احتفل العالم أول أمس باليوم العالمي لحرية الصحافة, في الوقت الذي أصدر اتحاد الصحفيين العرب بيانا عبر فيه عن قلقه الشديد من تدهور أوضاع حرية الصحافة في أكثر من دولة عربية, بما في ذلك المخاطر الجسيمة التي يتعرض لها الصحفيون بسبب ادائهم لعملهم الصحفي والتعبير عن آرائهم والتي وصلت الى حد الحبس والاعتقال وسحب جوازات السفر كما حدث في مصر والأردن والسودان والعراق وفلسطين وتونس وهو ما يمثل قيدا على هامش واذا كان هذا هو الحال في الوقت الراهن كما رصده اتحاد الصحفيين العرب فإنه لايمنع من البحث عما يحقق الأفضل مستقبلا بحيث يزداد هامش الحرية المتاح حاليا الذي لايستطيع أحد أن ينكره. "الملف" التقى الكاتب الصحفي ونقيب الصحفيين الأسبق كامل زهيري والدكتور محمود خليل أستاذ الصحافة المساعد بكلية الاعلام لالقاء الضوء على الكثير من التساؤلات التي يجب بحثها بهدف توسيع هامش حرية الصحافة مثل ماهي الصيغة الأنسب لملكية الصحف في الوطن العربي.. والظروف المعيشية للصحفيين وأثر ذلك على حريتهم وتطورهم المهني, وتفاعل رجل الشارع مع فكرة حرية الصحافة ومدى استعداده لدعمها عمليا, ودور النقابات والمنظمات المهنية للصحفيين في حماية المهنة وحقوق المنتسبين اليها, وتزايد عمليات الاعتقال والحبس وتأثيرها على هامش حرية الصحافة, والكيفية التي يمكن أن يساهم بها الصحفيون في توسيع هامش الحرية الموجودة. إحتكار الرأي بداية يرى الكاتب الصحفي ونقيب الصحفيين المصريين الأسبق كامل زهيري أنه فيما يتعلق بالصيغة الأنسب لملكية الصحف وتأثير ذلك على حرية الصحافة, أنه لا الملكية العامة تعد ضمانا حقيقيا لحرية الصحافة, وكذلك الملكية الخاصة, وقد شاهدنا في فترة سابقة في مصر ودول أخرى مثل الاتحاد السوفييتي تجربة الملكية العامة للصحف في ظل التنظيم الواحد ووجدنا أنه في ظل هذا النظام لم تتحقق حرية الصحافة التي كنا نريدها, أيضا في الدول الغربية والتي تترك العنان للملكية فهي الأخرى تعاني من الاحتكار وسيطرة رأس المال على الصحف والذي معه لاتتحقق حرية الصحافة بالشكل المطلوب.. ومن هنا أجد أن الصيغة الأمثل والأنسب والتي قد تساعد ايجابيا فيما يتعلق بحرية الصحافة في الوطن العربي هي تعدد أشكال الملكية ما بين الملكية العامة التي تشرف عليها الدولة وتنظمها, والملكية الخاصة التي يشرف عليها القطاع الخاص, ودون ترك الساحة لأحد أشكال الملكية وحتى لا تحدث السيطرة والاحتكار لأن احتكار الرأي وحرية التعبير هو أسوأ أنواع الاحتكار سواء أشرف على ذلك الدولة أو مالك الصحيفة. وفيما يتعلق بتزايد عمليات الاعتقال للصحفيين في بعض الدول العربية بل وتعرض آخرين في دول مختلفة لحوادث القتل يقول كامل زهيري: إنني أرى دوما أن الصحافة مهنة خطرة قبل أن تكون فنا وصناعة وعلما, والشخص الذي يريد أن يسلك هذه الطريق وأن يكون صحفيا محترما لابد أن يتعرض للخطر, وعندنا في المنطقة العربية يزداد الخطر كلما هبت علينا رياح خماسين الناتجة عن عملية التفاوض مع اسرائيل. فمثلا خلال فترة اعداد اتفاقية كامب ديفيد