بداية لابد لنا من الاعتراف بالتطور الكبير الذي شهدته وسائل الاعلام العربية والتي تبدى دورها بشكل واضح ومكشوف في التطرق بشكل او بأخر, لكل ما يخص المواطن العربي على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وسلط الضوء على الكثير مما يتوجس منه او يخافه حتى غدا هذا الاعلام بكل اصنافه المسموع والمقروء والمرئي, المنبر الموحد للأهداف والطموحات والمشاعر والانتماء التي يحلم بها المواطن. واختزل بدوره من خلال التطور التقني الذي شهده في العقدين الماضيين, عامل الزمن والذي ساهم في توسع الهامش في تبادل المطبوعات. بالاضافة الى الفضائيات التي اصبحت هي الاخرى, تؤمن سيلا مذهلا من المعلومات التي تحمل بين ظهرانيها الغث والسمين, حسب سياسة الجهة الممولة لكل مطبوع او قناة تلفزيونية فضائية او ارضية حتى اصبحنا نمتلك الجرأة على القول انها ارتقت بالمفاهيم والقيم عند جمهور المتلقين ولو بشكل نسبي عما كنا عليه قبل سنوات ماضية لكن رغم هذا الاطراء الذي قد يعجب بل ويطرب له البعض علينا ان لا نجافي الحقيقة او ننظر لها بعين واحدة دون الاخرى بالقول اننا ما نزال نحن العرب بصفة عامة نرضخ لمزاج الرقيب الذي يستخدم مبضعه (مقصه) اكثر من عينه وعقله في اغلب الاحيان حتى وصلنا الى مرحلة نفتقدالقدرة على احتواء اية مطبوعة منتظمة بفعل هذا الرقيب الذي لا يقيم شأنا لأي اعتبار سوى للجهة الرسمية التي تضع له الخطوط العريضة والدقيقة لالغاء هذه المطبوعة او تلك وحتى ولو كانت تحمل المعلومة الصحيحة البعيدة عن اللبس او التدليس او التحيز لدرجة وصلت معها الكثير من وسائل اعلامنا العربي بل معظمها ان تنقل عين الرقيب ومقصه الى داخل المؤسسة الاعلامية ذاتها لتؤمن لذاتها استمرارية الصدور والمورد المادي على المستويين المحلي والاقليمي بغية الاستمرار او بهدف التقرب زلفى من السلطة السياسية السائدة في هذا البلد او ذاك ولتعلق وساما على صدر صاحب او مشرف هذه المطبوعة او تلك ولعل الرقيب ومن سخرية القدر اصبح يحفظ رزمة من الاتهامات المقذعة ضد بعض وسائل الاعلام على مختلف مشاربها, التي لا تتطابق ورؤيته التي انفطر عليها بقناعة منه او بغير قناعة والامر سيان. حتى وصل الامر بهذا الرقيب الى مرحلة من الجرأة اللامنتاهية في اطلاق العنان لخياله بتخوين وتكفير كل من يخالفه الرأي والادهى من ذلك انه خرج من دائرة الظلمة الى العلن وشرعن لنفسه حق المطالبة بأن تتوافق رؤية آلاف بل ملايين القراء مع رؤيته في موقفهم ازاء وسيلة الاعلام هذه او تلك حيادا عن الحالة المعرفية التي يعيشها هؤلاد القراء التي في اغلب الاحيان تفوق ثقافتهم وعلمهم علم الرقيب وثقافته بسنوات ضوئية حتى. على اعتبار انه الاقدر على فهم مرامي واهداف هذه الوسائل الخبيثة التي تدس السم بالدسم, والتي غالبا ما يطلق عليها اسم الصحافة الصفراء, والجهات الغربية التي تسعى إلى تدمير الانسان العربي ووحدة مجتمعه واستمراره, والأهداف الكبرى التي يسعى لها, متناسيا هذا الرقيب ان مقصه الذي يفتقد إلى الابداع ومجافاة الحقيقة والواقع, لا يمكنه ان يواجه بخطابه الشفهي المسطح ان يزيح أو يهزم المكتوب, ويأخذ مكانه, لأننا نحن العرب الأكثر معرفة من غيرنا كأبناء حضارة متناسلة ومتواصلة, ومنذ ان ظهرت مدرستا الكوفة والبصرة غادرنا زمن الحضارة الشفهية التي تعتمد الشعارات الرنانة والقلقة, وانخرطنا بشكل فعلي في حضارة الكتابة التي حافظت على تاريخنا وتراثنا. فكيف لنا ونحن في هذه الأيام نشهد ثورة تدفق المعلومات التي تنهال علينا من كل صوب وحدب, ومتناسيا أكثر ان وسائل الاعلام ومن خلال تطور وسائل الايصال والاتصال أصبحت بمتناول من يسعى للاطلاع عليها دون شديد عناء!!, والغريب بالأمر حقا قدرة الرقيب على الالتفاف على الأشياء الانسانية ليخرج علينا دائما من تحت عباءة التراث الذي يشترط فكرة التناسل المتطابق بين السابق واللاحق, والتلطي وراء مقولات وشعارات عارية من الصحة, متجاهلا قول الرسول الكريم: (انتم أعلم بشئون دنياكم) حتى بات التراث المطروح الذي لا يخدم إلا توجه النظام السياسي ـ الاجتماعي في هذا البلد أو ذاك يشكل عند المتلقي العادي والمتخصص الباحث عبئا نفسيا وروحيا وأصبحت هذه الكلمة مثارا للاشمئزاز بل ومثارا للتهكم, وهذا الكلام بالتأكيد ليس للتنصل من التراث الحقيقي واستنقاصا من قدره, بقدر ما هو من التراث المصطنع الوهمي الذي يحاول الرقيب اشاعته كمقدمة لفرضه على الجمهور, بما يتوافق مع أهدافه ومراميه والتي