يذكر اتحاد الصحفيين الدولي, ان سبعة وثمانين صحفيا وعاملا في وسائل الاعلام, قد قتلوا أو اغتيلوا اثناء قيامهم بعملهم خلال عام 1999 ووقع اكثر الضحايا في نزاعات البلقان وسيراليون وكولومبيا. لكن كثيرا من الوفيات ترجع كذلك الى عمليات اغتيال او اختطاف لا تفسير لها, وحتى لو اختلفت الاحصاءات التي تجمعها مختلف الرابطات الصحفية فإنها تبين جميعا زيادة كبيرة في عدد الصحفيين الذين قتلوا في العام الماضي, ولا يفوق اجمالي من إلا الرقم القياسي التراجيدي لعام 1994 حين اثارت الحروب في البوسنة وفي رواندا موجة عارمة من قتل الصحفيين, مما جعل هذا العام اسوأ عام في العقد, من حيث عدد وفيات العاملين في الاعلام, فقد لقي 115 منهم مصرعهم وهم يمارسون عملهم في ملاحقة الاحداث. اكثر من نصف سكان العالم محرومون من حرية الصحافة وتقدر منظمة (صحفيون بلا حدود) في آخر تقرير لها عن حرية الصحافة في العالم ان وسائل الاعلام في وضع (حرج) في ثمانية وعشرين بلدا على الاقل وفي وضع (صعب) في خمسة وستين بلدا آخر. وطبقا لهذه المنظمة غير الحكومية التي يوجد مقرها في باريس, فإن نصف حكومات العالم فقط تمنح شعوبها درجة من حرية الصحافة يمكن وصفها بأنها (لائقة) . وليست تهديدات حرية التعبير محنة قاصرة على بعض الثقافات او الاقاليم من دون غيرها, فقد سجلت لجنة حماية الصحفيين بين عامي 1995 و1998, اكثر من ثلاثة آلاف حالة اعتداء وسجن وخطف ورقابة وغير ذلك من انتهاكات الحق في اعلام حر تعددي ويتضح ان هذه الانتهاكات تكاد توجد في جميع المناطق الجغرافية تقريبا. اذا ما اخذنا بالقول المآثور (الحقيقة هي الضحية الاولى لأي حرب) فإن اعادة اقامة صحافة حرة ومستقلة وتعددية ينبغي ان تكون خطوة حاسمة نحو اعادة بناء المؤسسات الديمقراطية, بعد انتهاء النزاع مباشرة, وقد رأينا منذ عهد مونتسكيو احد فلاسفة التنوير في فرنسا, انه عندما يسود العنف فإن (القوانين تصمت) , ولذلك فإن تعزيز حرية التعبير فور انتهاء النزاع يعني اعادة الكلمة الى القانون والناس. وفي هذه العملية الصعبة لاعادة بناء مجتمع مدني مزقته الحرب لم تكلل جهود المجتمع الدولي بنجاح كاف, وهو امر واضح للعيان.. مثالا على ذلك في حالة كوسوفو, حيث اعربت صحف عدة عن انتقادات شديدة لجهود (منظمة الامن والتعاون في اوروبا) الرامية الى اقتراح قواعد جديدة لوسائل الاعلام رأى الكثيرون انها يمكن عمليا ان تلحق الضرر بقضية الديمقراطية والصحافة الحرة بدلا من تعزيزها. ورأى منتقدو هذه الجهود انها تتناقض مع مهمة المنظمة المذكورة القائمة على تطوير مؤسسات ديمقراطية لوسائل الاعلام في هذه المنطقة, وتمثل احد المشاغل الرئيسية لاصحاب هذا الرأي, في المحاولات الرامية الى فرض حظر على خطاب الكراهية والحقد وغيره من الافكار العدائية وذلك بصورة رئيسية من خلال اقامة وسائل اعلام تراقبها او تديرها المنظمات الدولية بدلا من المنظمات المحلية. ويرى منتقدو هذا الموقف ان افضل طريقة لمكافحة هذا النوع من الخطاب, لا تتمثل في حظره, بل في تمكين المواطنين من الاطلاع على الآراء البديلة, من خلال النهوض بوسائل اعلام محلية مستقلة وتعددية. ويمكن الاشارة الى قضايا مماثلة في مناطق اخرى من العالم, تشهد نزاعات او تمر بمرحلة ما بعد النزاع, مثل البوسنة والهرسك, كمبوديا, روراندا, حيث قام المجتمع الدولي بمحاولات لاعادة بناء وسائل الاعلام بعد انتهاء النزاعات. صحافة مناطق النزاع وما بعده لها دور اساسي في بناء اي مجتمع فعسى ان تأخذ المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية على عاتقها بناء هذه الصحافة التي قد تكون مدخلا للالفية والتآخي ومنبرا للحرية والنقاش حتى تتعود هذه الشعوب على ممارسة حرية التعبير عبر صحافتها التي من اولى مهامها ان تكون العين الساهرة التى تنبه وتراقب ما يعانيه اي مجتمع من اجل البناء والتقدم خصوصا في هذا العصر, عصر العولمة والتطور التكنولوجي, عصر الانترنت الذي جعل الكرة الارضية, قرية صغيرة لامكان ولا قدرة لأحد على اخفاء ما يجري فيها وعليها وعسى صحافتنا العربية وصحفيونا, ونحن منهم, ان نكون على قدر المهام الموكلة الينا بغية تعزيز ثقة ابناء المجتمع ومسئوليه بأننا على قدر المسئولية, وان صحافة الغرب ليست اجدر منا, اذا ما اخذنا هامش الحرية والتعبير من دون عوائق او خطوط حمر.