حدث ذلك عندنا في مصر, والآن في ظل البحث عن تسوية تحقق المطالب والشروط الاسرائيلية فلابد من وجود ضغوط أمريكية أو اسرائيلية, هذه الضغوط لابد أن تشمل الضغوط على الصحافة وخاصة في مصر ولذلك نلاحظ الشكوى الاسرائيلية المستمرة من الانتقادات التي توجهها الصحافة المصرية الى السياسات الاسرائيلية ومحاولة دفع الولايات المتحدة لأن تضغط باتجاه إثارة الحكومة على الصحافة والصحفيين, وعموما لابد أن يدرك كل من يريد أن يعمل بهذه المهنة وخاصة في البلدان العربية أنه سوف يسير على الأشواك ومعرض لأن يدفع في أي لحظة ثمن أي موقف قد يتخذه لايعجب السلطة, فالعلاقة بين الصحافة العربية والسلطة ليست كلها وردية وهناك أزمات تحدث على الدوام. ضياع ولاء الصحفي وحول الظروف المعيشية للصحفيين وأثر ذلك على حريتهم وتطورهم المهني يشير كامل زهيري الى أن الظروف المعيشية للصحفيين في أغلب الدول العربية صعبة بلا شك, وهو ما يؤثر على التطوير وحرية الصحفيين, فمثلا نلاحظ أنه في بعض الدول وخاصة مصر ولبنان الصحفي يتم توزيعه على العمل في أماكن عدة, ومتضاربة في التوجهات, وهذا يهدد استقرار الصحفي المادي والمهني, كما يؤدي الى ضياع ولاء الصحفي وتوزعه نتيجة لتضارب توجهات الصحف التي يعمل بها, وهذا الأمر خطر جدا على المهنة وعلى حرية الصحافة والصحفيين, فالأصل في الأشياء أن ينتمي الصحفي الى مكان واحد يحقق له الاستقرار المادي, ولذلك لابد أن يعاد النظر في أجور الصحفيين بحيث تلبي احتياجات الصحفيين وبما يتيح لهم الفرصة لتطوير أنفسهم مهنيا وممارسة عملهم بالصورة المطلوبة, ويجب أن يتم هذا من خلال النقابات والمنظمات المهنية الصحفية, وبحيث يتساوى في ذلك كل الصحفيين سواء الذين يعملون في صحف حكومية أو حزبية أو مستقلة. ويعتقد كامل زهيري أن الصحفيين يمكنهم أن يساهموا في توسيع هامش حرية الصحافة, وذلك من خلال الالتزام بالصدق والصراحة والجرأة واللباقة, فهناك قواعد يجب أن يلتزم بها الصحفي والمنصوص عليها في مواثيق الشرف الصحفي, هذا الالتزام بلا شك سيجعل الآخرين يفشلون في الاقتراب من حرية الصحافة, يجب أن يدرك الصحفي أن مهمته الأساسية الوصول بالحقيقة الى الرأي العام وليس التشهير بالآخرين, وأن يكون كل كلامه وموضوعاته موثقة وحتى لانترك الفرصة للآخرين لأن يتصيدوا لنا في الماء العكر, وهنا مطلوب أن يكون الصحفي صاحب نفس طويل في البحث عن الحقيقة ولا يركن الى الحلول السهلة وتوجيه الانتقادات والتشهير بالآخرين دون أن يكون لديه ما يدعم ذلك من المستندات وحتى لايفقد ثقة الرأي العام ويعطي الفرصة للآخرين لأن يوجهوا الطعنات الى الصحافة وحريتها. معارضة شديدة وعن دور النقابات والمنظمات المهنية للصحفيين في حماية المهنة وحقوق المنتسبين اليها يوضح كامل زهيري أن الدور الرئيسي للنقابة هو الدفاع عن حرية الصحافة وحرية الصحفيين, ولقد قامت نقابة الصحفيين على سبيل المثال بهذا الدور ومنذ نشأتها وحتى الآن في الدفاع عن حرية الصحافة والصحفيين وخاصة ما حدث إبان القانون 93 والذي شهد معارضة شديدة من