قطعت الصحافة الجزائرية مشوارا في تحقيق الحرية لم يكن متوقعا منذ عشر سنوات خلت, غير ان ذلك كان بتكلفة باهظة نتيجة لتداخل السياسة بالاعلام لدرجة جعلت الجماعات المسلحة لا تميز بين سلطة الصحافة ـ ان كانت لها سلطة في واقعنا ـ وبين سلطة الانظمة المتعاقبة, حتى ان الحرب حين بدأت في جو العنف والارهاب شنت غاراتها على الصحفيين لكونهم كانوا ومازالوا يشكلون حدثا اعلاميا. لذلك فإن هامشا واسعا من الحرية قد تحقق حيث ليس هناك خوف من السلطة الحاكمة فيما يتعلق بتدمير الذات وانهاء الوجود وانما خوف دائم وسيستمر الى سنوات مقبلة بين التوقيف والمنع للصحف او سجن الصحفيين والكتاب وتلك حالة تظل ـ رغم صعوبتها وكشفها عن عدم تحقق ديمقراطية يدعيها الساسة ـ اكثر رحمة من ذلك الماضي القريب الذي تجاوز فيه عدد القتلى من الصحفيين الجزائريين ستين صحفيا. حرية الصحافة اذن كانت مقلقة لاطراف عديدة, ولتعدد الصحف وتنوعها صار من السهل تحميل اخطاء الساسة والانظمة للصحفيين.. انهم يعتبرون في كل حال اما جزءا من السلطة واما مهمتهم الفضح او الوشاية بمختلف جماعات العنف التي ترى في كشف الحقائق نوعا من التعدي على سلطتها المزعومة, لذا فإن الحرية ها هنا بدت عالية ومكلفة. لكن لا شك حققت ما لم تحققه الحكومات نفسها من ناحية الثبات والاستقرار, صحيح انها مرتبطة بالايديولوجيا والتوجهات السياسية ومصالح رجال المال, بل ولبعض منها علاقات بالخارج لكن مع ذلك كله ظلت صامدة مساوية في ذلك للمؤسستين الامنية والعسكرية, وهكذا يمكن القول: ان حرية الصحافة قد ساعدت الى حد بعيد على استمرارية حيوية المجتمع, وإن لم تحافظ على استقرارها. ويشتكي الصحفيون الجزائريون من عنف الجماعات مثلما يشتكون من عنف السلطة, ففي ندوة عقدتها مؤخرا صحيفة (الخبر الاسبوعي) حول الصحافة وحرية التعبير في الجزائر جاءت تدخلات المشاركين لتشير الى ان الصحافة الجزائرية على حد ما يذكر (عمر بلهوشات) مدير يومية الوطن (لامثيل لها في العالم لأن مشوارها استثنائي لكونها وجدت نفسها ضمن رهانات معتبرة في وضعية صعبة, فلا يوجد بلد في العالم تم فيه قتل عدد هائل من الصحفيين, ولا تعليقات لهذا الكم من الصحف في وقت وجيز منذ بداية القرن, ومع ذلك فقد ظل الصحفيون شهود عيان على ما حدث) والواقع ان هذا القول يتطابق الى حد بعيد مع مختلف الرؤى بغض النظر عن الهدف الايديولوجي لصاحبه. والصحافة في الجزائر واجهتها خلال السنوات الماضية صعوبات تأقلم مع وضع متغير ينتج كل يوم وسائل القتل والتدمير, صحيح ان عدد الصحفيين مقارنة بعدد المواطنين الذين قتلوا لا يقارن. لكن من الناحية المؤسساتية, وبما انهم ليسو طرفا في الصراع, يعد كبيرا خصوصا اذا ما عرفنا ان قتلهم كان يهدف الى اخماد الاصوات الرافضة لكل انواع السلطات غير الشرعية. لا شك ان الظروف الاستثنائية لنشأة الصحافة الجزائرية بعد التعددية ـ 1990 ـ جعلتها تنشط في ظروف امنية صعبة, فتحولت بذلك الى مؤسسة سياسية من ناحية اداء الدور اكثر من القيام بمهامها الاعلامية واحيانا تداخلت لديها الامور فتحولت الى معارضة للنظام خصوصا تلك التي تخوفت من عودة بعض القوى السياسية ومن ضعف مؤ سسات الدولة الاخرى, وقد جر عليها هذا كثيرا من المصائب. شهدت الصحافة الجزائرية بين 1993 و1995 ما يمكن ان نطلق عليه حرب الدوائر, اي ان اغتيال صحفي من تيار معين يؤدي بالضرورة الى اغتيال اخر من تيار مخالف وقد كانت واضحة (مسألة الهوية) وبغض النظر عما اذا كانت الصحافة قد جرت الى واقع لا تريده ام ان ذاك جاء باختيار وقناعة لتأدية الدور. فإنها نقلت نفسها من استقلالية الرأي والرسالة الاعلامية الى تحقيق هدف السياسيين وجماعات العنف المختلفة, وفي وقت لاحق ونظرا للحاجة الشعبية والملحة لغياب معلومات دقيقة ووافية وشفافة من السلطة اصبحت الصحف تقدم حصيلة الوضع الامني ومواقف السلطات اما بناء على اختراقات من الاجهزة