اعترف الدكتور علوي شهاب وزير خارجية اندونيسيا بدور فاعل لضغوط الرأي العام الاندونيسي وإجبار الحكومة على التراجع عن خطواتها المتسارعة للتطبيع السياسي مع اسرائيل, والتي كانت على وشك تدشين تبادل دبلوماسي وتبادل فتح السفارات. وأكد شهاب في حديثه مع (البيان) ضرورة التطبيع الاقتصادي والتجاري بين بلاده واسرائيل, لتطوير القطاع الخاص, مشيرا الى وجود علاقات تجارية منذ وقت طويل بين اسرائيل ودول آسيوية, وان تم في الخفاء. وشدد شهاب على مواصلة شن حرب ضد الفساد الذي خلفته فترات حكم الرئيس السابق سوهارتو الا انه استدرك قائلا: لا يمكن علاج فساد 30 عاما في عام أو عامين. وأكد شهاب نجاح جهود حكومة الرئيس عبدالرحمن واحد في حصار الحركات الانفصالية, وتدعيم وتعزيز الوحدة السياسية لاندونيسيا. وإلى نص الحوار: * كيف تصفون تطورات الاوضاع الداخلية في اندونيسيا بعد انفصال جزر تيمور الشرقية ومحاولة بعض الجزر للانفصال عن الوطن الأم, وهل انتم قادرون على منع هذا الانفصال مستقبلا؟ ـ بعد ان تولى رئيس الجمهورية عبدالرحمن عبدالواحد مهام الحكم قام بزيارات الى البلدان المهمة في العالم ومنها بعض الدول العربية لكسب التأييد السياسي لوحدة اندونيسيا لئلا يكون هناك اي مجال للحركات الانفصالية ان تقول انها تتلقى تأييدا من الخارج, وحتى ما تردد من انباء حول قيام ليبيا وبعض الدول العربية بتأييد الحركات الانفصالية في اندونيسيا استطاع الرئيس عبدالواحد دحض هذه الشائعات, بل وحصل على التأييد السياسي من هذه البلدان واستطاع ان يعزل الحركات الانفصالية عن العالم كما نجح في ان يراودهم بالحوار, وتلك المحاولة نجحت, لأن النتائج الآن مفرحة, ورئيس الحركة الانفصالية لولاية اتشي يخوض الآن حوارا متواصلا مع الحكومة المركزية في جاكرتا ولم نكن نتصور هذا الحوار قبيل تولي رئيس الجمهورية الحكم وحصوله على تأييد قوي من الداخل والخارج حول وحدة البلاد. التطبيع التجاري مع اسرائيل ضروري * ألا تعتقدون ان قيام اندونيسيا بتطبيع علاقاتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مع اسرائيل في هذا الوقت بالذات يضر بمصالحها في العالم العربي؟ ـ اولا, أود ان اؤكد لكم ان اندونيسيا لن تكون لها علاقات دبلوماسية او سياسية مع اسرائيل قبل انجاز الحل السلمي الشامل للصراع العربي الاسرائيلي وعودة حقوق الشعب الفلسطيني, وهذا امر مفروغ منه, كما انه هو المبدأ الذي يحكم سياستنا الخارجية تجاه مسألة الشرق الاوسط, اما بالنسبة للعلاقات التجارية, فقد كانت موجودة في السابق مع اسرائيل, وبصراحة نحن لا نستطيع ان ننكر ذلك, لأنها ليست اندونيسيا فقط التي لها علاقات تجارية على مستوى القطاع الخاص, بل كل الدول الاسلامية المجاورة لنا ترتبط بعلاقات تجارية مع اسرائيل, ولكن هذه العلاقات منها ما هو معلن أو ما هو يتم في الخفاء, وكنا نود ان تكون هناك علاقات تجارية معلنة مع اسرائيل حتى نقول للعالم اننا مع العلاقات التي تؤدي الى تحقيق التعايش مع جميع الشعوب الموجودة في العالم, لذلك اذا ارادت قوى ان تفرض علينا قوى اخرى بأن تقاطع العراق أو ليبيا او بعض الدول الشيوعية, فإننا نرفض ذلك ونقول لهم نحن اصحاب مبدأ معلن وظاهر, نتعايش مع جميع البلدان وليس لدينا تفرقة في المعاملة مع بلد وآخر, حتى اسرائيل نود ان تكون لنا معها علاقات تجارية ونرى ان مثل هذه العلاقات واجبة لتطوير القطاع الخاص الاندونيسي. * نذكر ان اندونيسيا بعد تولي الرئيس عبدالواحد كانت مستعدة لتبادل السفراء مع اسرائيل وكانت تتحدث عن التطبيع صراحة؟ ـ نعم, هذا صحيح, نحن كنا نسير في هذا الاتجاه, ولكننا أخرنا التطبيع احتراما للرأي العام الاندونيسي, فقد واجهنا ضغوطا شعبية في الداخل وتراجعنا, وأذكر ان السفير المصري في جاكرتا سألني عن الاصرار للتطبيع فقلت له: اننا نتبع خطوات مصر. نحن بالنسبة لنا نرى ان رفض اندونيسيا اقامة علاقات تجارية مع اسرائيل يعني اننا عزلنا احد الشعوب, لذلك فإن بعض الدول الكبرى سوف تطالبنا بقطع علاقاتنا مع كوبا وكاسترو مثلا ومع ايران أو ليبيا, نحن لا نريد ذلك, نريد علاقات مع الجميع شرط احترام الرأي العام الداخلي في اندونيسيا. انني ارى ان الصدق في السياسة مهم جدا, ولابد ان نقول للعالم ان لدينا علاقات تجارية مع اسرائيل, وحتى ماليزيا التي تعترض علاقاتنا مع اسرائيل, لديها علاقات تجارية قديمة مع الدولة العبرية, ربما تكون غير معلنة, ولكنها موجودة وقائمة, هذا ليس أمرا طبيعيا, الصدق يجب ان يسود في العلاقات بين الدول, فالعلاقات المزيفة لا تدوم ولا تخدم مصالح الدول والشعوب. * هل توجد استثمارات خليجية في اندونيسيا وما توقعاتكم بالنسبة لزيادتها مستقبلا؟ ـ في الواقع بلادنا تفتقر للاستثمارات الخليجية, ودول الخليج التي توظف اموالها وودائعها في الغرب لم تفكر حتى الآن في الاستثمار في بلادنا مع ان نسبة المسلمين في اندونيسيا 90% تقريبا ونتمنى ان يتم الاستثمار الخليجي في اندونيسيا بشكل مباشر, بدلا من ان تقوم شركات غربية أوروبية أو أمريكية بتوظيف الأموال الخليجية في اندونيسيا بحيث تعود فائدة هذه المشروعات على المستثمرين الغربيين بالدرجة الاولى, وأذكر حينما تحدثت مع كبار المسئولين الخليجيين مؤخرا حول هذه النقطة اعترفوا بأنهم كانوا مقصرين في الماضي ووعدوا باعادة النظر مجددا, ونحن نريد الآن تصحيح هذه الأوضاع. * ما توقعاتكم بالنسبة للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعصف باندونيسيا منذ سنوات؟ ـ نعم, يجب ان نعترف بأننا ما زلنا نعيش في حالة ازمة اقتصادية, ونتمنى ان تتعاون الدول العربية والاسلامية معنا في مجال توظيف الاموال والاستثمارات, خاصة وان اندونيسيا لديها مجالات واسعة للاستثمار الصناعي والسياحي والزراعي والانتاجي والتقني والاعلامي. * لكن البعض يتخوف من استمرار الاضطرابات الداخلية وتأثيرها على الاستقرار السياسي في بلادكم؟ ـ لا, ان اندلاع مظاهرات صغيرة بين الحين والآخر لا يعني ان اندونيسيا غير مستقرة, هذا غير صحيح, انظروا الى المظاهرات التي اندلعت في واشنطن ضد اجتماعات صندوق النقد الدولي ومن قبلها في سياتل ضد العولمة, والآن اقول لاخواني في دول الخليج ان الاستراليين والسنغافوريين والماليزيين يستثمرون في اندونيسيا ولا يهتمون بالمظاهرات, ولذلك نقول لهم انهم يجب ان يكونوا في المقدمة, خاصة وان دول الخليج لديها موارد مالية مهمة, ومن الأجدر توظيف جزء منها في بلد اسلامي كبير, ويمكنني القول ان كل دول مجلس التعاون الخليجي تجاوبت معنا وأصبحت مستعدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري لأنها باتت على قناعة بأن اندونيسيا تتجه نحو مستقبل افضل خال من الأزمات السياسية أو العرقية. ملفات الانتهاكات والفساد مفتوحة * تواجه الحكومة الاندونيسية اتهامات عديدة بانتهاك حقوق الانسان, ما تعليقكم؟ ـ الغرب هو الذي يتحدث عن مثل هذه الانتهاكات, ولكننا نقول لهم ان اندونيسيا تسير في طريق احترام حقوق الانسان, الحكومة الجديدة اخذت عهدا على نفسها بفتح تحقيقات حول هذه المسألة وسوف تعلن كل النتائج في مرحلة لاحقة, ولن تتردد في محاكمة كل من انتهكوا حقوق الانسان في اندونيسيا. * مرت اندونيسيا في السنوات القليلة الماضية بمرحلة من الفساد ونهب أموال الدولة, هل تنوي الحكومة الجديدة فتح ملفات الفساد ومحاسبة المفسدين وتقديمهم الى المحاكمة أم انها ستغض الطرف حفاظا على روابط الصداقة والمصالح والحسابات الداخلية العائلية؟ ـ المحاكم جاهزة لمحاكمة الفاسدين, والدولة لن تتردد في محاربة الفساد بقوة, وأنصار سوهارتو (الرئيس السابق) الآن في السجن وجار التحقيق معهم حول الاختلاسات, وسوهارتو نفسه ممنوع من السفر الى الخارج, وهناك اشياء اخرى مهمة سنعلنها في الوقت المناسب, ان الحكومة الجديدة تريد ان تعلن للعالم كله انها حكومة نظيفة وتريد ان تصحح وتطهر البلاد من الفساد والبيروقراطية وتعمل على سيادة القانون والعدل, ولكن كما تعلمون ان فساد 30 سنة لا يمكن تصحيحه خلال سنة أو سنتين. يعني اذا استطعنا ان نصحح الوضع في ظرف خمس سنوات نكون قد نجحنا في المسعى, وبصراحة سوف نستمر في السير في هذا الطريق ولن نتراجع مهما كانت الضغوط لأن مهمة تنظيف البلاد من المفسدين تمثيلها علينا مصلحة الوطن والشعب في آن. * ما شكل العلاقة الآن بين اندونيسيا وصندوق النقد الدولي, هل نجحتم في التغلب على المشاكل القائمة بعد وصول الحكومة الجديدة الى السلطة؟ ـ العلاقة الآن (أفضل) , الآن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للانشاء والتعمير ينظران الى اندونيسيا كدولة ديمقراطية جديدة تسعى الى الاصلاح السياسي والاقتصادي ولذلك فإن الصندوق والبنك الدوليين يسعيان الى مساعدة اندونيسيا وهذا شيء مهم جدا, في الواقع لم نكن على ارتياح في علاقاتنا مع صندوق النقد الدولي, ولكننا كنا مثل الغريق, ليس لدينا سوى الصندوق والبنك الدوليين لمساعدتنا, في تقديم القروض ذات الشروط الميسرة. ديوننا تجاوزت 60 مليار دولار * كم تبلغ المديونية الخارجية لاندونيسيا؟ ـ بلغت المديونية الخارجية حتى الآن حوالي 60 مليار دولار أمريكي. * متى تتوقعون سداد هذه الديون؟ ـ حينما ننجح في تحسين الاداء الانتاجي ومحاربة الفساد الحكومي وزيادة الناتج المحلي ورفع مستوى الدخل الفردي, وهذه أمور لن تتحقق قبل عشر سنوات من الآن. * كم يبلغ اجمالي الناتج المحلي لاندونيسيا؟ ـ الناتج المحلي الاجمالي 180 مليار دولار وفي ظل الاستقرار الحالي نتوقع ارتفاع الناتج المحلي في ظل زيادة حركة الصادرات الخارجية وتقليص الواردات. * تردد ان مصانع الطائرات في اندونيسيا IPTN تواجه الافلاس حاليا, ما الأسباب؟ ـ لقد اتجهنا للمشاركة مع الصين لضمان تسويق انتاجنا من الطائرات في السوق الصينية الضخمة, كما طرحنا الأمر على المسئولين في دولة الامارات العربية المتحدة لاقامة شراكة في مصنع الطائرات وتم الاتفاق على ارسال وفد فني لاعداد دراسة عن امكانية قيام هذه المشاركة بين الجانبين, وأعتقد انها مفيدة للجانبين, كما ان دولة الامارات وعدت بتقديم قروض ميسرة لبعض المشروعات الصناعية المتعثرة في اندونيسيا. ـ هل توجد مشروعات نفطية مشتركة في اندونيسيا بالتعاون مع دول الخليج؟ ـ نعم,. الكويت تنفذ مشروعا نفطيا عملاقا في احدى الجزر الاندونيسية, والامارات تدرس حاليا تنفيذ مشروعات مماثلة. أجرى الحوار: د. جمال المجايدة