تأخذ القضية الكردية في الفترة الاخيرة بعدا جديدا بعد تغير المعطيات والظروف في منطقة الشرق الاوسط, فأوجلان المحكوم عليه بالاعدام لم يعد قادرا على اثارة النعرة الكردية او القومية ويمكن ملاحظة خفوت التهديد الذي كان يشكله حزب العمال الكردستاني, رغم انه مازال فاعلا كقضية على الساحة السياسية. وسوريا التي اختارت الوقت المناسب لتتخلى عن ورقة الضغط الكردية, ما عادت مهتمة بالتصعيد القومي الكردي او بحقوق الاكراد, وجل اهتمامها ينصب على قضية السلام, فالمنطقة تتأقلم وفق النظام العالمي الجديد. ايران, التي كانت ومازالت تدعم احد الاحزاب المتصارعة في الشمال, تمر بمرحلة اصلاحات وصراع على السلطة, مرحلة تقودها الى الانفتاح والتطبيع الذي تتهيأ له منطقة الشرق الاوسط برمتها. اما العراق, فتلك هي المشكلة الكبرى, فالعراق في وضعه الحالي, معزول عن شماله وجنوبه لا يستطيع منع دولة كردية من القيام, لكنه يراهن, رغم دعم الغرب لهذه الدولة, على المصالح الامريكية في المنطقة والتي لايروق لها قيام دولة كردية في الشمال العراقي لان ذلك سيشجع اكراد ايران وتركيا وغيرهم من اكراد دول الاتحاد السوفييتي السابق على المطالبة بقيام دولة وذلك يخالف خططها في المنطقة كما انه يضر بالنظام العالمي الجديد. وأوروبا اليوم, ترفع شعارات القضية الكردية, حماية لمصالحها, ولكي تضمن لنفسها دورا في منطقة تتنافس اسرائيل مع راعيتها امريكا عليها. وبالنظر للواقع والحقائق, نجد ان من مصلحة الاكراد الانفصال تماما عن اي دعم خارجي غربي او شرقي ومحاولة التوصل الى اتفاق يشبة (بيان 11 اذار (مارس) الذي تصادفت ذكراه الثلاثين هذا العام, فهذا البيان وفق الاكراد انفسهم يصلح ان يكون اساسا (بوجود اعتراف بالحقوق الكردية) . ومن وجهة نظر المفكرين الاكراد فان القضية الكردية لعبت دورا اقليميا وعالميا ايجابيا ازاء قضية الديمقراطية ودفعت ثمنا باهظا خلال قرون من الزمان, وهم اليوم في مأزق كبير, مشتتون بين الاتجاهات والمناهج والسلوك السياسي, وتكاد حقوقهم تنهضم في معدة العولمة الطاحنة. ولمعرفة البعد الاقليمي والعالمي اليوم لهذه القضية الشائكة, ينبغي لنا ان نقرأ معطيات الواقع الحالي للوصول الى تصور واضح عن مستقبل الشمال العراقي خاصة بوجود اعلانات عن قرب قيام دولة كردية .. فما هو الواقع وماهي الحقيقة في كل ما يقال؟ ذلك ما ينبغي ان نسمعه من افواه الاكراد انفسهم لا من أفواه الغرب .. * المحررة اجرى الحوارات: لهيب عبد الخالق ونصير النهر: يعد السياسيون القضية الكردية اهم قضية في منطقة الشرق الاوسط بعد القضية الفلسطينية, وتنعكس ابعادها وآثارها السيئة على دول الجوار الاجنبية والعربية على حد سواء. وفي الفترة الاخيرة لمسنا اعلانات واشارات كثيرة لاقامة دولة كردية في الشمال العراقي رغم ان الاكراد يعودون فيتنصلون من ذلك الاعلان, لكن الغرب يرفع علما بارزا وورقة ضغط, لنقل على العراق, تركيا, ايران, سوريا والسوفييت, فكلهم ضالعون في هذه القضية الشائكة. وفي 11 مارس الماضي, مرت ثلاثون سنة على قيام اتفاقية او تشريع عراقي يسمى بـ (بيان 11 آذار (مارس) عام 1970, ومعه تصاعدت اللهجات العالمية والاقليمية لضرورة حسم قضية الاكراد. تقصى (بيان الاربعاء) الجغرافيا السياسية للقضية الكردية بين ثلاثة محاور ومتحاورين, وهم على بعد المسافات بينهم الا انهم اكراد وعرب, تجمعهم هموم الشمال العراقي ويختلفون بعد ذلك في الرؤى والتوجهات .. يتراوحون بين الحكم بقيام دولة الكرد وبين الواقع المحض. ثلاث شخصيات عراقية من الداخل العراقي والخارج العراقي يلقون بوجهة نظر عربية الى القضية الكردية, وكردية الى المشكلة الكردية وجوهرها. جوهر القضية الكردية الدكتور فؤاد حمه خورشيد, مفكر كردي, لاينتمي الى هذا الحزب او ذاك من الاحزاب الكردية, او العراقية, لكنه شخصية لها وزنها وثقلها السياسي الكبير على الساحة الكردية, يقول لـ (بيان الاربعاء) في اطار سؤاله عن حقيقة الحركة القومية الكردية وانعكاساتها على الواقع الاقليمي: ـ لقد غدت القضية الكردية ثاني اهم قضية