امضيت ربع قرن في الصحافة اليومية في الزمن الذي كانت رائحة الرصاص المذاب تزكم الانوف ويتسرب التلوث الناشىء عن هذا الرصاص الى صدورنا في الوقت الذي يكون تحول الى اسطر في اعمدة الصحيفة التي نعمل فيها. بدأت محررا على بداية السلم الكثير الدرجات وكانت المكابدة اسطورية لكثرة ما حفلت به من مشقة, قبل ان تتنوع عملية التطور والترقي الى ان باتت المسئولية اكبر مع تجوالي في العالم العربي واقتحامي للاحداث والتطورات كانت المنطقة عبارة عن صراعات. صراع النظام الملكي مع الجمهوري. وصراع التحرر مع الاستعمار. وصراع الفقر مع الغنى. وصراع الثورة مع التأني في سبيل التغيير. وصراع الامية المستشرية مع العلم المحدود. وصراع الاشتراكية مع الرأسمالية. وصراع الطوائف مع بعضها البعض. وصراع القضية الفلسطينية مع الصهيونية. وصراع التروي مع الاستعجال. وصراع الجنرالات مع بكوات وباشاوات السياسة... وصراعات أخرى كثيرة من هذا النوع او ذاك. هذه الصراعات الصغيرة التي كانت تعيشها المنطقة تحت مظلة الصراع الاكبر التي تدور رحى صولاته وجولاته بين الدولتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي, وجدت التربة الاكثر خصوبة لها في الارض اللبنانية. وذلك لان المساحة الممنوحة للصحافة رحبة ولان اللبناني ابدى بعض الشطارة الى جانب الحذاقة في توظيف هذه الصراعات. ومن هنا بدأت الصحف اللبنانية تنتشر ما لا يستطيع الآخرون نشره لدواعي القيود ولحساسية الظروف ومعادلات الحكم المحلية السائدة. وثمة اضافة بسيطة, وهي ان المال العربي الذي جرى تهريبه الى لبنان, بعدما استشرت الاشتراكية في مفاصل بعض الانظمة اوجد حالة من الازدهار في المصارف اللبنانية ثم بدأ تدفق المال النفطي للاستثمار من جهة وللوقوف في وجه الهجمة الاشتراكية من جهة ثانية. استغل اصحاب الصحف في لبنان هذا التدفق المالي ووجدت افكارهم وعروضهم الآذان التي تسمع والصناديق التي تلبي. ودارت رحى معارك ظاهرها حرية الرأي مع انها ليست كذلك تماما. وبدأت الصحف اللبنانية من دون استثناء تخوض حملات جعلت من يقرأها يستعذب هذا الكلام. حملة ضد الحكومات الثورية تقابلها حملة ضد الحكومات المحافظة او ما كانوا يسمونها (الرجعية) . حملة ضد انقلاب عسكري تقابلها حملة تمجد العكسريين الجدد الذين وصلوا الى الحكم على دبابة احتلت الاذاعة وبثت المارشات العسكرية والبلاغ رقم واحد اتبعته بسلسلة من البلاغات. حملة ضد حلف بغداد تقابلها حملة في غاية الشراسة ضد البعث. وحملة من الوحدويين ضد الانفصاليين وحملة من الذين ابتهجوا بحدوث الانفصال بين مصر وسوريا على العناصر التي اساءت الى الوحدة. تلك ليست كل الحملات وإنما هي الحملات التي نوردها على سبيل المثال لا الحصر, ذلك انه في بعض المراحل كانت هنالك, ودائما عبر الصحافة اللبنانية, حملة سوفييتية ضد الصين وحملة صينية ضد الاتحاد السوفييتي, وحملة ترويج للزعيم الكوري الشمالي كيم ايل سونج. ومن اجل التنويع كانت هنالك حملات في غاية القساوة بين بعض اقطاب الحكم ورموز العمل السياسي في لبنان, وهذه اعطت على رغم رتابتها نكهة مسلية للقارىء من دون ان تفيد عقله, فضلاً عن انها افسدت ذوق القراءة عنده. استمرت هذه الاجواء سائدة حتى العام 1970 عندما دخلت الثورة الفلسطينية لبنان. وفي البداية لم تكن الثورة بحاجة الى استدرار تأييد الصحافة اللبنانية لها لان الكتابة عن هذه الثورة ومساندتها كانت موضع اعتزاز لمن يكتب على اساس انه بات للقضية مدافعون عنها, لكن الثورة الفلسطينية لجأت بدءاً من العام 1975 مضطرة او ضمن قوانين اللعبة السائدة الى تعزيز مواقع لها في الصحافة اللبنانية وهي سياسة لم تصمد كثيراً لان الثورة الفلسطينية بدأت تأكل قضيتها بنفسها ثم تهاوت تحت وطأة جنوحها نحو التدخل في الشئون الداخلية للبنان الى ان تساوت الاحوال اللبنانية بالاحوال الفلسطينية وبات الطرفان في حال مزرية من التشتت لم تتمكن الصحافة من ان تمارس حرية