النقابة والصحفيين حتى تم اسقاطه وتعديل الكثير من مواده في معركة اتخذت بعد ذلك عيدا للصحافة المصرية, ولكن يجب ألا ننسى في هذا الصدد أن الأعضاء عليهم دور كبير في مساعدة النقابات على القيام بدورها على أكمل وجه وذلك بالالتزام بالقواعد العامة التي تنظم عمل هذه النقابات وعدم الخروج عليها والمشاركة في أنشطتها وفعاليتها. وفيما يتعلق بتفاعل رجل الشارع مع فكرة حرية الصحافة ومدى استعداده لعدمها عمليا يقول كامل زهيري: المواطن العادي عنده خبرة وذكاء طبيعي ونظري كما أنه لديه تقديراته وحساباته ويستطيع أن يحدد من من الكتاب مع الحكومة دائما, ومن يعارضها ومن يتلون كل يوم بلون, إنني لا أبالغ اذا قلت أن القارئ والمواطن العادي لديه رادار لتقييم المادة الصحفية والكتاب, ولا تستطيع أن تضحك عليه بسهولة, ومن هنا يقبل القارئ على الصحيفة الجادة التي تدافع عن حقوقه, والتي تحقق له رغبته في معرفة الحقيقة, وهذه الصحف هي التي تحصل على ثقته, ويشعر كأنها تدافع عنه, هناك رباط سُري بين الصحفي والرأي العام, ويجب على الكاتب أو الصحفي عندما يفكر في دخول معركة صحفية أن تكون عينه على القارئ وألا يحاول خداعه لأنه سيعرف ذلك بسهولة, الرأي العام أثبت طول عمره أنه مدافع عن حرية الصحافة وهذا يتضح من المظاهرات التي اندلعت في أوائل القرن الماضي, فهو ليس غائبا عن الصحافة وحريتها, وفي الأزمات تظهر معادنه فمثلا عندما يتعرض صحفي للحبس نجد تعاطفا كبيرا معه من الرأي العام, أيضا نحن لا ننسى في نقابة الصحفيين المصريين المشاركة الوجدانية من الرأي العام والتي تجلت من خلال الرسائل والكتابة في الصحف خلال فترة دفاع النقابة عن حرية الصحافة عند صدور قانون 93 المقيد لحريتها لقد شعرنا أن الرأي العام قلق وحزين ويشاركنا همومنا ومحاولتنا اسقاط هذا القانون. تراجع مستوى المهنة ومن جانبه يقول د. محمود خليل أستاذ الصحافة المساعد بكلية الاعلام: قضية حرية الصحافة لها شقان, الاول متعلق بالصحفيين, والثاني متعلق بالجمهور ذاته, فعلى مستوى الصحفيين تعتبر حرية الصحافة أحد المداخل الاساسية لارتفاع مستوى المهنة وتراجعها دائما يؤدي إلى تراجع مستوى المهنة ذاتها, وأكثر المجتمعات تقدما من حيث الممارسة المهنية هي بالبداهة أكثر المجتمعات حرية على المستوى الصحفي, أما بالنسبة للجمهور, فإن حرية الصحافة هي جزء من حقه في المعرفة, وبالتالي يصبح لزاما على الصحفيين الدفاع بمنتهى القوة عن حرية الصحافة لصالح أنفسهم أولا ولصالح الرأي العام الذي يتوجهون إليه ثانيا, ولعل أهم العراقيل التي تحد من قدرة الصحفيين على توسيع هامش الحرية المتاح لهم هو أنهم كثيرا ما يكونون ملكيين أكثر من الملك ذاته, بمعنى أنهم يبالغون أحيانا في فرض نوع من الرقابة الذاتية على انفسهم فيراجعون ما يكتبون في ضوء معادلات وتوازنات معينة حتى لو جاءت على حساب حريتهم في التعبير, فالرقابة لم تعد هي العائق الاساسي على حرية الصحافة, حيث تحولت من كونها رقابة صادرة عن رقيب داخل المؤسسات إلى رقابة رئيس التحرير على المادة الصحفية ثم اصبح الصحفي ذاته رقيبا على نفسه. ضرب لحرية الصحافة وفيما يتعلق بالظروف المعيشية للصحفيين وأثر ذلك على تطورهم المهني وممارساتهم لحريتهم يرى الدكتور محمود خليل أن الضغوط الاقتصادية تدفع الصحفيين شأنهم شأن أية مهنة أخرى لتقديم بعض التنازلات, وبحيث سارت مهنة الصحافة تمارس في إطار دعائي بحت وليس في إطار إعلامي, بمعنى أن يحاول البعض أن ينشط لصالح جهات معينة لكي يحقق مصالح ما ويلجأ آخرون أحيانا إلى العمل في أكثر من صحيفة فيتقلبون على عدة أوجه وعدة أفكار قد تكون شديدة التناقض فيما بينها لا لشيء إلا من أجل التكسب والتعيش. ومن المؤكد أن ذلك يعد ضربا لحرية الصحافة في الصميم, فلا حرية دون موقف ثابت وواضح المعالم. وعن تفاعل رجل الشارع مع فكرة حرية الصحافة ومدى استعداده لدعمها يشير الدكتور خليل إلى أن القارئ العربي يرى الجهاز الاعلامي أداة للتسلية أكثر من كونه أداة للاعلام, وينطبق هذا الامر على الصحف, ولعل اقبال القراء على نوعية معينة من الصحف التي تحقق وظيفة التسلية في المقام الاول يعد دليلا واضحا على أن قارئ اليوم لا يبحث عن المعرفة بقدر ما يبحث عن التسلية, ومن هنا استطيع أن أؤكد أن القارئ أو رجل الشارع العادي ليس له تأثير فيما يتعلق بدعم حرية الصحافة وخاصة في ظل غياب الديمقراطية في أغلب المجتمعات العربية. وحول دور النقابات والمنظمات المهنية في دعم قضية الصحافة والدفع عن حقوق المنتسبين إليها يعتقد الدكتور خليل أن أغلب النقابات وأندية الصحافة الموجودة في بعض الدول العربية لا تخرج عن كونها مؤسسات رسمية, أما بالنسبة لنقابة الصحفيين المصريين فقد كان لها بعض المواقف الجيدة والايجابية للدفاع عن حرية الصحافة, مثل موقفها بالنسبة لقضية حبس الصحفيين والتشريعات المقيدة لحرية الصحافة. ويضيف د. خليل أنه يجب إعادة النظر في التشريعات التي تحكم في الدول العربية بحيث يتم التأكيد على حرية الصحافة والتي لها شقان, الأول وهو الخاص بحرية إصدار الصحف, والثاني حرية الحصول على المعلومات ونشرها وتداولها, كما يجب أن يعاد النظر في التشريعات بحيث يتم الغاء نظام الترخيص الذي يجب ألا يوجد في مجتمع ديمقراطي, والمطلوب فقط أن يكون من حق أي فرد ان يصدر صحيفة بعد أن يقدم اخطارا بذلك, كما يجب ألا توضع أية شروط بالنسبة لاصدار الصحف. أما فيما يتعلق بالصيغة الانسب لملكية الصحف وتأثير ذلك على حرية الصحافة, يقول د. خليل: هناك على المستوى العربي انماط كثيرة من الملكية فهناك ملكية الحكومات, وملكية الافراد, وملكية الاحزاب, ومنها أحزاب السلطة, كما في العراق وسوريا, واحزاب المعارضة كما في مصر وبعض الدول العربية الأخرى, والاستثناء الوحيد لبنان حيث يعطى الفرد حرية كاملة في اصدار الصحف, وأنني أرى في ظل المعطيات الجديدة وفي ظل التحولات التي تحدث على المستوى الدولي أن الصيغة الأكثر تواؤما للملكية هي منح الفرد الحق في إصدار الصحف, بصورة اشبه بالنموذج الامريكي, يضاف إلى ذلك خصخصة الوسائل الاعلامية الحكومية, ومنها الصحف. القاهرة ـ مكتب البيان