قومية في الشرق الاوسط بعد قضية فلسطين واخطر قضية سياسية داخلية على المستوى العراقي, ومن عمق دراساتي في الجغرافيا السياسية, استطيع القول ان (الجغرافيا القومية) علمتنا ان الحدود السياسية هي حدود غير مقدسة لانها مصطنعة, صنعها ورسمها الانسان فهي عرضة للالغاء او التغيير عبر الزمن. فكردستان اقليم جغرافي واسع من اقاليم المنطقة, وان لم يكن ظاهرا ضمن اطار سياسي مستقل, هذه الحقيقة الجغرافية لايمكن الغاؤها, وان عدم ادراك الحقيقة ليشكل جوهر الفهم الخاطىء للحركة القومية الكردية في كل قطر من الاقطار التي يتواجد فيها الاكراد. هكذا حولت (الجغرافيا السياسية) القضية الكردية المعاصرة الى قضايا اقليمية, تخص كل قضية منها دولة من الدول, وبذلك ضعفت الرابطة السياسية, وغاب تبعا لذلك التنظيم القومي ايضا .. وهذا ما اقصده بـ (الجغرافيا الكردية المعطلة), لذا, فان حبي للجغرافيا ينبع من ديناميكية هذا العلم. * لكنك تعطي تخصيصا مناقضا للجغرافيا السياسية في طروحاتك حول المسألة الكردية في العراق ..؟ ـ ان العوامل الجغرافية السياسية لكردستان العراق تجبرنا, بل تحتم علينا انتهاج (الخيار الواقعي), الذي لابديل عنه في ظل الظروف الاقليمية والدولية المعاصرة .. اي التوجه الى حل المشكلة القومية في العراق مع الحكومة المركزية (مع بغداد), ولكن الاشكالية هنا هي ان هناك بعض الاخوة العرب لايزالون يتهيبون من موضوع (الانفصال), دون ان تكون لديهم ادلة على نيات الكرد العراقيين الانفصالية هذه. انا كردي, ومن المتابعين للموضوع بحكم اختصاصي, ليست لدي ادلة على ذلك, بل استشهد دائما بقول للملا مصطفى البارزاني, سمعته سنة 1967 من المذياع, وهو يخطب في مجموعة من انصاره, معبرا بذلك عن اقصى ما يمكن ان تطالب به الحركة القومية الكردية في العراق, اذ قال (سبق ان اعلنت سنة 1945, وفي سنة 1960, واكرر قولي الآن, وعلى الدوام: نحن لانقود حربا عربية ـ كردية. نحن لسنا فقط لا نحارب العرب, بل لا نخاصم اية قومية, وان الكرد والعرب اخوة, بعضهم لبعض, ويستطيعون العيش معا برفاه وامان وحب وسعادة وسلام). نعم .. ان العرب هم الاخ الكبير, ونحن الاخ الصغير, ومع ان حق تقرير المصير والاستقلال من حقوق كل أمة, بما فيها الامة الكردية, فان الجغرافيا السياسية تجد في هذا القول ما ينسجم ومتطلبات الكرد العراقيين, شريطة ان تصاغ وفق روحية القرن الحادي والعشرين. وهنا لا تكفي رغبة طرف واحد في الحوار او المفاوضات, وانما لابد من توفر رغبة متبادلة, مشفوعة بقناعات تامة, وحسن نيات, واهداف استراتيجية تلتقي في كل النقاط, وتضع حلا شافيا شاملا لهذه المشكلة ومخلفاتها, التي استنزفت الكرد والعرب معا. * الا ترى ان الكردي يقوم بالغاء نفسه قبل ان يقوم الآخرون بذلك, وبدرجة ربما تكون اكثر من هؤلاء الآخرين؟ ـ د. فؤاد حمه خورشيد: اذا كان المقصود بالسؤال هو (الحرب الكردية ـ الكردية) التي تتأجج وتخبو بين الحين والحين منذ سنة 1994, فانا لا اتفق مع القول انها تمثل الغاء للذات الكردية, ان الصراع السياسي الداخلي حدث ويحدث عند كل الامم والشعوب, وهذه ظاهرة مألوفة, ولكن حتى الآن ـ نحن الكرد ـ لم نكن نتصور او حتى نتخيل ان يصل الامر في تلك الجولات من القتال ان يسفك الكردي دم اخيه الكردي بمثل هذه الغزارة, وبمثل ذلك الاسلوب الخالي من الشفقة والرحمة, وان تطول فيه الايدي حتى الى قتل الاسرى, في وقت نطالب به نحن الكرد بالديمقراطية وحقوق الانسان. هنا .. يجب الا نفصل الجغرافيا السياسية, فقد لعبت بعض الاطراف الاقليمية دورا اساسيا في ذلك بعد ان وجدت ان بعض اركان البيت مهيأة لذلك, وكانت النتيجة شطر الاقليم الى اقليمين, وبذلك يصبح مجموع الاقاليم الكردية خمسة بدلا من اربعة. قرن القضية الكردية * اذا كانت الظروف الدولية, والقوى الكردية, هي المسئولة عن تقسيم وتجزئة كردستان .. فمن يتحمل وزر هذا الاثم في التطبيق .. هل هي الزعامة؟ وهل تستحق الزعامة فعلا اراقة كل هذه الدماء الكردية البريئة ؟ أليس هناك طريق اسهل وأيسر لاثبات الذات؟ ـ ان الكردي عندما يلغي نفسه يسقط, وعندما يسقط لا توجد قوة تعيده الى موقعه السابق في المجتمع, اما (الاخرون) فهم ايضا, وكما اثبتت احداث, قد عجزوا ويعجزون عن الغاء ما يعرف بـ (القضية القومية الكردية). اعتقد ان القرن الحادي والعشرين سيكون قرن القضية الكردية, ولكن مثل هذه الاحداث الداخلية من شأنها ان تعرقل القضية, وتسيء الى سمعة الكرد داخليا واقليميا ودوليا بدون ادنى شك. فمثلما كانت الصراعات الداخلية والتكتلات الاقليمية سببا عبر التاريخ في حرمان الكرد من ايجاد كيانهم السياسي, فان من شأن هذه الصراعات الدموية ان تحول دون حصولهم على ابسط الحقوق, حتى ضمن الدول التي هم فيها الآن. * متى يمكن برأيك ان تتحد وجهات النظر الكردية المختلفة؟ وهل ذلك مرتبط بالجغرافيا الكردية ام ان ذلك ليس شرطا؟ ـ في الحقيقة .. انا لست من المتفائلين في اتحاد وجهات النظر الكردية المختلفة, لان لهذا الخلاف جذوره واسبابه, فعلى النطاق القومي هناك اسباب جيوبوليتيكية متحكمة ومؤثرة كعوامل طرد مركزية معادية للوحدة, بسبب ارتباط بعض التنظيمات السياسية الكردية بالقوى الاقليمية المحيطة بكردستان, وتنسيق استراتيجيتها على وفق ما يخدم مصالح تلك القوى. اما ما يخص اتحاد وجهات النظر الكردية في العراق, فانا ايضا غير متفائل على الاطلاق, وارى ان مايحدث الآن من حوار (او اتفاق) بعد تلك الجولات القتالية الدموية, ماهو الا محاولات تكتيكية لكسب الوقت ليس الا, وهذا ليست له علاقة باتحاد الجغرافيا الكردية, لانه خلاف ضمن اقليم واحد من كردستان. * ماهو سبب هذا التشاؤم؟ ـ د. فؤاد حمه خورشيد: سببه هو ان بعض القيادات الكردية لاتزال تجهل خطورة لعبة الدول الاقليمية, وحتى لعبة الاطراف الدولية الاخرى, وتراهن عليها في صراعاتها الداخلية, وقد منحنا التاريخ المعاصر اكثر من درس في هذا المجال, وكانت الحصيلة في كل مرة مزيدا من المآسي والويلات للشعب الكردي. وآخر سيناريو سياسي ـ عسكري ـ شهدناه بفعل المؤثرات الاقليمية, هو تصدع وحدة وجهة النظر الكردية , ذلك لان هذه الوحدة كانت تمثل في الواقع خيمة, اعمدتها من الديناميت. وفي ظل تلك الخيمة اجبرت الاغلبية على قبول المناصفة في كل شيء, ثم منحت الاقلية اغلب المراكز الحساسة والخطيرة, ثم (خولت) الاقلية لتنسق الخيمة, وعندما تمكنت الاغلبية من ازالة الاقلية .. اجبرت الاغلبية على التنازل والتراجع عن نصف الاقليم لصالح الاقلية, ثم اجبر الطرفان على قبول (خط للهدنة) فاصل وواجب الاحترام بينهما. والآن يتحاور ويتفق الطرفان بشكل لايختلف عن سوابقه (لاعادة الوحدة), ولكن من دون ازالة الديناميت .. !, أليس في ذلك ما يبعث في كردي مثلي كل هذا الذهول وهذا التشاؤم؟ ومع ذلك ارى ان من شأن هذه النقاط ان تنقذ وحدة الكلمة الكردية ومصداقيتها في التعامل السياسي: 1ـ ان تعرف كل فئة سياسية كردية وزنها وثقلها الحقيقي في المجتمع الكردي, وان تتصرف بالطرق السلمية, وان تتعامل مع بعضها من منطلق الشخصية الكردية التي تمتاز بالشهامة والنبل والطيبة والصدق والوفاء والالتزام, وليس بالاسلوب المزاجي الذي الفناه, والذي خرق كل التقاليد والاعراف والقيم. 2ـ نبذ العنف وتحريم الصراع والاقتتال الداخلي, والاعتذار للشعب عما حدث. 3ـ تجنب عقد التحالفات مع الدول الاقليمية , الموجهة ضد الاطراف الاخرى بقصد ازاحتها, او القضاء عليها, او اجبارها على تقديم التنازلات او تلك الموجهة ضد السيادة الوطنية العراقية. 4ـ اذا كانت النيات خالصة, لابد من تطهير الصفوف من القتلة والنهابين والذين ارتكبوا الجرائم النكراء ومعاقبتهم, وتعريتهم, ليكونوا عبرة للآخرين. 