رغم وسائل الاتصال وعلوم التكنولوجيا الحديثة ونحن على ابواب الالفية الثالثة إلا ان الصحافة لا تزال تلعب الدور الاكبر في التأثير على مجريات الامور لدى الرأي العام ونعتقد ان هذا السبب ضمن عدة اسباب وراء المخاوف التي تشعر بها الدول من هذه الوسيلة مما يدفعها للتحكم فيها ولو عن بعد من خلال الرقابة الذاتية بزرع رجالها داخل هذه المؤسسات الاعلامية حرصا على عدم الخروج عن السياسة العامة للدولة. ومن ذلك ما تشهده الساحة العربية حيث تخضع معظم الوسائل الاعلامية ومنها الصحافة في العالم العربي لملكية الدولة او على الاقل خضوعها لرقابتها وسيطرتها المحكمة معتقدة ان هذه الوسائل هي القادرة على اطلاق الشرارة التي قد تجلب الدمار على سياسة الحكومات وتفشل كافة مخططاتها. ومن اجل اطمئنان دول العالم الثالث ومنه العالم العربي من عدم خروج الصحافة عن سياستها تقوم ايضا بسن القوانين واصدار اللوائح الداخلية الكفيلة بضمان عدم الاخلال بالمبدأ العام الذي تريده الحكومة (الديمقراطية) . وغالبا ما تكون هذه القوانين والمراسيم تصب في صالح الدولة دون اعتبار للمصلحة القومية في حقيقة الامر بقدر ما هو حماية لمصالح فردية شخصية مستفيدة بشكل او بآخر من تعطيل العمل الصحافي القائم على حرية التعبير والرأي. وفي الشق السياسي فالحقيقة الثابتة تؤكد بأن السياسة والصحافة وجهان لعملة واحدة بحيث لا يمكن وجود احدهما بدون الآخر والسبب هو العلاقة المتميزة القوية من حيث النوايا والاهداف, وبذلك يمكن القول ان الصحافة هي السلطة الاولى في الدولة وليست الرابعة كما صنفتها المقالات السياسية والاعلامية ورجالات الحكومات المختلفة. الحقيقة تشير الى ان معظم دساتير وقوانين الدول العربية تنص على وجب الالتزام بحرية الصحافة واطلاق اقلام الصحفيين لنقد السلبيات من المسئولين إلا ان الواقع يختلف تماما عندما تصل الامور الى مرحلة الجد وهنا توجد العوائق الشائكة في وجه رجل الاعلام من اجل اسكاته ووقفه عن طرح افكاره والحقائق التي يحملها في جعبته. كما يبرهن الواقع العربي على انه لا يمكن وجود صحافة قادرة على انجاح رسالتها الانسانية حينما تكون خارج اطار سيطرة الدولة المادية وغير المادية لانه حينها تكون تحت رعاية السلطة الحاكمة ودعمها وإلا واجهت كافة الاساليب الكفيلة بوقف مسيرتها وكبح جماحها وانصياعها لتتماشى مع سياسة الدولة في كافة الاتجاهات, كما ان الفرج الذي ينتاب الصحفيين في بعض اقطار الوطن العربي عند صدور قوانين صحفية جديدة ومتطورة في الشكل والمضمون لا يلبث ان يتلاشى عند اول تجاوز او مساس يصيب احد المسئولين من اصحاب السلطة. ومن الهموم والازمات الواضحة في الصحافة العربية تناقص الجوانب الابداعية النقدية للانظمة الحاكمة, ويمكن الاستدلال على ذلك بانحسار الصحافة القومية وسبب ذلك الاجواء الجديدة التي تعيشها المنطقة الشرق او سطية من عملية السلام بين العرب والاسرائيليين فمهمة الصحافة ليست فقط نقل الاخبار بقدر ما هو تصحيح الاخطاء والبحث عن الحقيقة اينما كانت ولو في مقار ومؤسسات الدولة, فالصحافة ايضا تكون فاعلة مؤثر حيث يوجد المتلقي المتميز القادر على تفعيل اهداف العمل الصحافي. وهناك ايضا العديد من القضايا الهامة التي تؤثر بشكل كبير في العمل الصحفي منها القدرات المالية والاستقلالية في الموارد المادية, فبقدر ما تكون حرة في ذلك بقدر ما تكون حرة ايضا في موقفها وآرائها بشأن الكثير من القضايا التي تهم الامن القومي للدولة حيث ان تحكم جهات محددة بمصادر المعلومات يعني الحد من قدرة الصحافة على طرح القضايا التي تناسب مجتمعنا ومصالحنا القومية, اي ان الصحافة العربية تعاني من ضعف الانتشار ومحدودية التأثير وقلة عدد القراء وضعف الموارد وسيطرة الدولة, اضافة الى المشاكل المالية والادارية. ومن هنا يجب على الصحافة شق طرق جديد والتركيز على الابعاد القومية للعالم العربي من المحيط الى الخليج ومواجهة الاساليب الاعلامية الصهيونية بكافة الامكانيات المتاحة اضافة الى القيام بدور تنمية المشاعر القومية والمساهمة في اقرار العدالة الاجتماعية في صورها المختلفة وابعادها الشاملة. نستنتج من ذلك ان الصحافة العربية تقف عند عنق الزجاجة في وعاء كبير من الماء يحيطها من كل جانب مما يتطلب ضرورة البحث عن مخرج يتناسب مع ظروفنا واوضاعنا وقضايانا العربية. لذلك فالمطلوب من الصحافة العربية ليس فقط توفير احدث وسائل التقنية الحديثة في الطباعة والتوزيع بقدر ما هو ايجاد الاجواء المهنية وتوسيع مساحة الحريات المتاحة للصحافيين العرب الذين يحلمون بمثل هذه الانجازات, اضافة الى القيام بادوار عديدة متميزة تختلف عما نعيشه الآن من تناقضات بين ما يقال من كلام معسول حول حرية الصحافة والتعبير عن الرأي وما نلمسه على ارض الواقع من انتهاكات واضحة في شتى المجالات. الخلاصة ان قضايا الصحافة الشائكة في الوطن العربي ليست بمعضلات او مستحيلات حيث تكمن كلمة السر في التخلص من تداعيات (الانا) القاتلة في عالمنا العربي واحلالها بالمجموع والتوحد والعمل المشترك لمصلحة الوطن والشعب. والاهم من ذلك ضرورة تعميق الفكرة الديمقراطية قولا وعملا بأسلوب فتح الباب امام الحريات والنقد البناء بحيث لا يمكن بحث او مناقشة حرية الصحافة وتشريعاتها الآن, او في اي عهد دون الحديث عن القيود التي تحيط بحرية الصحافة منها الشكلية الاجرائية المتعلقة بعمليات اصدار المطبوعات المختلفة, والاخرى الجزائية على مخالفة القواعد المنصوص عليها في قوانين الدولة العقابية. بقلم احمد عامر شعث كاتب فلسطيني