المخابرات اليابانية ترصد قدرات الجيش الأحمر ، ستالين اوشك على اعدام الضابط الروسي الذي وجه الضربة القاضية للالمان بدا ان وقائع المعارك في أيامها الأولى تؤكد اقتناع هتلر بأن الاتحاد السوفييتي كان عبارة عن بناء خشبي نخره السوس, وانه يكفي اقتحام الباب حتى ينهار البناء بأكمله. ولم تكن تلك رؤية هتلر وحده. فكثير من المراقبين الأجانب وأجهزة المخابرات كانت تشاركه إياها. ففي عام ,1937 أطلق ستالين حملة بالغة الوحشية لتطهير الجيش الأحمر. وخلال ثلاث سنوات كان قد تم اعدام أو سجن أو تسريح ما يزيد على 36 ألفا من الضباط. ولإدراك تأثير ذلك على الجيش كقوة محاربة, تكفي الاشارة إلى انه من بين 706 ضباط من قادة الألوية, كان هناك فقط 303 منهم في مناصبهم عند قيام الحرب, أما البقية فقد ذهبوا ضحية التطهير. الناحية الأكثر أهمية في تلك العملية الجنونية كانت ضياع الكوادر العسكرية صاحبة الخبرة, وكان من أبرزها المارشال ميخائيل توخاشيفيسكي الذي أدى اعتقاله واعدامه إلى تدمير قدرة التخطيط والتفكير العملياتي في الجيش. فذلك الضابط القدير كان يتولى تطوير فن قتالي جديد يركز على العلاقة بين القوة النارية ومرونة الحركة. ونتيجة لاعدامه, أصبحت نظريته أمرا محظورا تماما. وهذا ما يفسر عدم تجرؤ معظم جنرالات الجيش الأحمر على حشد مدرعاتهم في كتل ذات قوة نارية فعالة ضد الهجوم الألماني. وعلى الرغم من ان أكثر الضباط المسرحين أعيدوا إلى الخدمة, إلا أن تأثير التطهير من الناحية النفسية كان مدمرا على كافة القطاعات العسكرية. الأدهى من ذلك هو ان قادة الجيش الأحمر اكتشفوا مدى الضرر الذي لحق بقواتهم بعد عامين ونصف العام من بداية عمليات التطهير, وكان ذلك خلال الحرب التي خاضها الجيش ضد فنلندا, وقد اتضحت بجلاء الأخطاء القاتلة التي ارتكبها ضباط جدد, عديمو الخبرة, ففقد الجيش آلافا من جنوده في وجه قوة فنلندية أصغر بكثير. وكان هتلر يراقب مجريات تلك الحرب مسرورا. المخابرات اليابانية وحدها كانت تنظر للجيش الأحمر نظرة مختلفة. فقد وقعت اشتباكات على الحدود الروسية المنشورية, وبلغت ذروتها في معركة خالكين - جول التي برز فيها جنرال روسي يدعو جيورجي جوكوف. ولعل إحدى حسنات ستالين القليلة انه اقتنع بمواهب جوكوف, فعينه بعد ترفيعه رئيسا للأركان العامة. ضابط روسي آخر نجا من الاعدام بسبب قيام الحرب, وهو العقيد روكوسوفسكي الذي حوكم في اطار عمليات التطهير, وفوجئ بأن الأدلة التي أخذت بها المحكمة جاءت من شخص مات قبل ذلك بعشرين عاما. وكان مقدرا لهذا الضابط بالذات أن يكون هو القائد الذي سيوجه للألمان الضربة القاضية في معركة ستالينجراد. خسائر بلا مبرر كان واضحا منذ الأيام الأولى للحرب مدى الارتباك الذي تعيشه موسكو, وعلى رأسها ستالين. ففي الوقت الذي اتضح مقدار حاجة الجيش الأحمر لكل ما يمكن حشده من خبرات عسكرية, بدأ ستالين عملية تطهير جديدة. فالهزائم التي لحقت بالجيش لابد لتبريرها من كبش فداء. وهكذا طارت رؤوس عدد من الضباط الكبار والصغار الذين لم يكن بوسعهم عمل شيء ضد الهجوم الألماني, لان أيديهم كانت مغلولة بالأوامر التي أصدرها ستالين نفسه. وكان من أبرزهم الجنرال بافلوف قائد الجبهة الوسطى. على الرغم من سلسلة الهزائم السوفييتية المهينة, إلا انها كانت لها ايجابياتها أيضا. فقد أدت لتصاعد الروح الوطنية والقومية واشتعال جذوتها مجددا بعد