القول الموضوعية في ظلها. بعدما هدأ الاقتتال بين اللبنانيين تنفيذاً (لاتفاق الطائف) الذي تم التوصل اليه برعاية من المملكة العربية السعودية ودعم دولي ملحوظ بدأ الاعلام يأخذ منحى جديداً يعتمد على المحطات التلفزيونية وبقايا الاذاعات التي ازدهرت في بعض سنوات الاقتتال وكانت اكثر انتشاراً من الصحف في أوساط الناس. وكان لدخول الثورة الايرانية الى الساحة اللبنانية الاثر الفعال في استقامة المعادلة استقرار الاحوال نسبياً في لبنان من جهة وحصر تداعيات غزو العراق للكويت والحرب على العراق في دائرة الاستقرار بمعناه السلبي, اي لا تقدم نحو الاحسن ولا تراجع نحو الاسوأ, انحسرت بنسبة ملحوظة المساعدات الخارجية التي كانت تحظى بها الصحافة اللبنانية وتزامن مع ذلك ازدهار ملحوظ للصحافة في دول الخليج فباتت هذه الصحافة تفي بالغرض وباتت الصحافة في لبنان تبعا لذلك على هامش الصراعات والخلافات العربية بعدما كانت في الماضي وقودا في جولات الصراعات. بعد هذه الرحلة الطويلة مازالت الصحافة في لبنان بعيدة عمليا عن ان تكون مؤسسات وبعيدة نسبيا عن ان تكون صحافة تتوافر فيها كل مقومات حرية الكتابة والتعبير. ومثل هذه الحرية لا تكون بأن هذه الصحيفة تقول ما تريد ان تقوله او ما هو مطلوب منها, ضمن مقايضة محسوبة او عشوائية, ان تنشره, وان هنالك صحيفة اخرى تقول هي الاخرى ما تريد او تنشر ما هو مطلوب بما يخدم العكس... وهكذا بالنسبة الى سائر الصحف والمجلات. ان الحرية في ضوء التجربة التي عاشها جيلنا المخضرم هي ان تتعدد وجهات النظر والآراء والتحليلات وفي منآى عن الاساءة والتجريح والتجني في الصحيفة الواحدة وهذا لم يتحقق حتى الآن لا في لبنان ولا في أية صحافة عربية مقيمة او مهاجرة او مهجرة او مهجورة. اما ان يحدث العكس فإن الحالة تصبح هنا مثل الواقعة التي تلخصها محاورة اشبه بالنكتة وخلاصتها انه بينما كان بريجنيف اخر زعيم قوي لما كان يسمي بالاتحاد السوفييتي وريجان الرئيس الامريكي الاسبق يتناقشان في اوضاع بلديهما قال ريجان متباهيا: ان في استطاعة اي صحافي عندئذ كتابة ما يريد عن رئيس الولايات المتحدة بل حتى يهاجمه ومن دون ان يلحق به الاذى. ورد عليه بريجنيف متصنعا التباهي: وعندنا ايضا في الاتحاد السوفييتي يستطيع اي صحافي ان يهاجم رئيس الولايات المتحدة ومن دون ان يعترض عليه احد او يلحق به اذى. واقعة فيها عبرة وتشير الى حقيقة خلاصتها ان الصحافة في لبنان لعبت دورا تأهيليا واتقنت الحرفة وساهمت في التطوير لكنها استمرت تفتقد الى الحرية الموضوعية في تناول القضايا. ولولا الاموال الهاربة خلسة خوفا من التأميم في مصر وسوريا وكذلك اموال النفط الباحثة عن الاستثمار ومواجهة موجة التأميم والاشتراكية والثورة وكثرة الانقلابات العسكرية... لولا هذه الاموال لما كان للدور التأهيلي وللتطوير ان يحدثا. وقد تبدو هذه الرؤية تنسف من الاساس الانطباع السائد بأن لبنان هو بلد حرية الصحافة وتبدو متجنية بعض الشيء. لكن لماذا لا ننظر اليها على انها كلمة حق يراد بها حق ولا تأتي من منطلق التجني وانما هي رؤية احد جنود صاحبة الجلالة السلطة الرابعة في لبنان الذي يمارس المهنة تحريرا او تجوالا ومسئولية وكتابة وتعليقا وتأليفا ونشرا واصدارا للسنة الخامسة والثلاثين على التوالي. ومن حقه ان يقول كلمة الحق هذه بصفة كونه من اهل البيت الصحافي الذي يعرفه من كل زواياه. لعل وعسى أن تستقيم الامور فتصبح صحافة لبنان والصحافة العربية عموما في الالفية الثالثة صحافة تمتلك زمام الحرية وتتعامل معها بمسئولية, دائما تحت سقف الحس الوطني. وبذلك نكون ادخلنا تحسينات ضرورية على الصحافة اللبنانية وشقيقتها الصحافة العربية في معظم سنوات النصف الثاني من القرن العشرين التي كانت في مسألة التعبير تتمتع بحرية فضفاضة, بمعنى انها كانت في معظم الاحيان تقول ما يطلب آخرون قوله... وبذلك غرقت مفاهيم الحرية في بحر من سوء الظن. بقلم فؤاد مطر