ما هو الدور الذي يفترض ان تلعبه المجالس الصحفية في اقرار وترسيخ حرية الصحافة, وما هي المتغيرات الجديدة التي تؤثر على اداء هذا الدور؟ بما ان الحرية هي جوهر المهنة الصحفية, وترتبط بها وجودا وعدما, فان هذا السؤال يتعلق ـ في الواقع ـ بالمبرر الاساسي لتكوين المجالس الصحفية, والوظيفة الاساسية التي يتعين عليها ان تقوم بها. ولذلك, ليس غريبا ان اعلان كوالا لامبور, الذي صدر عن المؤتمر الاول للمجالس الصحفية في عام 1985 بدأ بتقرير: (ان الحق في التعبير الحر هو حق من حقوق الانسان الاساسية غير القابلة للانتهاك, وحرية الصحافة هي احدى النتائج الطبيعية لهذا الحق, وهذه الحرية ليست مجرد حق من حقوق الملكية للناشرين, ولا مجرد ميزة للصحفيين, انها حق الشعب في المعرفة) . لذا يقرر الاعلان, ان انشاء المجالس الصحفية وغيرها من الاجهزة المشابهة (هو وسيلة يمكن عن طريقها تنمية وتعزيز حرية الصحافة ومسئوليتها) , وبالمثل, فان القانون الاساسي للاتحاد العالمي للمجالس الصحفية ينص في مقدمته على ان تكوين المجالس الصحفية, وما يشابهما, (هي وسائل معترف بها لاقرار وتدعيم حرية الصحافة, ومسئوليتها, وقابليتها للمساءلة) , و(ان المجالس الصحفية المستقلة ـ من بين وسائل اخرى ـ منبر ديمقراطي, فعال وغير مكلف للاستماع إلى الشكاوى سواء ضد الصحافة أو من جانبها, وكذلك منبر لاقرار وتدعيم حرية الصحافة, ومسئوليتها, وقابليتها للمساءلة) . ليس غريبا اذن, ان السويد التي كانت اول دولة في العالم تقريبا تتبني مبدأ حرية الصحافة, وتدرجه ضمن مبادىء دستورها عام 1766, كانت هي ايضا اول دولة تنشىء مجلسا للصحافة عام 1916, وقد مر وقت طويل قبل ان تنقل دول اخرى الفكرة, وتنشىء منظمات وهيئات تقوم بشكل أو بآخر ـ بوظيفة مجلس الصحافة, وكان مبرر انشاء تلك المجالس غالبا هو حماية حرية الصحافة, والحيلولة دون ان تكون تلك الحرية على حساب حقوق وحريات الافراد, أو هي ـ بعبارة اخرى ـ اداة لتحقيق التوازن بين حرية الصحافة من ناحية, وحريات الافراد من ناحية اخرى. في واقع الامر, فان جوهر الجدال الذي كان يثور حول فكرة انشاء (مجلس للصحافة) كان هو ما اذا كان هذا المجلس سوف يكون قيدا على الصحافة ام انه سيكون اداة لحمايتها بالتحديد من خلال التصدي لما يترتب على تلك الحرية من مشاكل وانتهاكات لحريات اخرى في المجتمع, وذلك هو النقاش الذي شهدته بشكل عام عمليات انشاء مجالس للصحافة أو ما يشابها في البلاد ذات التقاليد الديمقراطية المستقرة مثل بريطانيا, والولايات المتحدة, وكندا واستراليا.. الخ. غير ان الامر اختلف بعض الشىء لدى انشاء تلك المجالس في بعض بلاد العالم الثالث, حيث لا توجد بالضرورة تقاليد ديمقراطية مستقرة, ففي هذا السياق كان انشاء مجالس للصحافة ـ في جانب منه ـ اداة لتأسيس قواعد حرية الصحافة, اكثر منه اداة لتنظيم أو اقرار قيم موجودة ومستقرة بالفعل. وفي واقع الامر, فان مجالس الصحافة في بلدان مثل الهند, ونيجيريا, ومصر, استهدفت تنظيم مجمل شئون الصحافة بما في ذلك مواجهة مشاكلها المهنية, ووسائل تحديث الصحافة, الخ, جنبا إلى جنب مع تنظيم حرية الصحافة, وليس مصادفة ايضا, ان مجالس الصحافة في تلك البلدان الثلاثة انما نشأت بمبادرة من الحكومة, وبمقتضى قوانين اصدرتها الهيئات التشريعية فيها, وذلك يختلف عن حالات النشأة الذاتية لتلك المجالس, في التجارب الاوروبية, والتي قامت بمبادرة اطراف المهن الصحفية انفسهم مثل اصحاب الصحف ودور النشر, والصحفيين, والجمهور. والواقع ان هذا الاختلاف في نشأة المجالس الصحفية وفي اغراضها, في العالم المتقدم, عنها في العالم الثالث, انما يعكس اختلاف الظروف في تلك الاخيرة, والتي احاطت بنشأة المجالس الصحفية, فقد نشأت هذه المجالس ليس فقط في ظروف الاستقلال عن الاستعمار الاوروبي والبحث عن الهوية الوطنية, وانما ايضا في ظروف التحول من النظم (السلطوية) التي سادت كثيرا