ان عمل الحزب الشيوعي طيلة ربع قرن على قتلها, وهكذا, استمد الجنود من ضعفهم قوة, واخذت صلابتهم في القتال تزداد يوما بعد يوم, والحقيقة ان استهانة القادة الالمان بالجيش الروسي, وان كانت تبررها انتصاراتهم المذهلة, الا انها اغفلت وتناست مقدرة الجندي الروسي على مواصلة القتال في اصعب الظروف, ومهما كان عدوه متفوقا عليه عددا وعدة. الخطأ الآخر الذي ارتكبته القيادة الالمانية بدافع العجرفة والتفوق العرقي المزعوم بدأ يعطي نتائجه المريرة, فالشعوب العديدة التي خضعت للحكم الشيوعي سنوات عديدة قاسية, مثل الاوكرانيين, استقبلت الفاتحين باذرع مفتوحة, معتبرة ان دورها قد جاء في الانتقام ممن استعبدوها, لكن سياسة الالمان الفوقية, وقيام قواتهم بسوق ألوف البشر إلى المعسكرات حيث يجبرون على العمل في اقسى الظروف وبدون اية رحمة, دفعت تلك الشعوب إلى حمل السلاح ومهاجمة عدوهم الجديد جنبا إلى جنب مع القوات النظامية. لكن اكثر قصص البطولة كان مقدرا لها ان تبقى مجهولة لانها دفنت مع اصحابها أو من شهدوها, كان ذلك صحيحا بوجه الخصوص خلال الاسابيع الاولى الرهيبة لتلك الحرب, فوضع الجيش الاحمر في منتصف يوليو كان يبدو ميئوسا منه, وبلغة الارقام, كانت الخسائر السوفييتية بعد ثلاثة اسابيع من القتال تتمثل بمقتل واصابة واسر نحو مليوني جندي, وتدمير 0052 دبابة واكثر من 6000 طائرة. وفي معركة سمولنسك خلال النصف الثاني من يوليو, وقع في الاسر 300 الف جندي وخسر الروس ايضا 3000 دبابة ومثلها من المدافع وعلى الرغم من ان كثيرا من المؤرخين يعتبرون ان الجيش الاحمر كان يقدم كل تلك الخسائر دون مبرر, الا ان المؤرخين العسكريين يؤكدون ان تلك الخسائر ادت دورها في تأخير الزحف الالماني في لحظات حاسمة وكان لها نتائج وخيمة فيما بعد على الالمان. ويتوالى مسلسل الهزائم ليرسم في الافق علامة استفهام قاتمة حول جدوى كل تلك التضحيات, فبين منتصف اغسطس و21 سبتمبر, حوصرت قوات روسية كبرى في جيب اومان وسقط منها مئة الف اسير, وفي كييف عاصمة اوكرانيا انتهت المعركة بأسر 665 الفا من جنود الجيش الاحمر, وعلى الرغم من ان جوكوف سبق ان ابلغ ستالين بضرورة اخلاء كييف قبل اسابيع, لكن ستالين العنيد رفض ذلك, ثم القى بمسئولية الهزيمة على جوكوف وعزله من منصبه رئيسا للاركان, اما هتلر, فقد أبلغ عن انتصار قواته في كييف, ووصف المعركة بانها (اعظم معارك التاريخ) . لكن الخسائر لم تكن من جانب واحد, ففي منتصف يوليو كان واضحا ان آلة الحرب الالمانية قد فقدت زخم اندفاعة الاسابيع الاولى, وصار من الجلي ايضا ان القوات الالمانية ليست من القوة بحيث تستطيع متابعة هجومها الكاسح على ثلاث جبهات في آن واحد, وفي نهاية اغسطس بلغت خسائرها 400 الف اصابة, وبدأت الوحدات تعاني مشكلات لا تنتهي في آلياتها, بينما كانت امدادات قطع الغيار عاجزة عن تلبية الحاجات الملحة, وكان من الصعب بمكان استخدام طرق المواصلات السوفييتية, فالسكك الحديدية كانت اعرض قليلا من العربات الالمانية, مما استدعى اعادة مدها من جديد, والطرق التي كانت الخرائط تشير اليها على انها معبدة, لم تكن اكثر من دروب ترابية تتحول إلى كتلة من الوحل عند اول زخة مطر. ولم يكن ابلغ من رسائل ومذكرات القادة الالمان في الحديث عن المصاعب التي يواجهونها, وتتعاظم يوما بعد يوم, فالمارشال فون رودشتادت كتب لزوجته, بعيد انتصاره في جيب اومان (ان المساحة الهائلة لروسيا تلتهمنا) , والجنرال هالدر, من هيئة الاركان العامة, كتب في مذكراته يوم 11 اغسطس يقول: (لقد بنينا مخططاتنا على اساس وجود 200 فرقة روسية, لكننا احصينا حتى الان وجود اكثر من 360 فرقة, لقد حطم الجيش الالماني باب البيت الذي تصوره آيلا للسقوط, لكن ظنه خاب, وفجأة اخذ التشاؤم يحل تدريجيا محل التفاؤل الذي صبغ الحملة في ايامها الاولى) . في تلك الاثناء, اخذ عدد من كبار القادة الميدانيين الالمان يبدون معارضة علنية للتغييرات المفاجئة العشوائية التي كان هتلر يجريها على الخطط الاصلية للغزو, لكن ذلك كان اشبه بزوبعة في فنجان, فأوامر الفوهرر كانت تنفذ على الفور, ودون ان يجرؤ احد على رفع اصبع في وجهها. كانت الخطة الاصلية تقضي بالوصول إلى موسكو واحتلالها قبل حلول فصل الشتاء الخطير, بل ان الجنرال فريدريك باولوس, الذي وضع خطة باربا روسا, اشار في اجتماع مع هتلر لضرورة البدء باعداد تجهيزات شتوية للجنود والآليات لكن الفوهرر نهره واخرسه لانه كان مليئا بالقناعة ان كل شىء سينتهي قبل فصل الشتاء, ولعل المضحك المبكي في الموضوع هو ان باولوس نفسه سيكون القائد العسكري للجيش السادس الذي انتهى في ستالينجراد, وهو عاجز عن حماية نفسه من البرد القارس. على طريق نابليون في نهاية يوليو, جاءت الخطيئة الاولى, عندما اصدر هتلر امره بتحويل معظم قوات مجموعة جيش الوسط شمالا للمشاركة في حصار لينينجراد, فيما ارسل بقيتها جنوبا للمساعدة في حصار كييف, وفي مطلع سبتمبر غير رأيه ثانية, فأقر البدء بعملية (تايفون) أو (الاعصار) التي تستهدف احتلال موسكو, لكن اعادة القوات إلى مواقعها واعدادها لبدء العملية لم يكن ممكنا قبل نهاية سبتمبر, وعلى الرغم من تردي الحالة التعبوية والامدادية للجيش الالماني, فقد حدد المارشال فون بوك ـ الذي سيقود العملية ـ يوم السابع من نوفمبر موعداً للانتهاء من احتلال موسكو, فالعاصمة السوفييتية لم تكن تبعد عن قواته سوى 200 ميل فقط. تسارعت الاحداث بعدئذ, وحققت القوات المهاجمة مفاجأة, لم تكن تتوقعها, مما ادى لبعثرة القوات المدافعة وحصرها في مئات من الجيوب الصغيرة التي كان رجالها على الدوام يرفضون الاستسلام, ويقاتلون حتى اخر رجل, وسارع ستالين لاستدعاء جوكوف كي ينظم عملية الدفاع عن العاصمة, وكان قد ابعده عن رئاسة الاركان واوفده إلى لينينجراد التي نجح في تحويلها إلى قلعة حصينة, وعلى الرغم من جهوده المحمومة, اخذت المواقع تنهار واحدا بعد الاخر, فسقطت يوخنوف, وتبعتها بريانسك ثم فيازما, ومع ان الثلج تساقط لاول مرة في 6 اكتوبر, الا ان المهاجمين واصلوا تقدمهم, وان كان ابطأ من السابق بشكل ملحوظ. وكان الجو العام في موسكو مشبعا بعلامات الارتباك والاحباط, وفي 15 اكتوبر, سقطت كالينين واستولى الالمان على جسرها على نهر الفولجا, فقطعوا بذلك الطريق بين موسكو ولينينجراد, فتلقت البعثات الاجنبية في موسكو تعليمات بالاستعداد لمغادرة العاصمة إلى بلدة كويبايشيف على نهر الفولجا, لكن ستالين قرر على نحو مفاجىء, وبعد ان بدأت التعزيزات تصل من سيبيريا, ان يدافع عن عاصمته, بل انه اخذ قرارا سياسيا كان له ابلغ الاثر في رفع المعنويات التي قاربت على الانهيار, وهكذا امرت الالوية السيبيرية باختراق شوارع موسكو في استعراض عسكري مهيب ترك اعمق الاثر في نفوس سكان العاصمة, وواصلت الالوية مسيرتها دون