يعيش الشعب الفلسطيني في داخل الوطن هذه الأيام أزمات نفسية وسياسية واقتصادية لم تعد خافية على أحد بل أصبحت الحديث اليومي لغالبية المواطنين, كما اضحى شغلهم الشاغل كثرة الحديث عن ابعاد وتطورات الحياة السياسية والاقتصادية ومدى توفر الغطاء الديمقراطي وحرية الرأي والوسائل الاعلامية المختلفة المسموعة والمرئية, وخاصة بعد وصول السلطة الفلسطينية الى أرض الوطن قبل خمس سنوات تقريباً. بداية, لابد من الاعتراف بالتقدم الذي طرأ على الأوضاع السياسية والتعليمية والأعلامية في ظل السلطة الفلسطينية خلال العامين الماضيين مقارنة بالسنوات الأولى لوصول السلطة الى الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن المنطقي القول ايضا إن ذلك يرجع الى ادراك السلطة بضرورة مواجهة هذه الآفة قبل استفحالها وانتشارها بشكل يصعب التغلب عليها فيما بعد في ظل الصعاب والتحديات المصيرية الناجمة عن المواقف الاسرائيلية المتناقضة بشأن تنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين الجانبين. كما يمكن القول إن التجاوزات التي تحدث من حين لآخر لحرية الاعلام والديمقراطية, فلها ما يبررها من وجهة النظر الرسمية, لإنه لايمكن الوصول الى الكمال والتميز والرقي بقطاعات رئيسية مؤثرة مثل الاعلام بين عشية وضحاها, خاصة ان الجانب الفلسطيني لا يملك حتى الان السيادة الكاملة على الأرض الفلسطينية جغرافياً وسياسيا. وتوضح المعطيات النظرية والعملية أن السلطة الوطنية تعيش مرحلة قلق وتوتر تتمثل في حيرتها بين تنفيذ التعهدات المكتوبة مع اسرائيل حول عدم التعرض لسياستها وممارستها بالنقد والتجريح في وسائل الاعلام الفلسطينية, وبين ارضاء الشعب الفلسطيني والالتزام بثوابت النضال الشعبي المعلن منذ أكثر من 50 عاما في ضرورة مقاومة السلطات الاسرائيلية بأية وسيلة وفي أي مكان بهدف تحقيق احلام الدولة والوطن. وعلى صعيد الوضع الدولي فقد أكدت المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الحق في حرية التعبير التي تشمل البحث عن واستقبال وارسال المعلومات والافكار من خلال أية وسيلة بغض النظر عن الحدود وقد اكدت نفس هذه المادة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على الحق في اعتناق آراء والحق في التعبير والمعلومات. كما نصت المادة 10 من الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان على حماية حرية التعبير على مستوى الدول الاعضاء, والمادة 9 من الميثاق الافريقي لحقوق الانسان. أما قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني الصادر عام 1995 فقد حظرت مادته رقم 37 نشر أي معلومات سرية عن الشرطة وقوات الأمن أو اسلحتها أو عتادها أو امكانياتها وتدريبها مع فرض عقوبة على كل من يخرق القانون تصل الى وقف اصدار المطبوعة لمدة 3 شهور وغرامة مالية والحكم بالسجن. واثيرت في هذا الصدد العديد من المشاكل حول طبيعة الظروف والكيفية التي يتم بسببها فرض العقوبة, فمثلا ماهي نوعية الأخبار التي ترقى الى وصف افشاء الاسرار الأمنية, ومن هي الجهة المخولة بالتأكد من ذلك؟ خاصة وان قانون النشر يعطي للقضاة الحق في اجبار المراسلين والصحفيين على كشف مصادرهم الاخبارية فيما يضمن القانون الصحفيين عدم الكشف عن مصادرهم. ونصت المادة الرابعة من مشروع النظام الدستوري للسلطة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية أن (لكل انسان الحق في التعبير عن رأيه مع مراعاة ما يفرضه القانون من قيود لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو لحماية الأمن القومي والنظام العام أو الصحة العامة أو الاداب العامة. فيما نصت المادة 16 من المشروع على ان حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الاعلام مكفولة مع مراعاة القيود الواردة في المادة ,14 كما تنص المادة 2 على أن (الصحافة والطباعة حرتان وحرية الرأي مكفولة لكل فلسطيني وله أن يعرب عن رأيه بحرية قولا وكتابة وتصويرا ورسما في وسائل التعبير والاعلام) . وبالرغم من الترحيب الذي حظي به قانون النشر إلا ان التعمق في ابعاده يتبين مدى السطحية التي يكتنفها وعدم الوضوح في تكييف العديد من الحالات التي ترك تصنيفها لجهات غير مختصة مثلا. كما توجد شروط على نشر القضايا السياسية ومنها ما يضر بالوحدة الوطنية أو التي تقلل من ثقة الشعب بالسلطة أو التي تحض على العنف والتعصب أو العنصرية أو الطائفية.. ولكن هذا القانون لم يتعرض بالتفصيل لمعرفة ما يمكن أن يشكل تحريضا أو تعريضا للوحدة الوطنية أو الطائفية. ان ما يحدث على أرض الواقع يتطلب منا التعرض للمسألة بصورة موضوعية عقلانية وصريحة خاصة وأننا لا نهدف الى التجريح أو الأساءة أو الأضرار بالسلطة وجهودها ومسئولياتها الكبيرة ولا بمصالحنا القومية بقدر الحرص الشديد على المصلحة العامة, حيث هدفنا في نهاية المطاف خدمة الوطن والدولة المرتقبة التي ينتظرها الطفل الصغير قبل الشيخ العجوز الذي لم يبق له من العمر إلا الأيام المعدودات. وانطلاقا من ذلك يمكن القول ان وسائل التعبير والرأي بما في ذلك الصحافة الفلسطينية تعيش هذه الأيام هواجس وانتهاكات مختلفة من حين لاخر مما ساهم وبدون شك في زيادة حالة الاحباط واليأس التي يعيشها المواطن الفلسطيني حاليا. ورغم فاعلية هذه الاداة الاعلامية في طرح الهموم والمشاكل على الرأي العام إلا أن ذلك قاصر على بعض القطاعات دون الآخر لأسباب تعود في طبيعتها الى عدم الرغبة في كشف ملفات تتعلق بمقربين أو من أصحاب القرارات والنفوذ. ومنها تدخل الجهات والأجهزة الأمنية في عمل الصحافة مما شكل فعلا كابوسا للصحافيين وبالتالي احجامهم من اداء عملهم بما تفرضه طبيعة الحدث أو التغطيات الأخبارية اضافة الى تضييق الخناق على الصحف المعارضة لأسباب منها السخرية والتعرض بالنقد لمعاهدات السلام المبرمة بين الفلسطينيين واسرائيل. ولابد من الأخذ في الاعتبار ان مواقف السلطة من الوسائل الاعلامية تحكمه قيود واتفاقات اوسلو وما تبعها من اتفاقات مع الجانب الاسرائيلي أي ان حرية السلطة الفلسطينية مقيدة في هذا المجال كما هو الحال في السياسة الخارجية والحدود والأمن وعودة اللاجئين التي هي في حقيقتها خارجة عن ارادة وسلطة الجانب الفلسطيني. ومن الطبيعي ان يترتب على ذلك كله قرارات مشوهة عاجزة عن تحقيق طموحات الشعب التاريخية على حساب الابعاد والأوضاع السياسية التي تصاغ باشراف القوى الكبرى. ويمكن القول ان وسائل الاعلام الفلسطينية بعد وصول السلطة الى الضفة وغزة تعيش حالة من الصراع الذاتي والخارجي, فهي لاتزال غير قادرة على مواجهة