باتت تشكل شبحا مخيفا ان لم نقل كابوسا مرعبا للانسان وقيدا ضاغطا ليس على معصمه هذه المرة, بل على أحلامه وأمانيه وميوله. متناسيا هذا الرقيب ان التنوع بحد ذاته ارادة خارجة عن ارادة الانسان, لأن الخلق لا يمكنهم ان يكونوا صورة متطابقة بالمفاهيم والقيم الشخصية, وان العقل الانساني بطبيعته متنوع وذو فرادة كلية, ولو كان الأمر غير ذلك, حسب ما يريدنا الرقيب ان نكون عليه لكنا جميعا إما علماء وإما بلهاء. وهنا يتبين لنا الأهمية الكبرى الذي يحملها هذا التنوع وحرية الرأي وحرية التعبير وما مدى الدور والمكانة التي يلعبها أساسا في تطور الخطاب الاعلامي, وما مدى هذا التطور والنفع الذي يجلبه على المجتمع, كمعادل يؤسس إلى خلق حالة من التوازن العقلي والروحي, دون ان نغفل حالة التوازن في الخطاب الاعلامي الحر وغير المقيد إلى الارتقاء لمستوى تربوي هدفه وهمه الأساسي, ضبط ايقاع التغيرات والانتقال بالمجتمع من مرحلة إلى المرحلة التي تليها بخطوات سليمة هادئة دون اثارة الغبار والضجيج الذي غالبا ما يشكل قاعدة انطلاق للاحتراب الداخلي, من خلال التقريب فيما بين القوى الاجتماعية داخل المجتمع, بما في ذلك ارساء القيم الناظمة التي تحافظ على وحدة المجتمع وتجانسه, أي ان الاختلاف ينطلق من حالة الوحدة والتنوع المرتكز إلى أساس موضوعي, بالاضافة إلى ذلك يحد من ممارسة شمولية التحكم في حياة الأفراد والجماعات, كمقدمة للتسليم بالاستقلال النسبي لمؤسسات مثل العائلة والسوق والمسجد والكنيسة والنقابة والتعاونية الخ, خاصة واننا نعلم ان الخطاب الاعلامي, وحتى الاعلام بعامة, كنسق مؤسساتي منظم يعتبر بحد ذاته عقبة من قبل الذهنية التي تحكم سلوك الرقيب, والتي تتمثل بالشمولية السلطوية, الرافضة رفضا قاطعا إلى توكيد الحقيقة الواحدة, لكن بالمقابل يجب ان نراعي جملة من القضايا الهامة والحساسة جدا بالنسبة إلى مجتمعنا العربي والتي تسعى المكنة الاعلامية الخارجية المفتوحة بكل ما تملكه من امكانات تقنية وايديولوجية إلى الولوج من الثغور حتى غير المرئية, لتشييع ثقافات في الانتاج والاستهلاك الماديين, فضلا عن ادخال العادات والتقاليد الاجتماعية الغربية الرديئة, التي تسعى إلى ضرب القيم الروحية والمادية التي يحملها مجتمعنا العربي, من خلال ترويج افكار سياسية واقتصادية غربية تحت شعارات التعددية الحزبية والسياسية, والانفتاح بكل اشكاله, بالمقابل لابد لنا ان نعي ايضا الحقيقة القائلة بأنه لا يمكننا ان ننتج اعلاما متجددا ومتطورا, يحمل خطابا تربويا واضحا, في ظل وطأة التخويف وقيد الرقيب والتهديد بالعقاب, والذي طغى في وقت سابق على الحياة السياسية والاجتماعية العربية برمتها, واذا ما اردنا ان ننتقل بالاعلام وخطابه من حالة التردي التي تتسم بالسطحية والترفيه في اغلب الاحيان إلى الاستفادة من هذا الاعلام وخطابه باعتباره احد الروافع الهامة التي ترتكز عليها المجتمعات الانسانية في العملية الثقافية الشاملة الا باشاعة الديمقراطية التي اصبحت اليوم في عالمنا العربي مطلبا عاما اكثر من اي وقت مضى للغالبية, ان لم يكن لكافة الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية المعبر عنها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا واعلاميا, لما تتحلى به من مزايا واقعية تسعى إلى عقلنة كل القضايا الاجرائية التي من شأنها أن تحافظ على الواقع القائم وتحصنه, ومن شأنها كما اسلفنا ان تؤمن حرية تدفق المعلومات وسهولة الوصول اليها أو ايصالها إلى المهتمين, هذا يساعد كثيرا في بلورة الموقف وتكوين الرأي العام المستقل والمتزن, والمنحاز إلى قضايا الامة بارادة حرة, وهنا يكمن الدور الكبير والحيوي لوسائل الاعلام الجماهيري صاحب الخطاب البناء وليس الهدام كما يدعي الرقيب, غير الخاضع لشروط احتكار مصادر المعلومات واخضاعها للرقابة الصارمة التي تتنافى مع متطلبات الابداع والتطور, اي ان الاعلام بخطابه الحضاري البعيد عن الاكراه وتهديد الرقيب, يكون قد اصبح قادرا على الانتقال من حالة الملتقي, واستيراد القيم المشوهة, إلى حالة المبدع الملقن القادر على الاقناع والملبي للاهداف والطموحات والرغبات, وقبل ذلك ومن خلال فسحة الديمقراطية, يكون قد حقق ذاته من خلال كونه رقعة مضيئة مبنية على اسس الحوار الخلاق والمنتج للقيم الانسانية والثقافية الرفيعة والمجدد للتراث الذي ننعم به نحن دون غيرنا في هذا العالم الفسيح الرحب. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق