الاعدام ينتظر كل من يرفض إخلاء منزله ، أوامر ستالين بعدم التراجع أمام الألمان تشهد تطبيقات مضحكة مبكية كان ستالين يلجأ في أعقاب كل معركة خاسرة لتحميل القادة الميدانيين تبعات التراجع, ويقوم باستبدالهم, من دون ان يأخذ في اعتباره الخبرة القتالية التي يكون هؤلاء قد اكتسبوها ولا اوضاع القوات التي كانوا يقودونها, لكن المعين البشري السوفييتي كان لا بد ان ينتج خلال مجرى القتال نوعية الجندي والضابط المطلوبة. احد اولئك الضباط الذين سيذكرهم التاريخ فيما بعد كان الجنرال تشويكوف, وكان تشويكوف معروفاً بطبعه الناري وضحكته المجلجلة كما ان وجهه ذو الملامح الفلاحية بشعره الكثيف وحاجبيه الثخينين لم يكن يترك شكاً لدى أحد بأنه روسي أصيل, وكان قد تغيب عن حضور معارك الاشهر الستة الاولى في الحرب لانه كان يشغل منصب الملحق العسكري السوفييتي في بكين ثم استدعي ليتولى قيادات مختلفة حتى مطلع يوليو, حيث عين قائداً للجيش الرابع والستين الذي شكل على عجل وكانت اوامره ان يوقف تقدم الألمان غربي نهر الدون, قبل ان يتولى الدفاع عن ستالينجراد. على الرغم من تردي احوال قواته, بذل تشويكوف كل جهده في تنظيم هجمات ليلية بوحدات صغيرة على مواقع ألمانية موضعية, وادت هذه الهجمات على بدائيتها الى تثبيت الجبهة وتحويل التقدم الألماني السريع الى تقدم حلزوني, الامر الذي اثار حفيظة هتلر, ودفعه لتغيير اوامره السابقة للجيش الرابع لكي يحول خط تقدمه باتجاه الجنوب ويعود الى الجبهة الوسط دعماً للجيش السادس. في وجه الخطر الجديد الذي تمثل في كماشة هائلة تحيط بالجهة الوسطى بأكملها, اضطر الجيش الاحمر لدفع كل ما يملكه من احتياطي آنذاك نحو منطقة ستالينجراد وجردت وحدات البحرية من معظم البحارة القادرين حيث تم تنظيمهم في ألوية مشاة ودفعوا نحو الجبهة ليتولى قيادتهم ضباط صغار السن من طلبة الاكاديمية البحرية في لينينجراد لكن هؤلاء الضباط الذين منحوا رتبة ملازم, والذين كانت اعمارهم لا تتجاوز 17 عاماً, كانوا قد شاركوا في الدفاع عن لينينجراد, فصلب عودهم واثبتوا فيما بعد اهليتهم للمهمة التي كلفوا بها وتذكر السجلات المدى الهائل لتضحيات اولئك الشبان فمن بين 21 منهم كانوا زملاء في صف واحد في الاكاديمية بقي اثنان فقط على قيد الحياة بعد عام واحد من القتال. اما اوامر ستالين بعدم التراجع, فقد شهدت في كثير من الاحيان تطبيقاً مضحكاً مبكياً في الوقت نفسه, فاحدى المحاكم الميدانية حكمت على امرأة بالسجن 6 اشهر لأنها (هربت من موقع عملها) عندما وصلت القوات الألمانية الى قريتها, فيما حكمت على امرأة اخرى بالسجن عشرة اعوام لأنها بقيت في موقعها عندما وصلت القوات الألمانية كما ان الاعدام كان ينتظر كل من يرفض اوامر اخلاء منزله وقريته بتهمة (التآمر ضد الحزب والدولة, والتخطيط لمساعدة العدو) وهكذا تحول الامر بعدم التراجع الى اداة تثير الرعب وتنشر الفوضى والتخوف من اتخاذ اي قرار. على ضفاف الفولجا كان المارشال يريمينكو, القائد الاعلى لقوات الجيش الاحمر في الجبهة الوسطى قد ركز معظم دفاعاته في القطاع الجنوبي الغربي لصد الهجوم الذي توقعه من وحدات الجيش الرابع الألماني ولم يخطر بباله ان قوات الجيش السادس المقبلة من الشمال هي التي ستعبر نهر الدون, في وجه مقاومة ضعيفة وتندفع حتى تصل نهر الفولجا. وعلى الرغم من الغارات المكثفة التي شنتها الطائرات الروسية, والخسائر الكبيرة التي الحقتها بمواطئ الاقدام التي أقامها المشاة الألمان على ضفاف الدون الشرقية, فإنها لم تتمكن من تدمير