الامنية او بتوجيه منها, او مجرد تكهن واشاعة لاخبار غير دقيقة واحيانا غير صحيحة. هكذا وجدت الصحافة الجزائرية نفسها مقسمة بين جماعات ضغط مختلفة, نظام يهدد بغلق الصحف وسجن الصحفيين. وجماعات تقوم بالتصفية العلنية لكل الصحفيين بلا استثناء ومن اي تيار كانوا وللحق فإن خوف الصحفيين كان من الجماعات المسلحة اكثر من السلطات الحاكمة, وذلك لارتباط الفريقين ببقاء الوجود من عدمه. لذلك اتسعت الهوة بين مختلف الصحفيين المنتمين الى توجهات وجماعات متباينة او متناقضة في الرأي, ولا شك ان الصحف التي انتمت للسلطة ورغم ما واجهت من صعوبات, استطاعت الحفاظ على بقائها واستمراريتها على عكس الاخرى التي راحت ضحية تناقضات جماعات صناعة القرار. نتيجة لهذا كله زاد عدد الصحف الناطقة بالفرنسية وتضاءلت وتراجعت بشكل ملحوظ الصحف الناطقة بالعربية وتبعا لذلك اصبح عدد القراء المعربين اقل من المفرنسين.. لأفكار طالما تحدثت عن الحرية وحقوق الانسان بتشجيع ظهور الاقليات هدفها تفكيك المجتمع الجزائري. الواقع ان الصحافة (الفرونكوفونية) منذ ظهورها عبرت عن رغبات المجتمع المدني, وحلت بدل الاحزاب الغائبة والنقابات الفاشلة وتحملت العبء الوطني على حد قول (لزهاري لبتر) ممثل الفيدرالية الدولية للصحفيين الذي اعتبر ما قامت به الصحافة المستقلة مفخرة لها, وفي نظره ان هذا جانب جميل من تلك التجربة لكن بالمقابل هناك جوانب سلبية هي اضاعتها للاحتراف والنوعية, والقطيعة بين الأجيال الصحفية, غير أن الذي لم يتنبه له (لبتر) أن قيام الصحافة بدور النقابات كان اختيارا مقصودا وبتوجيه خارجي احيانا لانه يفقد الآخرين دورهم, ثم ان الحديث عن دور للصحافة الجزائرية (الفرونكوفونية) مهم الا ان هذا الدور عمل في الغالب ضد عامة الشعب الجزائري خصوصا المتعلق بمسألة الهوية والانتماء. يلاحظ ان الشعارات التي ترفعها الصحافة الجزائرية فيها نوع من التحايل على الواقع فمن جهة تدعي رفضها لعنف الجماعات ولكنها في الوقت ذاته تتابع وبشدة كل نشاطات الجماعات, وكانت السبب الرئيسي في تضليل الرأي العام من جهة وخلق مشاكل امنية لمؤسسات الدولة من جهة ثانية, وتحميل الواقع الجزائري فوق ما يطيق من ناحية الترويج لثقافة العنف والخوف. وباختصار لولاها ما كان للجماعات ان تظهر ويذيع صيتها وتتحول الى قوة حقيقية فرضت على النظام الانسحاب من عدة مواقع, وبالمقابل فإن اخبار الجماعات ولكونها الشغل الشاغل للمواطنين مثلت مادة اعلامية زادت في مكاسب اصحاب الصحف وتحولوا الى رجال اعمال يهمهم اساسا الدفاع على مكتسباتهم ولو دفع ذلك بهم الى ترويج الاشاعات والافتراءات. من ناحية اخرى فان الترويج لفكرة التصادم مع السلطة في عمومها ليس صحيحا بالنسبة لكل الصحف, فتلك التي تصادمت مع السلطة بالفعل وعملت لكشف الحقائق قد اغلقت جميعا وصودرت. اما الاخرى المؤيدة لاجنحة داخل السلطة وتبدي انها في صدام معها. واصلت مسيرتها وحققت نجاحات نظرا لغياب الصحف ذات الرؤية الصادقة والمؤيدة شعبيا. صحيح ان بعض الصحفيين ومنهم (علي وافق) يروى ان مصطلح السلطة الجزائري مبهم والقرارات الصادرة عنها ليست ناتجة عن مؤسسات واضحة بقدر ما هي ناتجة عن اشخاص في الظل لكن هذا القول يؤكد فكرتنا السابقة من ان وجود اشخاص في الظل وعدم التعامل مع مؤسسات واضحة هما اللذان ساعدا على استمرارية صحف دون اخرى, ما يعني غياب القانون والعدل في التعامل. نتيجة لكل ما سبق فإن حرية الصحافة على رغم ما حققت من انجازات لا تزال محصورة في فريق واحد, وتعبر عن تيارات سياسية داخل البلاد وخارجها.. انها حرية اثبتت جدوى العمل والمواجهة, لكنها بيعت في النهاية بثمن جعلها تابعة لجماعات المصالح وسيطرة رأس المال, وذلك نتيجة حتمية للانفتاح الذي يعيشه المجتمع الجزائري ويرجح في المستقبل ان تخضع لقيد واحد هو الوضع الطبقي الذي تتشكل ملامحه الآن معبرة بذلك عن الاقلية. بقلم: خالد عمر بن ققه