بعد عقود من الارتماء تحت ظلالها وقطف ثمارها والتزود بخيراتها باعتبارها افضل الاشجار واطيب الثمار, صحا السكان وصناع القرار متأخرا على واقع شديد المرارة, هد كل الامال وزلزل كل الشعارات المطالبة بالاهتمام بالشجرة ورعايتها, فاشجار النخيل التي وضعها الله سبحانه وتعالى في منزلة عالية بين بقية الاشجار تتعرض امام مرأى ومسمع الجميع لكل انواع الابادة, قلع عشوائي, آفات زراعية, قص جائر للسعف الاخضر, زحف عمراني والاتجار بالتربة الزراعية .. والمثير في الامر ان عملية الابادة للنخيل تترافق مع الاجتياح الخارجي لاسواق التمور المحلية وغياب اصناف تمور وظهور اخرى .. فماذا عن النخيل عموما!. اجتياح خارجي تبلغ مساحة الاراضي المزروعة بالنخيل حوالي 21 الف هكتار فما يقدر عدد اشجار النخيل بحوالي 5 ملايين نخلة تتواجد في منطقتين رئيسيتين هما: حضرموت وسهل تهامة .. ففي المنطقة الاولى تتواجد اشجار النخيل في وادي حضرموت وحجر ويبلغ عددها الحالي اقل من مليون نخلة, في حين تمتد زراعة النخيل في المنطقة الاخرى على طول سهل تهامة من مدينة الحديدة الساحلية حتى قرب مدينة المخبأ بمحافظة تعز, ويبلغ عدد اشجار النخيل في السهل حوالي 4 ملايين نخلة. وفي احصائيات اعدتها مراكز البحوث الزراعية اكدت ان الرقعة الزراعية للنخيل في تراجع مستمر, فقد اشارت الى ان عدد الاشجار في حضرموت كان عام 1977م يقارب المليوني نخلة وانخفض العدد الى مليون و 58 الف نخلة عام 85م واستمر هذا الانخفاض الى ان غدا العدد الحالي اقل من مليون نخلة وكذلك الحال بالنسبة لسهل تهامة, فقد كان العدد عام 86م حوالي 6 ملايين نخلة ليصبح في الوقت الحالي حوالي 4 ملايين نخلة. وبطبيعة الحال فقد شهد انتاج التمور المحلي بالمقابل تراجعا ملحوظا خلال العقود القليلة الماضية, ففي عام 72م كانت انتاجية التمور في وادي حضرموت وحجر تقدر بـ 25 الف طن لتصل مطلع التسعينيات حوالي 8 الاف طن فيما وصلت عام 96م 7 الاف طن, اما انتاج سهل تهامة فقد انخفض من 20 الف طن عام 86م الى 15 الف طن عام 98م. وازاء هذا التراجع في زراعة النخيل وانتاج التمور لجأت الحكومة وشركات الاستيراد والتجار الى استيراد كميات كبيرة من التمور الخارجية وتحديدا السعودية والايرانية بغرض تلبية احتياجات السوق الاستهلاكية من التمور, حيث استوردت اليمن عام 98م حوالي 12 الف طن من التمور المعبئة الخارجية بقيمة 810 ملايين ريال يمني .. ولم يقف الامر الى هذا الحد, بل شهدت العقود الثلاثة الماضية غياب العديد من الاصناف وانواع التمور المحلية التي كانت تتجاوز المئة نوع منها معشري, لطيط, حاشدي, ازار, حمراء وغيرها من الاصناف المعدومة حاليا في الاسواق اليمنية, واما الانواع المتوفرة في الوقت الحالي فهي السقطري, المدني, الهجري, العمومي, السريع والجزار. السوسة الحمراء والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو لماذا كل هذا التراجع؟ يقول المهندس الزراعي محمد منصور ان اسباب التراجع عديدة ومتعلقة بالجانب الزراعي والفني والاقتصادي والعمراني, حيث يلاحظ في حضرموت وجود زحف عمراني على الاراضي المزروعة بالنخيل بصورة عشوائية وتحديدا بعد اعادة الاراضي الزراعية المؤممة منذ الانتفاضات الفلاحية وصدور القانون الزراعي مطلع السبعينيات, الى اصحابها بعد الوحدة, فقد شهدت فترة التسعينيات نشاطا محموما تمثل في استعادة الاراضي الزراعية المؤممة منها اشجار النخيل من ملاك الاراضي الحقيقيين ولجوء البعض منهم للمتاجرة بهذه الاراضي المستعادة واشجارها وتسخيرها للبناء العمراني بحكم ارتفاع اسعارها الامر الذي ادى الى ابادة اعداد هائلة من اشجار النخيل وايضا تحويل التربة الزراعية الى اراض مخصصة للبناء. والشيء المؤسف ـ والحديث لمنصور ـ ان الحكومة والسلطة المحلية بحضرموت تقف عاجزة في مواجهة هذه التصرفات العشوائية, حيث لا يوجد حتى الآن قانون او نصوص تشريعية قانونية تمنع المتاجرة بالاراضي الزراعية الخاصة لصالح البناء العمراني من بيوت وعمارات. واضاف المهندس الزراعي منصور لـ (البيان) قائلا: وهناك ايضا اسباب اخرى تتلخص في ظهور مرض (سوسة النخيل الحمراء) الذي جاء نتيجة استيراد بعض الفسائل المصابة من الخارج وزرعها في الرقعة الزراعية بالنخيل وكذلك يجب التركيز على عملية اكثار زراعة الاصناف المحلية ذات الجودة والنوعية الجيدة كما تتلخص ايضا في العديد من الاشكاليات الفنية والزراعية ابرزها اشكالية التسميد, الري وتزاحم النخيل مع بعضها البعض مما ادى الى زيادة النخيل غير المثمر الذي بلغت نسبته في الوقت الحاضر الى كثر من 40% من اجمالي عدد اشجار النخيل بوادي حضرموت ووادي حجر, علاوة على استفحال ظاهرة القص الجائر لسعف النخيل الاخضر, وهذه الاشكاليات وغيرها هي الان في مرمى قيادة وزارة الزراعة والري التي تتدارس مع الجهات المعنية الاخرى امكانية ايجاد حلول مناسبة وسليمة قادرة على انقاذ ما تبقى من اشجار النخيل وزيادة رقعتها الزراعية.