيعون اتقاء خطر سقوط القنابل اليدوية التي يلقيها الجنود الروس المتسللين إلى مواقعهم, باستخدام لفائف الشريط الشبكي وتغطية النوافذ والفتحات به. وبالمقابل استخدم الروس الشريط نفسه بعد قطعه, وثني أطرافه لتصبح كالخطاطيف, ثم يلفون القنبلة به نحو المواقع الألمانية. وكانت الخطاطيف تعلق بأغطية الفتحات الألمانية وتنفجر هناك. وفي حالة أخرى, اكتشف الروس ان المشاعل الملونة المضيئة التي كان الألمان يطلقونها, كانت تحمل رموزا معينة يقصد بها توجيه نيران مدفعيتهم نحو المواقع الروسية قبيل الهجمات الكبرى. وعند ذاك, نجح الروس في استخدام الرموز نفسها بالمشاعل التي كانوا يطلقونها هم, ويوجهون النيران نحو المواقع الألمانية. في الاسبوع الثاني من نوفمبر, هبطت درجة الحرارة إلى 19 تحت الصفر, وبدأ نهر الفولجا بالتجمد, مسببا مزيدا من الصعوبات في نقل الامدادات عبره. وقد اختار باولوس يوم 11 نوفمبر لاطلاق آخر هجوم يشنه الجيش السادس في ستالينجراد. وكان هدف الهجوم احتلال آخر نقاط المقاومة الروسية في المدينة. لكن المدافعين صمدوا تحت وابل من القصف الجوي والبري على الرغم من الخسائر الفادحة. بعض الوحدات لم يعد موجودا منها سوى الاسم, بعد أن قتل آخر عناصرها خلف سلاحه. وعدد من الكتائب أصبح يضم ما لا يقل عن 15 جنديا. بل إن إحدى الفصائل نفذت ذخيرتها فيما كان الألمان يهاجمون موقعها. فأرسل جنودها الأربعة الذين بقوا على قيد الحياة آخر رسالة لهم إلى القيادة. الألمان سيصلون في أية لحظة. نرجوا أن تقصفوا موقعنا. وداعا للجميع! أخبروا أهلنا اننا لم نتراجع! لكن القتال لم يتوقف. وبعد أن كانت القيادة الروسية تشكو من تدهور المعنويات قبل أشهر, وتأمر بمحاكمة الجبناء والهاربين والمتراجعين, انتقلت العدوى إلى الألمان. فقد تراجعت روحهم المعنوية إلى أدنى مستوياتها منذ بداية الحرب على الجبهة الشرقية. وكثرت حالات الهروب إلى الخطوط الروسية. فأصدرت قيادة الجيش السادس أمرا يقضي باعدام كل من يحاول الهرب أو يخرب سلاحه أو يصيب نفسه بجراح لتفادي القتال, وكان ذلك الأمر مؤشر النهاية القريبة. كل شيء للجبهة فيما كان القتال يدور على أشده على امتداد الجبهة الوسطى, كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق لهجوم شتوي شامل مضاد. وكان ستالين - على غير عادته - قد وافق على فكرة الخطة الأصلية التي تقدم بها الجنرالات جوكوف وفاسيلفسكي رئيس الأركان العامة, بل عهد إليهما بوضع جميع تفاصيلها وأدقها من دون أن يتدخل فيها. المعلومات الاستخبارية كانت تصل إلى القيادة الألمانية متأخرة جدا, وناقصة, وفي أحيان كثيرة مغلوطة. وكانت آخر تقارير المخابرات تشير إلى ان الاتحاد السوفييتي وصل في انتاج الدبابات إلى 1200 دبابة شهريا مقابل 500 دبابة تنتجها المصانع الألمانية. وعلى الرغم من ان تاريخ هذا التقرير يرجع إلى الصيف, أي قبل بدء معركة ستالينجراد, فقد ثار غضب هتلر عندما قرأه, وكال التهم لأجهزة مخابراته, معتبرا ان التقرير مبالغ فيه جدا, لانه لم يكن على استعداد للاعتراف بأن الاتحاد السوفييتي يمتلك قدرات تفوق قدرات بلاده. لكن ذلك كان في الصيف. والآن ها نحن في نوفمبر, كان الانتاج الروسي يزيد عن 