5ـ ان يكون لكل الاطراف مجتمعة هدف استراتيجي موحد وشامل للحركة التي يمثلونها, على ان يتم التباحث او التفاوض بشأنه مع السلطة المركزية بالصيغة التي تضمن حقوق الشعب الكردي في العراق كاملة, ووحدة الخريطة السياسية للدولة العراقية وسيادتها, وانهاء النزيف العربي ـ الكردي, والى الابد. لا دولة كردية في الشمال من الداخل العراقي الى الخارج المغترب حيث تأخذ القضية الكردية شكلا دوليا, سألنا الدكتور فؤاد معصوم الذي تولى رئاسة حكومة اقليم كردستان في يوليو 1992 حتى منتصف مارس 1993, عن مشروع قيام الدولة الكردية في الشمال العراقي فاجابنا قائلا: ليس هناك مشروع لانشاء دولة كردية في كردستان العراق بين الاحزاب الكردية كما ليس هناك مشروع خارجي لذلك, فالاتحاد الوطني الكردستاني يؤكد في كل مناسبة على وحدة العراق عربا وكردا واقليات ويثقف كوادره ومنتسبيه بهذا الاتجاه, وذلك لاسباب موضوعية, منها: انه نتيجة تقسيم كردستان بين عدة دول في منطقة الشرق الاوسط والعلاقات بين الكرد والشعوب التي يتعايش معها داخل تلك الدول لمدة ثمانين سنة, تقريبا, تكونت لكل جزء من اجزاء كردستان ظروفه الخاصة وخصوصيته, ثم ان عملية تشكيل دولة لاتتم بقرار كردي من جانب واحد وخاصة في العراق, فتغيير الخارطة الدولية وتكوين دولة .. عملية معقدة, تحتاج الى ظروف دولية مشجعة لتكوين هذه الدولة, وهذا غير متوفر بالنسبة لكردستان العراق, وبعد ذلك فاذا ما اراد الكرد في العراق انشاء دولتهم فمع من تتعاون هذه الدولة الوليدة؟ اذ هي تقع بين العراق وايران وسوريا وتركيا وبالتأكيد لا تعترف هذه الدول بدولة كردستان, لان هذه الدول كانت دوما ولاتزال تراقب الوضع الكردي بحذر شديد وتعتبره من قضاياها الامنية الواجب الاهتمام بها, والشاهد على ذلك اجتماعات وزراء خارجية ايران وسوريا وتركيا بشكل دوري كل ثلاثة اشهر, كل مرة في عاصمة احدى هذه الدول من سنة 1991 الى سنة 1995 ثم توقف عند بدء الاقتتال الداخلي في كردستان العراق اذ لم تعد الحاجة الى هذا الاجتماع الدوري في نظرهم, ولكن التنسيق بين هذه الدول كان ولا يزال مستمرا بشكل او بآخر. وخارج حدود هذه الدول ليس لكردستان اي مخرج بري, ولا اي ممر مائي. لذلك فلا وجود لمشروع دولة كردستان العراق, واما الذين يثيرون ذلك بين الفينة والفينة فقصدهم اولا تبرير العمليات الوحشية التي مارسها النظام العراقي تجاه الكرد في العراق والتمهيد لعمليات لاحقة, واظهار العراق وكأنه معرض لمخاطر التقسيم وايهام الرأي العام العربي بان النظام العراقي هو الضمان لوحدة العراق, بينما العكس هو الصحيح فاستمرار سياسة النظام على هذا النهج وبهذا الاسلوب هو مصدر للوحدة الوطنية العراقية. * لقد توليتم رئاسة اول حكومة اقليمية كردية استمرت اقل من عام, ما ظروف قيامها وما ظروف استقالتها؟ ـ توليت رئاسة حكومة اقليم كردستان في يوليو 1992 اثر انتخاب المجلس الوطني (البرلمان) وبقيت الى 17/3/1993 حيث قدمت استقالتي امام البرلمان. كان لي مع باقي الزملاء في مجلس الوزراء شرف تأسيس مؤسسات الحكومة واعداد قوانين لكل وزارة ومراجعة الكثير من القوانين العراقية المعمول بها واجراء تعديلات عليها (وخاصة تلك القوانين والمواد التي تفرق في التعامل بين المواطنين على اساس عرق او حزب) وممارسة الادارة على الاقليم بشكل مركزي وتعيين المسئولين الاداريين للمحافظات والاقضية وجهاز الامن والشرطة وغيرها من الامور التي تنظم الحياة العامة. وقد واجهت حكومتنا بعض التدخلات الحزبية, وبعض الصراعات الجانبية والاختلاف في وجهات النظر في مسألة تنظيم الميليشيات القائمة وتحويلها الى قوة نظامية. فعندما وجدت ان محاولاتي لتنظيم هذه الشئون تفسر وكأنها اتت من منطلقات حزبية, قررت تقديم استقالتي اذ لم احب ان ادخل في صراع حزبي وانا في هذا الموقع الذي يتطلب النظر الى جميع الاحزاب وكل المواطنين سواسية, وبعد ذلك تشكلت الوزارة الثانية, واحمد الله على ان وزارتي لم تشهد الاقتتال الداخلي وان كنت قد شهدته من موقعي الحزبي عضوا في المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني. الخلاف الكردي ـ الكردي * هذا يعني ان الاقتتال الداخلي مازال متواجدا, ماهي ابعاده وآثاره .. وماهو مستقبله وفق رأيك؟ ـ الخلافات بين الحزبين عميقة من ناحية وبسيطة من ناحية اخرى. عميقة حيث لكل من التنظيمين افكاره ومفاهيمه وتوجهاته وسياسته, احدهما محافظ بطبيعة انتمائه العشائري والآخر يمثل المرحلة الجديدة العصرية بكل مفاهيمها, ومن الممكن ان اقول ان احدهما يتشبث بالانتماء الى مرحلة تجاوزناها والآخر ينتمي الى مرحلة لم نصل بعد اليها. لذلك نجد الطرف الآخر بحكم التشبث بموقعه يجد المبرر للتعاون مع الانظمة الاقليمية للدفاع عن انتمائه, لانه يجد في انقطاع هذا الانتماء تهديدا لوجوده وقوته. وبسيط في الوقت نفسه لان الذي يهم المواطن الكردي الآن هو الامن والضمان بحيث لا تتكرر المآسي والويلات التي حلت عليه, فالمفروض وقوف الجميع قبل كل شيء في وجه الاخطار التي تهدد الكرد في العراق سواء من النظام او غيره. الصراع العميق لابد ان يكون مع مصادر هذه الاخطار, وبعد ذلك من الممكن ان يبدأ الصراع او فلنقل التنافس بين الطرفين وهو امر طبيعي بين كل الاحزاب السياسية في مختلف بلدان العالم ولكن في حدود القانون, وانا اعتقد بأن العراق عندما يشهد تحولات ديمقراطية ويختار الشعب العراقي نظام حكمه .. عندئذ تنتهي الكثير من المشاكل القائمة والجوانب السلبية ومنها ماهي موجودة الآن في كردستان العراق. جرت محاولات كثيرة كردية, وعراقية واقليمية لانهاء حالة الاقتتال بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ومع الاسف ان بعض الدول الاقليمية عندما حاولت ان تتدخل لانهاء هذه الحالة اقحمت نفسها كطرف في الصراع فبدل ان يحل المشكلة عقدها اكثر. وكانت اتفاقية 17/9/1998 التي تمت في مقر الوزارة الخارجية الامريكية ووقعت بين جلال طالباني ومسعود بارزاني بحضور مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية, عالجت المشكلات القائمة بين الطرفين الموقعين الا ان هذه الاتفاقية التي كان من المفروض ان يتم تنفيذ جميع بنودها لغاية شهر يوليو 1999 لم ينفذ منها للآن بند واحد. صحيح توقف القتال وهناك لقاءات مختلفة ونرجو ان نصل الى حل, لانه لا الاتحاد الوطني الكردستاني قادر على تنحية الحزب الديمقراطي الكردستاني على الساحة الكردية ولا الحزب الديمقراطي الكردستاني رغم المساعدات الاقليمية التي تلقاها قادر على تنحية الاتحاد الوطني الكردستاني, والمصلحة الوطنية العليا الكردية والعراقية تتطلب المصالحة والتعاون, ومن ثم العمل جميعا للمرحلة اللاحقة وهي النضال المشترك مع كل المخلصين داخل العراق من اجل اجراء تحولات ديمقراطية. * تردد مؤخرا اعلانات عن قرب قيام الدولة الكردية, هل يعني ذلك استقلال شمال العراق في دولة مستقلة ام حكم ذاتي, وهل هو واقع فعلا؟ ـ د. فؤاد معصوم: كما سبق فاستقلال كردستان العراق ليس واردا, ولكن الكرد في العراق يناضلون منذ ثمانية عقود من اجل الاعتراف بحقوقهم القومية والتمتع بهذه الحقوق بشكل واقعي وعملي ضمن العراق الواحد. نحن سياسيون والسياسي عليه ان يتعامل مع الممكن والواقع, فقد دخل الاتحاد الوطني الكردستاني ثلاث مفاوضات مع النظام الحالي في العراق, اولها سنة 1977 والثانية عام 1983 بعد ان حققت القوات الايرانية انتصارات عسكرية في عدة مواقع على القوات المسلحة العراقية, وتوليت لفترة رئاسة وفد الاتحاد الوطني الكردستاني في هذه المفاوضات, وكان اغلب الظن ان الحكم العراقي يقدر موقفنا لاننا لم نكن نريد اشغال الجيش العراقي بالقتال, ولكن بعد ان تلقى المساعدات وتحسن وضعه العسكري .. بدأ يتراجع حتى عما وقعناه. وفي 1991 بعد حرب الخليج الثانية دخلت الجبهة الكردستانية والاتحاد الوطني الكردستاني) طرف اساسي فيها, في حوار مع الحكومة العراقية, واستمرت المفاوضات شهورا عديدة فوجدنا النظام لا يزال متشبثا بافكاره وتصوراته ومقولاته وبذلك فشل الحوار. نحن في العراق نناضل من اجل الحقوق القومية للشعب الكردي في العراق وكذلك بنفس القوة من اجل التحولات الديمقراطية, لاننا جزء من العراق, فالحكم في العراق ليس مؤهلا بعد لاجراء هذه التحولات وكذلك لاقرار الحقوق القومية الكردية بشكل حقيقي, اضافة الى ذلك فان الارضية غير مؤهلة الان للدخول في الحوار مع السلطة المركزية لانها لاتزال تواصل بشكل مستمر سياسة التطهير العرقي في المناطق الكردية التي تسيطر عليها, ففي كل يوم عشرات العوائل الكردية والتركمانية تضطر اما للانتقال الى الجنوب العراقي و تأتي الى اقليم كردستان العراق