من دول العالم الثالث عقب الاستقلال إلى نظم اكثر ديمقراطية, تحاول بناء نفسها وترسيخ حرية الصحافة, باعتبارها احد اعمدة الديمقراطية المنشورة, وفي هذا السياق يمكن مثلا ان نفهم حقيقة ان انشاء المجلس الاعلى للصحافة في مصر ـ لاول مرة ـ في عام 1975, اي في غمار الجهود التي شهدتها مصر للتطور نحو الديمقراطية, ومتواكبة مع عملية التحول من نظام الحزب الواحد, إلى التعدد الحزبي, الذي سبق منذ اواخر عام 1976. وفي الواقع, فإن ترتيب اوضاع الصحافة كان احد القضايا الرئيسية في المناقشات التي دارت في مصر طوال منتصف السبعينيات, حول تطوير النظام السياسي ككل, وفي ذلك الاطار وصفت الصحافة باعتبارها (السلطة الرابعة) جنبا إلى جنب مع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, وبمقتضى التعديل الذي اجري على الدستور المصري, وتمت الموافقة عليه في استفتاء 22 مايو 1980 اضيفت 6 مواد (من المادة 206 إلى المادة 211) إلى الدستور تتناول ما يسمى بـ (سلطة الصحافة) , ونصت المادة 211 على انه (يقوم على شئون الصحافة مجلس اعلى, يحدد القانون طريقة تشكيله, واختصاصاته وعلاقاته بسلطات الدولة, ويمارس المجلس اختصاصاته بما يدعم حرية الصحافة واستقلالها, ويحقق الحفاظ على المقومات الاساسية للمجتمع, ويضمن سلامة الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي, وذلك على النحو المبين في الدستور والقانون) . لاشك ان هناك ارتباطا وثيقا بين الطريقة التي تنشأ بها المجالس الصحفية, وخصائصها البنائية (الهيكلية) وبين قدرتها على اداء الوظائف المتصورة لها, ازاء حرية الصحافة. واول التساؤلات التي تثار هنا: هل تنشأ تلك المجالس مستقلة عن الحكومة, ام تنشأ بواسطة الحكومة, وتحت رعايتها واشرافها؟ وبداهة, فكلما كانت تلك النشأة مستقلة عن الحكومة (كما هو الحال المجالس الصحفية في غالبية البلاد المتقدمة الديمقراطية) كلما كان من المتصور ان تلعب دورا اكثر فعالية في حماية حرية الصحافة مما يحدث لو كانت مكونة بواسطة الحكومة, ولذلك, فان التكوين الذاتي لمجلس الصحافة في بلاد مثل السويد واستراليا, يفسر فاعلية تلك المجالس, وقدرتها على القيام بوظائفها في حماية حرية الصحافة, ومع ذلك, فان التجربة الهندية مثلا تشير إلى ان نشأة مجلس الصحافة بواسطة (القانون) وبرعاية الحكومة, لا تنطوي بالضرورة على الحد من فاعلية المجلس ومن قدرته على حماية حرية الصحافة, بشكل قد لا يختلف كثيرا عما يتم في المجالس ذاتية التشكيل. ويعني ذلك ـ في الواقع ـ انه اذا توافرت لدى الحكومة, وايضا لدى الجماعة الصحفية الرغبة الحقيقية في حماية حرية الصحافة, وفي ان يكون (المجلس) اداة فعالة لتلك الحماية, فان ذلك يحدث فعليا بصرف النظر عن طريقة الانشاء. ووفقا لتقرير (اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال) الذي اصدرته اليونسكو عام 1979 فإن مجالس الصحافة تنقسم ـ من حيث تكوينها ـ إلى ثلاث فئات رئيسية: (1) مجالس تضم ممثلين للحكومة أو يكون جميع اعضائها من ممثلي الحكومة, ويرأسها الوزير المعني. (2) ومجالس يشترك في انشائها ناشرو الصحف, وأصحاب الصحف, والصحفيون. (3) ثم مجالس يمثل فيها الجمهور وابناء المهنة بنسب متفاوتة, وفي حين يبدو واضحا ان سيطرة أو زيادة عدد ممثلي الحكومة يشكك في مدى استقلالية المجلس, فان وجود ممثلين للجمهور في المجالس الصحافية, ليس محل اتفاق حول تأثيره على حرية الصحافة, فالذين يمثلون الجمهور, والذين يفترض فيهم ان يعبروا بصدق عن الرأي العام, قد لا يدركون خصوصية العمل الصحفي, ويؤدي تدخلهم ـ بالتالي ـ إلى الحد من حرية التعبير المتاحة للصحفي, ومع ذلك, فإن تلك النواحي السلبية تبدو ضئيلة بالمقارنة بالمزايا الكبيرة التي تترتب على وجود ممثلي الجمهور, اي الحد مما قد يترتب على ممارسة الصحافة لحريتها من اساءة إلى الحريات الفردية, أو اساءة إلى قيم الحرية والديمقراطية