2200 دبابة ويقارب 2600 طائرة قتال شهريا. اضافة إلى ذلك, كانت التجهيزات العسكرية الأمريكية قد بدأت تصل روسيا بكثافة بعد سريان قانون الاعارة والتأجير الذي أقرته واشنطن بعد دخول الولايات المتحدة الحرب. والحقيقة ان وسائل الاعلام السوفييتية تتفادى إلى حد كبير الاشارة إلى تأثير تلك التجهيزات ومساعدة الجيش الأحمر على مواصلة القتال. لكن من المعروف ان ستالين تذمر لحلفائه الغربيين إكثر من مرة بسبب مستوى طائرات هاريكان البريطانية التي كانت ضمن تلك التجهيزات وكذلك بسبب الدبابات الأمريكية التي كانت أدنى فعالية بكثير من دبابات تي 34 الروسية, خاصة في الظروف المناخية الباردة. الشيء الوحيد الذي كان موضع ترحيب الجنود السوفييت كان الشاحنات الأمريكية, خاصة منها فورد وجيب وستود يبيكر وسيارات الجيب ويليز. فضلا عن ذلك, لابد من الاشارة إلى ان الامدادات الغذائية التي شملت ملايين أطنان القمح واللحوم المعلبة لعبت دورا كبيرا في الحرب. على الرغم من ان القوات السوفييتية أتقنت فنون التمويه كثيرا, إلا انها لم تكن تأمل كثيرا بابقاء استعدادات الهجوم المضاد طي الكتمان. لكنها نجحت إلى حد كبير في اعطاء الألمان انطباعا بأن ما يجري كان اعدادا لهجوم على نطاق ضيق مع تعزيز المواقع الدفاعية فقط. أما الحقيقة فهي ان الخطة التي حملت اسم (أورانوس) , وكانت تستهدف حصار الجيش السادس بأكمله والقضاء عليه. تم تدريجيا, وتحت جنح الظلام, طيلة الأشهر التي كان المدافعون عن ستالينجراد يخوضون معاركهم خلالها, نقل مئات الألوف من الجنود إلى نقاط التجمع جنوبي ستالينجراد وشماليها. وأخليت القرى من المدنيين بهدف اخفاء العسكريين فيها بعيدا عن أنظار طائرات الاستكشاف الألمانية. وفي الاسبوع الثاني من نوفمبر أدرك الألمان أخيرا ان هجوما على وشك أن يشن من الجنوب. لكنهم لم يكونوا قادرين على فعل الكثير. وكل ما قاموا به كان تعزيز الجبهة الجنوبية بالفيلق المدرع 48 الذي كان يبدو قوة هائلة على الورق, لكنه لم يكن يملك أكثر من 100 دبابة موزعة على ثلاث فرق, أما بقية أسلحته, فقد بقيت حطاما محترقا في شوارع ستالينجراد. جاء أول تقرير عن الهجوم السوفييتي بعد الساعة الخامسة من فجر 19 نوفمبر, وكان يستند لاعتراف ضابط استطلاع روسي وقع في الأسر وأشار إلى ان الهجوم سيبدأ في الساعة السابعة صباحا. ونظر الضابط الألماني المناوب في القيادة إلى ساعته فوجدها قد جاوزت الخامسة. وحيث ان تعليمات هتلر كانت ترفض الاعتراف بالتوقيت الروسي, وانه ألحق توقيت المناطق السوفييتية المحتلة بالتوقيت الألماني, فإن ذلك الضابط لم يكلف نفسه عناء ايقاظ باولوس, واعتبر التقرير كاذبا! كان الضباب الكثيف والثلج المتساقط من دون توقف يمنع الرؤية تماما. لكن جنود المدفعية الروسية كانوا قد أحكموا تسديد مدافعهم قبل ذلك بأيام. وما ان حلت ساعة الهجوم, حتى فتحت الخيم أبوابها, وانهمرت القذائف من 3500 مدفع وهاون ثقيل على المواقع الرومانية في الجنوب, وانطلقت طائرات ثلاثة جيوش في غارات لم تنقطع, فيما كانت الطائرات الألمانية عاجزة تماما عن الاقلاع بسبب عدم قدرتها على العمل في ذلك الطقس. الكماشة كان فكا الكماشة الروسية يسحقان المواقع