الجسور التي بنيت على النهر, وهو ما سمح للألمان بدفع مدرعاتهم وآلياتهم ومواصلة الهجوم من دون توقف. يذكر وبعد ثلاثة ايام فقط, وصلت الدبابات الى قرية رينوك عند الضواحي الشمالية لستالينجراد. ولم يكن تقدم الألمان من دون ثمن فقد تعرضوا خلال مسيرتهم لهجمات مضادة لا تحصى لكن التأثير الأكبر كان من بطاريات الدفاعات الجوية التي تقوم على تشغيلها وحدات من الشابات اللواتي تم تجنيدهن بواسطة منظمة الشبيبة الشيوعية (الكومسمول) في ستالينجراد وقد اكتشفن بالصدفة ان مدافعهن ذات فعالية كبيرة ضد الدبابات الألمانية, وهكذا اصبحت المدافع مزدوجة الغرض وقامت هاته الفتيات بتدمير كثير من المدرعات من دون ان يعبأن لسلامتهن بل ان مذكرات القادة الالمان وسجلاتهم العسكرية تتحدث بحنق لا يخلو من الاعجاب عن (الجنود الذين يلبسون التنانير) وعن ثبات الروسيات في القتال حتى تصل الدبابات مواقعهن وتسحقهن تحت جنازيرها. فيما كانت طليعة القوات الألمانية تمتع انظارها بالطبيعة الجميلة على ضفاف الفولجا وفي الوقت الذي كانت المناوشات لا تنقطع بين النهرين, شنت تشكيلات ضخمة من القاذفات والمقاتلات الألمانية اولى غاراتها المركزة على المدينة يوم 23 اغسطس وكانت الغارة هذه المرة تختلف عن سابقاتها في انها لم تركز على هدف عسكري محدد, بل كانت تقصف كل شيء وعلى طريقة القصف الاشباعي. وبلغة الأرقام, قامت طائرات الاسطول الجوي الرابع يوم 23 اغسطس بما مجموعه 1600 طلعة القت خلالها ألف طن من القنابل, مما ادى لمقتل اكثر من 40 ألفاً من المدنيين في ستالينجراد. كانت الأيام الاولى من شهر سبتمبر حبلى بالاحداث المتلاحقة التي لم تترك لأحد فرصة التقاط انفاسه ففيما كان الالمان يبذلون كل جهدهم لاجبار المدافعين على التخلي عن مواقعهم والتراجع كانت ثلاثة جيوش روسية تتجمع في الخلف وتستعد لشن هجوم مضاد وبلغ من حجم الفوضى على الجانب الروسي ان فرقاً بأكملها كانت تصل على القطارات وتتوجه شرقاً من دون ان تعلم وجهتها بالضبط, ولا اين تلتقي ببقية وحدات التشكيل الذي تنتمي اليه. وكان المارشال جوكوف, الذي أصبح الآن نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة, قد زار ستالينجراد يوم 29 اغسطس للاطلاع على الاستعدادات بنفسه, ففوجئ بأن الجيوش الثلاثة التي ستشارك في الهجوم كانت تفتقر للأسلحة المناسبة وللذخائر عموماً, وان قادة وحداتها كانوا من الاحتياطيين العجائز فطلب من ستالين تأجيل الهجوم اسبوعاً لكن تسارع الاحداث ووصول الألمان الى مشارف ستالينجراد الغربية, اجبر جوكوف على المبادرة بالهجوم. وعلى الرغم من ان الهجوم لم يحرز تقدماً يذكر, لكنه جاء في اللحظة المناسبة لانه دفع باولوس للزج بكل احتياطييه في المعارك, وسمح للجيشين الروسيين 62 و64 المتراجعين بالتقاط انفاسهما لبعض الوقت والاستعداد للدفاع عن المدينة. لا شك في ان معارك ذلك الصيف ألحقت بالألمان خسائر فادحة فمعدل قتلى اليوم الواحد كان يشمل ما لا يقل عن ستة قادة كتائب, واصبح تعداد السرايا لا يزيد عن 40 ـ 50 رجلاً, اي اقل من نصف عددها الأصلي, اما اجمالي خسائر النازيين حتى نهاية اغسطس 1942 اي بعد 14 شهراً من القتال على الجبهة الشرقية فقد بلغ 1.5 مليون رجل. اما على الجانب الروسي, فإن الخسائر ـ على فداحتها ـ لم تعد تماثل خسائرهم في الاشهر الاولى للحرب واصبح جنود الجيش الاحمر يبدون مهارة اكبر في فنون القتال وانتشرت قصص بطولاتهم على كل لسان وصار مدعاة لفخر اي جندي ان يرسل الى جبهة ستالينجراد التي اصبحت فجأة رمزاً