نفسها. اما رئاسة المجالس الصحفية, فتختلف هي الأخرى من تجربة لاخرى, وان كانت السمة العامة لها هي ان تكون لشخصية مستقلة غير حكومية, وليس بالضرورة ان تكون صحفية, ولاشك ان هذا الاستقلال ينعكس مباشرة على وظيفة المجلس ازاء حرية الصحافة. وظائف مجلس الصحافة لكي تقوم المجالس الصحفية بوظيفتها في ارساء وتدعيم حرية الصحافة, فإن من المتصور ان يتم ذلك من خلال مراقبتها لتطبيق عدد من المبادىء والقواعد التي تجسد تلك الحرية, وهي الوظيفة التي تقوم بها مجالس الصحافة باساليب متعددة وبدرجات مختلفة من النجاح. ـ هناك اولا دور المجالس الصحفية في التأكد من (استقلالية) الصحافة, سواء ازاء (الحكومة) أو ازاء مراكز القوى والنفوذ السياسي أو الاقتصادي, وفي واقع الامر, فان قضية الاستقلالية تختلف في البلاد المتقدمة, عنها في البلاد النامية, التي تعرف اشكالا مختلفة عن ملكية الصحافة, وعلاقاتها المعقدة بالقوى الاجتماعية السياسية. ففي بعض البلاد النامية يوجد نمط (الملكية العامة) لبعض الصحف, وبالتالي فان استقلال تلك الصحف, يتمثل في امكانية الفصل بين النظام العام للملكية, والاداء الصحفي المستقل, والذي يمكن ان يتحقق إلى حد كبير من خلال التأكد من الغاء الرقابة المباشرة عليه, وهو ما حدث مثلا بالنسبة للصحافة (القومية) في مصر, غير ان ما هو اهم من ذلك, دور المجالس الصحفية في ضمان الا تكون بعض الصحف مجرد ادوات لقوى سياسية أو اقتصادية معينة تستخدمها في صراع القوى فيما بينها, ففي هذا النوع من الصحف تكون الانباء والآراء والتحليلات متحيزة بل وقد تسعى إلى نوع من الابتزاز والتشهير, يؤدي إلى حرمان الجمهور من المعلومات الصحيحة, بل ويسهم في تشويه افكاره واتجاهاته, وبالطبع, فان اداء المجالس الصحفية لدورها في دعم استقلالية الصحافة, لا يكون في مثل هذا المناخ, قضية سهلة, وتحتاج للكثير من الخبرة والعمل الشاق. وعلى المجالس الصحفية ثانيا ان ترسي مبادىء (التنظيم الذاتي) للصحافة كمهنة, باعتبار ذلك احد عناصر حرية الصحافة, ومن هذه الزاوية, يكون على مجالس الصحافة التحقق من ان الجماعة الصحفية هي التي تضع بنفسها, لنفسها, القواعد والضوابط المنظمة لها, سواء من خلال مجلس الصحافة نفسه, أو من خلال غيره من المؤسسات الصحفية, مثل النقابات الصحفية واتحادات ملاك الصحف, أو الناشرين, وبداهة, فان تلك القدرة على التنظيم الذاتي, ترتبط بنضج الجماعة الصحفية, ووعيها بحقوقها, مثلما ترتبط بديمقراطية النظام السياسي, وما يتيحه من حريات للتعبير, والتنظيم, للقوى الاجتماعية السياسية في المجتمع. من ناحية ثالثة, من المفترض ان تقوم المجالس الصحفية بدورها في حماية حرية الصحافة من خلال تأكيدها على مسئولية الصحافة, فحق الصحافة, وواجبها في مناقشة كافة القضايا التي تهم المجتمع, تقابله مسئوليتها في الحفاظ على التماسك القومي, والبعد عن الاتجاهات العنصرية أو اي من اشكال التمييز بين المواطنين, كذلك فان حق الصحافة وواجبها في تقييم اداء الشخصيات العامة, تقابله مسئوليتها في تحري الدقة والامانة, وتجنب الكذب أو التشهير المتعمد. ولكي تتأكد المجالس الصحفية من مسئولية الصحافة, فان عليها ان تساعد ليس فقط على وجود مواثيق لاخلاقيات المهنة الصحفية, وانما ايضا على مراقبة احترام الصحفيين لتلك الاخلاقيات, واحترامهم لها, كذلك فان بامكان المجالس الصحفية ان تبذل جهدا لوضع ضوابط لممارسة مهنة الصحافة, تتفق مع الطبيعة الخاصة لمهنة الصحافة, ومع ما يتمتع به الصحفي من امتيازات وحصانات. رابعاً, واخيرا.. فان هذه الوظائف للمجالس الصحفية لحماية حرية الصحافة, ترتبط في فاعليتها بتأكيد خضوع الصحافة للقانون, وقابليتها للمساءلة, وبمقدار ما تستطع المجالس الصحفية تنظيم تلك المساءلة, وضمان حقوق المجتمع والفرد, بمقدار ما تحمي حرية الصحافة, وتجعل منها بحق اداة لتقدم المجتمع وازدهاره. بقلم د. اسامة الغزالي حرب