توقف حتى وصلت خط الجبهة الذي كان قد ثبت على بعد 50 ميلا فقط عن العاصمة. في اواخر نوفمبر بذل الالمان اخر محاولة لهم على الطريق نفسه الذي سبق لجنود نابليون ان سلكوه من قبل, واخترقت قواتهم الدفاعات السوفييتية الامامية, لكنها ما لبثت ان اجبرت على التراجع في وجه هجمات معاكسة انتحارية شنتها الوحدات السوفييتية, وادرك قائدا طرفي الكماشة جودريان وكلوجه ان قواتهما ستكون في وضع صعب للغاية, مكشوفة من ثلاث جبهات, فاتخذا المبادرة وسحبا إلى الخلف الوحدات الاكثر تعرضا للخطر, لكنهما اكتفيا بذلك, وقبعا ينتظران التعزيزات لمتابعة الهجوم, معتقدين ان الجيش الاحمر لم يعد لديه قوات تكفي لاي هجوم مضاد كبير, كانا يجهلان تماما ان القيادة الروسية تواصل حشد جيوش جديدة في المناطق الواقعة شرقي موسكو. مع استقرار الجبهة, اخذ البرد والصقيع ـ الحليف المهم للجيش الاحمر ـ يعمل عمله, وبدأت القوات الالمانية تحصد العواقب الوخيمة لقرار هتلر بعدم امداد قواته بتجهيزات شتوية, وما ان حلَّ عيد الميلاد في 25 ديسمبر, حتى كان اكثر من مئة الف جندي الماني قد وقعوا ضحية تجميد الاطراف. المفاجأة في تلك اللحظات العصيبة, فوجىء الالمان بقوات روسية لم يكونوا يعلمون بوجودها تنقض على مواقعهم مدعومة بالمئات من دبابات تي 34 الشهيرة التي تعتبر افضل دبابة خاضت غمار الحرب العالمية الثانية على الاطلاق, وانطلقت اسراب من الطائرات الجديدة تهاجم مواصلات وامدادات الالمان, وللمرة الاولى منذ بدء الغزو حقق سلاح الجو الاحمر تفوقا على الالمان, فيما كانت وحدات المظليين تهبط خلف خطوط العدو لتهاجم مؤخرته جنبا إلى جنب مع وحدات الانصار التي لعبت دورا كبيرا خلال الحرب, وخلال يومين اضطرت الوحدات الالمانية للتراجع حتى مسافة مئة ميل عن موسكو. ما ان شعر ستالين بزوال الخطر عن العاصمة, حتى ارتكب اكبر اخطائه العسكرية مدفوعا بالاعتقاد بان ما حدث عام 1812 لقوات نابليون على وشك ان يتكرر لقوات هتلر, وهكذا اصدر اوامره بشن هجوم مضاد عام على طول خطوط الجبهة, وقابل الفوهرر قرار ستالين بقرار خاطىء مضاد حيث امر قواته بعدم التراجع مترا واحدا. وهكذا شهدت الجبهات عشرات من الاختراقات والاختراقات المضادة, حتى غدت القيادات لا تعرف شيئا عن اوضاع وحدات اختفت من الجانبين وسط أو خلف خطوط الاعداء, والحقيقة ان الجانبين تكبدا خسائر باهظة نتيجة لتلك القرارات العشوائية, لكن خسائر الالمان كانت من النوع الذي يصعب تعويضه بسبب محدودية الموارد البشرية, فيما لم يواجه السوفييت مشكلة مماثلة. واشتدت الفظاعات التي اخذ الجانبان يرتكبانها ضد المدنيين, فقد عمد الجنود الالمان إلى اجبار المدنيين على خلع ثيابهم ليستخدموها هم, ثم يجبرون ضحاياهم على الخروج شبه عراة إلى مصير محتوم على الجليد, كما نهبوا كل ما وصلت ايديهم اليه من مؤن من دون اي حساب لاحتياجات السكان المحليين, وبالمقابل, اصدر ستالين امره لوحداته بتدمير واحراق كل بيت ومزرعة وجدار يمكن ان يلجأ الالمان اليه, وذلك على عمق 40 ميلا خلف الخطوط الالمانية, ودون اي حساب ايضا لمصير مواطنيه. استطاع الالمان ان يقيموا خطاً دفاعيا شرقي سمولنسك, لكن نذير نهاية قواتهم بدأ يلوح في الافق, فتوازن القوى السياسية والصناعية والاقتصادية والبشرية مال بوضوح ضد قوات المحور في ديسمبر ,1941 وذلك بفشلهم في احتلال موسكو وبدخول امريكا الحرب.