للمقاومة وقد اكتشف الألمان ما ينتظرهم خلال استجواب الاسرى, فبعض السرايا المدافعة لم يكن قد بقي من افرادها على قيد الحياة اكثر من خمسة جنود, لكن احداً منهم لم يكن مستعداً للاستسلام والغارات الجوية المكثفة لم تستطع تحطيم عزيمة المدنيين الذين اخذوا يعملون على مدار الساعة في كل انواع العمل الشاقة, مثل حفر الخنادق وبناء التحصينات ونقل المؤن والذخائر عبر نهر الفولجا الذي اخذ يمثل شريان الحياة الوحيد بالنسبة للمدافعين. إنهم يصنعون التاريخ وفي وسط التفاؤل المفرط الذي كان يسود القيادات الألمانية الميدانية, كان ضباط قلائل يبصرون هذه الحقائق ويتخوفون مما تخفيه الايام المقبلة, فالمقاومة الشرسة التي تبرز في كل نقطة, وحتى آخر قطرة دم كانت نذيراً بأن الروس قد نجحوا في تحويل خرائب المدينة الى ميدان مثالي لقتل المهاجمين. والحقيقة ان الفضل في ذلك يعود لتعليمات واوامر جوكوف, والقيادة الحازمة التي لا تعترف بالمستحيل للجنرال تشويكوف, والاشراف المباشر على تنفيذ كل امر, وهو ما تولاه بنجاح القوميسار نيكيتا خروشوف الذي تولى قيادة الاتحاد السوفييتي في مرحلة ما بعد ستالين. لم تكن مهمة تشويكوف سهلة على الاطلاق فقد كان عليه ان يعيد الثقة لنفوس المدافعين, وان يتغلب بشكل او بآخر على مشكلة الامدادات, وان يجد حلاً لمواجهة الغارات الألمانية الماحقة ولم يكن يمكنه الاعتماد على خطوط الهاتف التي تنقطع اسلاكها عشرات المرات كل يوم, ولذا فإنه كان يفضل الالتقاء المباشر بالقادة الميدانيين في مواقعهم, حيث نجح في غرس الخوف من عواقب التراجع في نفوسهم, واثار حماسهم بوجوده قريباً. بدأت المرحلة الاولى من الهجوم الألماني فجر 13 سبتمبر وعلى الرغم من المقاومة العنيفة نجح الألمان في تحقيق أهدافهم في بعض القطاعات وكانت اهم الاهداف هضبة مامايف كورجان ومحطة السكة الحديدية المركزية والمعبر الرئيسي على نهر الفولجا وقد اضطر تشويكوف لنقل مقر قيادته من الهضبة الى أقبية تساريستا التي تمتاز بوجود مخرج لها على ضفة النهر وفيما استولى الالمان على المطار الصغير والثكنات في القطاع الغربي, فإن هجومهم في الشمال عجز عن التقدم خطوة واحدة, لكن نجاحهم الأكبر كان في الوسط, حيث لم يكن لدى تشويكوف اي احتياطي يدفعه لسد الثغرات التي احدثها القصف الالماني في الصفوف الروسية فهنا تمكنت فرقتا المشاة 71 و76 من التقدم واحتلال محطة السكة الحديدية ومرافق الميناء على النهر مباشرة وقد كان القتال عنيفاً حتى ان المهاجمين والمدافعين تبادلوا السيطرة على المحطة ثلاث مرات خلال ساعتين. في اللحظة التي بدت الامور تصل فيها لمرحلة اليأس, جاء الفرج مع وصول فرقة الحرس رقم 13 بأمر مباشر من ستالين, وكانت الفرقة بقيادة الجنرال روديمستوف ذي الشعبية الجارفة والذي يتبعه رجاله الى الموت بدون تردد وهو من اوائل من منحوا لقب بطل الاتحاد السوفييتي من العسكريين خلال الحرب. لم ينتظر روديمستوف حلول الظلام لعبور الفولجا, بل اندفع على رأس قواته في موجة اثر موجة عابرين النهر عند الغسق, تحت القصف الالماني, ثم بادر بالهجوم المضاد فور ان وضع قدمه على الضفة الاخرى, وقبل ان يتاح لجنوده تركيب الحربات على بنادقهم, ولم يكن الالمان يبعدون اكثر من مئة متر, فاضطروا للقتال قبل ان يمكنهم حفر خنادق أو اتخاذ متاريس في المنطقة التي لم يكونوا قد انتهوا من تطهيرها بعد. استرد جنود الجيش الضفة وردوا الهجوم الالماني إلى نقطة انطلاقه بعد قتال شرس دار احيانا بالايدي, وتكبدوا الكثير من الضحايا خلاله, وقد اصبح