الرومانية. من دون رحمة على بعد 100 كم جنوب المواقع الألمانية المحاذية لستالينجراد في الجبهة الجنوبية. ولذلك لم يشعر كثير منها بما كان يحدث. أما باولوس, فقد تجمد عقله عن العمل, وبدا عجزه واضحا في تلك الساعات الحاسمة, فأخذ يحاول دفع النجدات ذات اليمين وذات اليسار, فأضاع بذلك الوقت الثمين الذي كان يمكنه خلاله أن يفعل شيئا. وقد أثبت ذلك الحقيقة التي كان قد أدركها آنذاك العديد من القادة الذين عملوا تحت امرته, وهي انه قد يصلح ضابطا مهما في الأركان وتنفيذ الأوامر, لكنه لا يصلح أبدا لوضع الخطط الميدانية السليمة. وفي وجه تلك الفوضى, أخذت جميع الوحدات الروسية, داخل ستالينجراد وخارجها تشن هجمات في كل القطاعات تقريبا. وزاد هذا من حيرة القيادة الألمانية وعجزها عن سحب أية وحدات لتسد بها الثغرات التي أخذت تهدد ميمنتهم وزاد الأمر سوءاً ان تدهور الأحوال الجوية أوقف امدادات الوقود التي كان يتم نقلها جوا, فاضطرت وحدات ألمانية كثيرة لترك معداتها وآلياتها عندما نفد وقودها. وفي حالات أخرى, ظهرت مشكلة جديدة, وهي النقص الشديد في عناصر الدبابات الألمانية. وكان هتلر, في إحدى لحظات غضبه من تأخر باولوس في احتلال ستالينجراد, قد أمره باستخدام عناصر الدبابات كجنود مشاة في قتال الشوارع, ثم أمره بارسال الخيول التي كانت تقطر المدافع غربا ليستخدمها الخيالة في صد الهجمات المؤلمة والباهظة الثمن التي كانت وحدات الأنصار تشنها على مؤخرة الألمان وجناحيهم. وهكذا اضطر الجنود الألمان في تلك الحالات لترك مدافعهم بعد أن فرض التقدم الروسي السريع عليهم حربا متحركة تحتاج إلى وقود وخيول. لم يدرك باولوس وأركانه هدف العملية الروسية (أورانوس) سوى في وقت متأخر من 21 نوفمبر. ففي ذلك الوقت وردت تقارير مفاجئة عن تقدم روسي صاعق ينطلق من الشمال. وبنظرة سريعة إلى وجهة التقدم من الجنوب والشمال, أدرك باولوس أخيرا ان فكي الكماشة يتجهان نحو بلدة كلش وجسرها الكبير على نهر الدون, وان الهدف النهائي ليس فك الحصار عن ستالينجراد, بل محاصرة الجيش السادس بأكمله. قيادة باولوس التي كانت قواتها مستنزفة في معارك الشوارع, تركت مواقعها الخلفية من دون أية خطوط دفاعية. وبما لم يكن ذلك خطأ مقصودا, لكن القوات الألمانية ستدفع ثمنه غاليا. لم يكن في كلش آنذاك أكثر من وحدات تموين وصيانة صغيرة وفصيل من المدفعية المضادة للطائرات. لكن الجسر كان ملغوما, وكانت هناك وحدة من جنود الهندسة مهمتها نسف السجر لمنع أية محاولة للاستيلاء عليه. وقد أوكلت هذه المهمة لضابط يتميز بسرعة البديهة, وهو المقدم فيليبوف. قاد فيليبوف مجموعة من الدبابات تتقدمها دبابتان ألمانيتان كان قد استولى عليهما قبل ساعات, وأنوارها ساطعة, فخدع جنود الهندسة الذين لقوا مصرعهم بنيرانهما عندما خرجوا لاستقبالها, وقبل أن يتمكنوا من اشعال فتيل المتفجرات. وقبل حلول الظلام, سقطت البلدة, والتقى جنود الفيلق المدرع الرابع المقبل من الشمال مع جنود الفيلق المدرع السادس والعشرين الآتي من الجنوب. وبذلك تم اغلاق الطوق. وينظر كثير من المؤرخين إلى عملية احتلال جسر كلش على انها واحدة من تلك الأحداث الصغيرة التي تؤدي إلى تغيير مجرى الأحداث الكبيرة.