خطورة الاعلام الاسرائيلي, فالتلفزيون ووكالة الانباء تحجب الأخبار التي يفضل عدم معرفة الشعب بها أو التي تتعلق بنقد أو كشف ممارسات بعض المسئولين حول سلوك يخص الشعب والوطن أو التي تتعرض لانتقاد السلوكيات اليهودية تجاه الحقوق الفلسطينية في كافة المجالات. ان مرحلة ما بعد اوسول يجب ان تكون مختلفة عما قبلها لاعتبارات عديدة منها امتلاك بعض السيادة والاستقلالية, وامكانية الاستمرار والتغير في العديد من القضايا الحيوية للشعب الفلسطيني برغم ان الحريات لاترقى الى الآمال المعقودة المتناسبة مع التوجهات الوطنية المعلنة ليل نهار فلا حرية صحفية لمجتمع مليء بالتناقضات والتجاوزات. مما يتوجب معه ايجاد حرية وديمقراطية فلسطينية تتناسب مع نضال قرن من الزمان, أي يجب رد الاعتبار للصحافة بشكل خاص التي لاتختلف تماما عن الكثير من الاوضاع العربية. ومن الصعب الاقتناع بانه يمكن تدجين وترويض الوسائل الاعلامية الى الأبد, فعجلة التاريخ تسير وفق قواعد متوازنة ابرزها ان دوام الحال من المحال وبذلك نرى ضرورة تحديد الاطار الذي يجب ان تقوم على اساسة عملية التعبير عن الرأي بما في ذلك قانون المطبوعات والنشر باعتباره نقطة الانطلاق الاولى والاساسية للعمل الاعلامي, ومن ذلك: * وقف الانتهاكات والتجاوزات لوسائل الاعلام المختلفة التي تقوم بها العديد من الجهات الحكومية والأمنية. * توسيع المشاركة الشعبية في الحياة السياسية وتعزيز الشعور بالانتماء القومي والولاء الحقيقي للوطن بعيدا عن المصلحية. * دعم نقابة الصحافيين بكافة الوسائل وخاص المعنوي والمهني, وتوسيع هامش الحرية للوسائل الاعلامية المختلفة. * تبني سياسة اعلامية تتناسب مع الاهداف القومية بصورة حقيقية وعدم تغليب المصلحة السياسية على القومية. * السماح الفعلي بانشاء وسائل اعلامية خاصة ودعم ذلك ووقف ممارسة الضغوط المختلفة لاحتواء هذه الوسائل. * عدم استغلال وسائل الاعلام لأغراض شخصية أو ترويجية لرموز وشخصيات هامة في السلطة. * العمل على تغيير بعض الجوانب في قانون المطبوعات من قبل المجلس التشريعي. * العمل على عدم التحكم الاسرائيلي في الاعلام الفلسطيني, وتوجية سلاح الاعلام في وجه التعنت الصهيوني واستغلال التوجهات الصادقة بعيدا عن المجاملات والمصلحة الفردية. * اقرار خطة وطنية شاملة واضحة المعالم مستقلة قادرة على مواكبة الأعلام العالمي وكسب ثقة الجماهير وزيادة تفاعلهم واندماجهم معها وبالتالي خدمة الوطن. * اعادة تأهيل الكوادر الاعلامية وتعزيز قدراتهم المهنية حيث ثبت وبالدليل القاطع وجود خلل واسع في هذا العنصر حيث تفتقد الساحة الفلسطينية الى المهنيين في هذا المجال لاعتبارات منطقية الى حد ما وهي الأوضاع التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال حتى أن الكثيرين من الصحافيين انطلقوا الى ساحة هذه المهنة من أبواب الانتفاضة التي جعلت من غالبيتهم صحفيين مبدعين في زمن الندرة وعدم الكفاءة. * بلورة سياسية واستراتيجية اعلامية واضحة ترسم ملامح المستقبل في العلاقة المدنية مع الشعب وفي السياسية مع اسرائيل والعالم الخارجي. * انتهاج سياسة النقد البناء لمسئولي السلطة وعدم التستر خوفا أو نفاقاً لشخصية معينة أو جهة لها نفوذ داخل السلطة. بقلم د. عبدالرحيم عبدالواحد