جيش الحرس 13 مضرب مثل بتضحياته, فخلال 24 ساعة بعد عبورهم الفولجا, كانت خسائره 30% من تعداده, وعندما انتهت معركة ستالينجراد, كان باقيا على قيد الحياة 320 رجلا من جنوده العشرة آلاف الذين عبروا الفولجا. ولم تقتصر منجزات قوات روديمستوف على الضفة, فهضبة مامايف كورجان كانت على وشك السقوط في يد الالمان لولا بسالة حفنة من قوات وزارة الداخلية نجحت في الاحتفاظ بقطاع من الهضبة حتى وصلت وحدات من حرس الجيش 13 التي شنت على الفور هجوما مضادا اقتلع الالمان من قمة الهضبة, وقد شهدت هذه الهضبة فيما بعد, وعلى مدى الشهرين المقبلين معارك لا تنتهي لان السيطرة عليها كانت ستضع معابر الفولجا تحت فوهات مدافع الالمان مباشرة, لكن بسالة المدافعين فوتت على المهاجمين تلك الفرصة. لاحظ الالمان في تلك الفترة زيادة كبيرة في كثافة نيران المضادات الارضية التي كانت طائراتهم تواجهها خلال طلعاتها فوق المدينة, كما لاحظوا ايضا ان مزيدا من الطائرات السوفييتية اخذ يظهر في السماء ليتحدى سيطرتهم الجوية, وبطبيعة الحال ادى ذلك لخسارتهم مزيدا من الطائرات والطيارين, وهو الامر الذي لم يكن تعويضه سهلا, بل كان يزيد من اعباء بقية الطيارين, ويذكر احدهم انه نفذ خلال ثلاثة اشهر 228 طلعة, وهذا يزيد عما نفذه خلال السنوات الثلاث السابقة لها. نكهة الموت اصبحت ستالينجراد حجر المحك للجنود من كلا الجانبين, فللمرة الاولى منذ بداية الحرب العالمية الثانية اخذت الشكوك تساور الجنود الالمان وحلفاءهم حول نتيجة الحرب, هنا, في شوارع مدينة كانت الاحدث في الاتحاد السوفييتي, اصبح الموت ينتظرهم خلف كل جدار ووراء كل نافذة وعبر كل شق وفتحة, هنا وجد الالمان حقا اندادهم, وبدأوا يتذوقون مرارة التراجع ونكهة الموت على ارض مجهولة. ففي مساحة محدودة للغاية اصبح على كل جندي ان يستشعر كل لحظة معنى الحرب من ثلاثة ابعاد, فالقناصون الروس كانوا في كل مكان, ولم يكن واحدهم على استعداد لاضاعة رصاصة واحدة سدى, ولم يكن بوسع الجندي الالماني ان يفعل شيئا ازاءهم سوى الامتناع الكلي عن اية حركة, والهجمات المباغتة التي كانت تسبقها وترافقها صرخات (هوراي) الروسية الشهيرة, كانت تأتي على مدار الساعة, ومن كل الاتجاهات, والقصف الجوي ايضا كان له تأثيره الرهيب, لقد ادرك روديمستوف انه كلما كان جنوده اقرب مسافة للمواقع الالمانية, قل احتمال تعرضهم لغارات الطائرات الالمانية, وهكذا امر وحداته بان تبقي مواقعها على مسافة لا تزيد ابدا عن 50 مترا عن مواقع اعدائهم, وكان من نتيجة ذلك ان توجب على الجنود الالمان الاختباء والاستلقاء على الارض عندما تغير طائراتهم على الوحدات الروسية, لان احتمال اصابتهم بقنابلها ورشاشاتها كان يعادل تماما احتمال اصابة اعدائهم. استمر القتال بين مد وجزر, وبشراسة لامتناهية واضطرت بعض الوحدات السوفييتية للتراجع في بعض القطاعات, خاصة منها الاوسط, وتبين من التحقيق الذي قام به ضباط اركان جوكوف ان قادة اثنين من الألوية المدافعة هناك هجروا مواقعهم وجنودهم بسبب نقصان الذخائر والمؤن, والتجأوا لجزيرة واسعة وسط الفولجا, واخذوا على مدى يومين يبعثون لمقر القيادة تقارير زائفة عن سير المعارك, وعلى الرغم من الهلع الذي عم صفوف جنود اللوائين عندما اكتشفوا غياب قادتهم, فان ضابطين احدهما رائد والاخر ملازم توليا قيادة من تبقى من قوات اللواءين, ونجحا في صد 7 هجمات كبرى خلال 24 ساعة, اما القادة الهاربين فقد تم اعتقالهم وحوكموا بتهمة الخيانة العظمى, وهي تهمة لم يكن مرتكبها يلقى اية شفقة.