بعد ان تصادر جميع ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة حيث تفرض السلطة الحاكمة على الكردي والتركماني تقديم طلب تغيير قوميته الكردية او التركمانية الى القومية العربية وكان الانتماء القومي هو انتماء حزبي في عرف هذه السلطة يمكن تغييره وتبديله. وحسب بعض المعلومات فهناك علاقة (مستقرة) بين الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني ولكن هذه العلاقة من جانب السلطة مجرد تكتيك يهدف الى تعميق الخلافات بين هذا الحزب والاتحاد الوطني الكردستاني, ولكن لا اظن ان الحوار بينهما يؤدي الى اقرار الحقوق القومية الكردية في العراق. مغزى الاهتمام الأوروبي * ما مفهوم اهتمام اوروبا الآن بالقضية الكردية فقد برز الاهتمام اليوم مع مسيرة السلام والحديث عن ادوار غربية في المنطقة؟ ـ هناك اهتمام في اوروبا بالقضية الكردية في كل من العراق وتركيا ولكن لا كقضية واحدة بل كل في اطارها الخاص, ويأخذ هذا الاهتمام البعد الانساني, خاصة فيما يتعلق بحقوق الانسان, وليس له بعد سياسي. * يكثر الحديث عن مشروع الدولة الكردية, فهل يمكن انجاز هكذا مشروع مع التغيرات الاقليمية في المنطقة؟ ـ كما سبق فان لكل جزء من اجزاء كردستان اليوم ظروفه الخاصة به, فالمشاعر الكردية هي مشاعر امة تجزأت وقسم وطنها كردستان على عدة دول, فهناك طموحات كردية, ولكن لايوجد مشروع كردي لاقامة دولة واحدة على جميع اراضي كردستان لان الظروف الاقليمية والدولية لا تقبل ذلك, لذلك فنضال الكرد في كل جزء هو من اجل ان ينالوا حقوقهم القومية داخل الدولة التي الحق هذا الجزء بها والتعايش مع الشعوب التي تضمها هذه الدولة او تلك. * ما هي مقتضيات المرحلة المقبلة؟ ـ المرحلة المقبلة في العام الجديد تقتضي التعاون بين الاحزاب والفئات داخل الدولة الواحدة, وتعاون الشعوب فيما بينها وكذلك بين الدول, لان المصلحة تقتضي ذلك, خاصة ونحن في عصر باتت الدنيا مدينة واحدة, فمصلحتنا ان نتعايش في العراق عربا وكردا و اقليات وتكون الحقوق القومية محددة وواضحة ضمن الدولة العراقية ونعمل جميعا من اجل اقامة نظام ينتمي الى هذا العصر لا العصور الوسطى, وان يتعاون العراق مع دول الجوار لتحقيق المصالح المشتركة ومع الدول العربية والاسلامية والمجتمع الدولي لخدمة السلام والتقدم الانساني. * هل من ضمن المصالح المشتركة الحوار الامريكي الكردي, وهل تدعم امريكا قيام دولة, ام حكم ذاتي, ام كيف تفسر دعمها السياسي للاكراد؟ ـ د. فؤاد معصوم: ليس هناك حوار امريكي كردي بالمعنى السياسي, بل هناك اهتمام امريكي بالعراق طبعا من وجهة نظر السياسة الامريكية والتوجهات الامريكية هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فالولايات المتحدة الامريكية هي التي تتولى بشكل اساسي حماية المنطقة الكردية في العراق, كما انها رعت اتفاقية واشنطن بين الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني, ونحن في كل اللقاءات التي تتم مع الامريكان نؤكد على وحدة العراق, وبالتأكيد هناك تصورات امريكية لا نتفق معها, كذلك هم يختلفون معنا في بعض تصوراتنا السياسية, ولكن الاطار العام الذي تتم فيه اللقاءات هو العراق الواحد. والاتحاد الوطني الكردستاني لا يمكن ان يشترك في اية محاولة تستهدف الشعب العراقي والمصالح الوطنية العليا. ويعتقد ان التغيير الذي كثر الحديث عنه لابد ان يكون عملية عراقية بحتة وليس مؤامرة خارجية. * بعد اعتقال اوجلان, وخفوت حركة حزب العمال الكردستاني تقريبا, كيف يتعامل الغرب مع القضية الكردية , فالبعض يرى انها ورقة للضغط على تركيا؟ ـ الحالة الكردية في تركيا في مد ليست بين الاكراد في تركيا بل حتى لدى الاتراك والاحزاب التركية, واوجلان رهين السجن وقد صدر عليه حكم الاعدام ولكن من المستبعد ان ينفذ, لانه اذا ما اعدم فانه يكون من الصعوبة بمكان وصول تركيا الى الاتحاد الاوروبي, كما صرح بذلك كثير من قادة اوروبا. ورغم ان السياسة الداخلية التركية كانت قاسية على الاكراد في تركيا الا ان المشاعر القومية الكردية كانت في ازدياد وتوهج, وتمكن اوجلان خلال خمسة عشر عاما من بناء حزب قوي يتمتع بشعبية واسعة في تركيا وبامكانيات مادية هائلة, دون ان يتلقى الدعم الخارجي, ومنذ اعتقال رئيس حزب العمال الكردستاني فالقضية الكردية هي مثار النقاش والجدال داخل تركيا, فمثلا صرح مسعود يلماظ رئيس الوزراء السابق بان طريق وصول تركيا الى الاتحاد الاوروبي يمر عبر ديار بكر (اكبر مدينة كردية في تركيا) فاعتقد ان الاتجاه الذي يسود الآن في تركيا سواء لدى الاكراد ام الاتراك هو الاعتراف بالهوية القومية الكردية والتعايش البناء بحيث لا الكرد يفكرون بعمليات مسلحة من اجل حقوقهم بل من الممكن في الظروف الراهنة اتخاذ النهج السلمي في سبيل الوصول الى الحقوق القومية داخل تركيا ولا الترك يفكرون بسياسة التذويب القومي لان ذلك ليس من مصلحة تركيا اذا ما ارادت ان تستقر. نظرة عربية الى القضية الكردية الدكتور عبد الحسين شعبان احدى الشخصيات الوطنية العراقية البارزة, يشغل منصب رئيس منظمة حقوق الانسان العربية, كان ملف القضية الكردية من بين الملفات التي حملها معه طيلة عقود. * التقى الملا مصطفى البارزاني قبل 30 عاما, ويعده الاكراد صديقا لهم, اعد ابحاثا ودراسات عديدة وقفت الى الجانب الكردي, وهو الى كل ذلك داعية اساسي للاخاء العربي الكردي الذي يعده حجر الزاوية لبناء صرح العلاقة الاخوية الطوعية القائمة على اساس المساواة والادارة الحرة والتعاون والاهداف المشتركة بينهما, قال لنا عن نظرته لموضوع الدولة الكردية, ومستلزمات قيامها اذ سألناه: هل يسمح الجيوبولتيك في دوامها؟ ـ باستطاعتي القول, انه لا يوجد كردي واحد لايحلم بقيام دولة كردية والتئام وحدة الامة الكردية, فهذا امر طبيعي, ولكن قيام الدولة كحلم شيء والواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الكردي لدرجة اشبه بالكوابيس شيء آخر, فكردستان مجزأة بين تركيا وايران والعراق وسوريا واذربيجان وارمينيا وغيرها. وهي محرومة من حقها المشروع والطبيعي في قيام كيان كردي على اساس قواعد القانون الدولي ومبدأ حق تقرير المصير اسوة بالشعوب والامم الاخرى. ويزيد سكان كردستان على 35 مليونا, ويؤلفون وحدة جغرافية تتراوح مساحتها بين 40 الى 480 الف كم2. ومع ذلك فهي محرومة من قيام كيان مستقل بها, في حين اقيمت كيانات لجماعات وقبائل خرجت لتوها من الغابات واستطاعت ان تؤسس دولا واصبح علمها يرفرف فوق مبنى الامم المتحدة, بينما ظل الشعب الكردي لا يتمتع بأبسط حقوقه العادلة والمشروعة. اما من حيث المستلزمات لقيام دولة كردية, فهناك الشعب والرقعة الجغرافية, (الارض) والتاريخ والمزاج المشترك واللغة والدين , وحتى وجود اقتصاد متقارب, لكن غياب سلطة موحدة او مشتركة على كل او بعض اجزاء كردستان يحول دون ذلك, ناهيكم عن تعقيدات الجغرافيا السياسية. فدول المنطقة التي يعيش الاكراد بين ظهرانيها, تتفشى فيها النزاعات الشوفينية وتحكم بطريقة لا تسمح باقرار تطبيق حقوق الشعب الكردي والاقليات بشكل عام. انني اعتقد ان وجود انظمة ديمقراطية حقيقية في دول المنطقة وناجحة في تركيا وايران والعراق, يساهم في ايجاد حل سلمي وديمقراطي للقضية الكردية, وبالتالي يساعد في ايجاد نوع من الكيان الكردي سواء كان فيدراليا او غيره بحيث يلبي طموح الكرد ضمن مواصفات الجيوبولتيك والظروف السياسية, وباعتقادي ان ذلك بحد ذاته يساعد في تعزيز اواصر العلاقات الصداقية بين الكرد والشعوب العربية والايرانية والتركية ويوفر الارضية المناسبة لحل المشاكل القائمة على اساس الاعتراف بالآخر وبحقوقه, بشكل خاص حقه في تقرير المصير. * من خلال زيارتك للمنطقة الكردية في شمال العراق ولقاءاتك وصداقاتك مع القادة الاكراد .. وكباحث ومهتم بالشئون العراقية .. كيف تقيم كمفكر عربي بيان (مارس) بعد 30 عاما على صدوره؟ وهل قيام الكيان الكردي او الكيانين الكرديين الحاليين (كيان البارزاني وكيان الطالباني) هو المقدمة للانفصال؟ ـ د. شعبان: يمكنني القول ان بيان (اتفاقية) 11 مارس 1970 هو اهم واشمل نص قانوني, سياسي حصل عليه الشعب الكردي في تاريخه المعاصر منذ تأسيس الدولة العراقية في العام 1921, كما انه النص المتميز بالنسبة لدول المنطقة التي تعاني من مشكلة كردية, اذ وضع النواة الاساسية لحل سلمي معقول عن طريق التفاهم والتوافق بدلا من الحلول العسكرية والعنيفة التي فشلت جميعها. وعلى اساس بيان (مارس) تم صياغة قانون الحكم الذاتي لعام 1974 ورغم النواقص والثغرات الجدية التي احتواها, الا انه مثل تطورا مهما في نظرة احدى حكومات المنطقة الى القضية الكردية. وبموجب ذلك (اي بيان 11 مارس) تم تشريع دستور جديد (مؤقت) للعراق بتاريخ 16 يوليو 1970 (مازال منفذا) حيث تضمن على نص دستوري مهم عندما اشار الى ان الشعب العراقي يتكون من قوميتين رئيسيتين هما القومية العربية والقومية الكردية, وأقر بحقوق الشعب الكردي القومية والحقوق المشروعة للاقليات كافة ضمن الوحدة العراقية, كما ورد في المادة الخامسة من الدستور العراقي. ومع الاسف الشديد سارت الامور بعد ذلك باتجاه آخر, حيث اندلع القتال الذي ابعد كل امكانية للتفاهم والحل السلمي, واستخدمت الحكومة العراقية سياسة الارض المحروقة منزلة خسائر كبيرة بالسكان المدنيين, وبعد اتفاقية الجزائر عام 1975 بين الحكومة العراقية وايران قامت الحكومة بعمليات عقاب جماعي وتهجير قسري ومحاولة لتغيير الواقع, السكاني والتركيب القومي, مما الحق اضرارا بالغة بالمواطنين الاكراد وخلال الحرب العراقية ـ الايرانية استخدمت اقصى ما تستطيع للانتقام بحجة تعاون الاكراد مع (العدو) معتبرة اياهم (طابورا خامسا) فقامت بقصف حلبجة بالسلاح الكيماوي 16 ـ 17 مارس 1988 وشنت حملة شعواء اطلق عليها اسم (الانفال) راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الاكراد العزل. وتحول المجلس التشريعي والمجلس التنفيذي الى هياكل فارغة, لاقرار له حتى بموجب قانون الحكم الذاتي, الذي يعطيه بعض الصلاحيات وعندما اجتاحت القوات العراقية الكويت, في 2 اغسطس 1990 واندلعت اثرها حرب الخليج في 17 يناير 1991 وحصلت الهزيمة , قامت (انتفاضة) في كردستان العراق اضافة الى وسطه وجنوبه. وبعد صدور القرار 688 من مجلس الامن الدولي في 5 ابريل 1991 بادرت القيادات الكردية الى التفاوض مع الحكومة العراقية, لكن الطرفين لم يتوصلا الى اتفاق جديد بشأن (الحكم الذاتي) الذي اراده الاكراد موسعا ومضمونا, وظلت الكثير من المشكلات عالقة وماثلة , كما ان جسور الثقة لم يتم بناؤها ناهيكم عن نزاعات التفرد والتسلط وبعض التداخلات الخارجية التي حالت دون التوصل الى اتفاق جديد. وبعد فترة اواخر العام 1991 قامت الحكومة العراقية بسحب موظفيها وادارتها السياسية من المنطقة الكردية, باستثناء كركوك, مما اضطر الجبهة الكردستانية الى ملء الفراغ, خصوصا بعد ان قررت قوات التحالف وبخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا الى اصدار قرار باعتبار منطقة مافوق خط العرض 36 (منطقة آمنة) . بامكاني القول ان ماشاهدته حاليا في كردستان هو امتداد وتواصل فعلي للدولة العراقية, فالمجلس التشريعي اصبح (البرلمان) والمجلس التنفيذي صار (حكومة الاقليم) مع توسيع الصلاحيات بما ينسجم مع الظروف الجديدة وغياب السلطة المركزية وقرار البرلمان الكردستاني في 14 اكتوبر 1992 بالاتحاد الفيدرالي. والفيدرالية تعني التأكيد على انتماء الكرد للدولة العراقية وهي نفي قاطع للانفصال او التجزؤ, ولكنها في الوقت نفسه, محاولة في اعادة تأصيل العلاقة العربية ـ الكردية وتحديد المسئولية بين الدولة المركزية وبين المنطقة الكردية بما يوفر للأكراد ضمانات مستقبلية, وصلاحيات تنسجم مع تعقيدات المشكلة الكردية مستفيدين من تجربة الحكم الذاتي, وقد لمست ذلك من خلال محادثاتي مع مسعود البارزاني (رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني) ناجيرفان بارزاني رئيس وزراء حكومة اقليم كردستان في اربيل. ان القوانين العراقية الاساسية, مازالت سارية المفعول في كردستان, كالقانون المدني, والجنائي والتجاري والاداري واصول المحاكمات الجزائية والعقوبات والاموال الشخصية وقضايا التربية والتعليم والثقافة والصحة والبيئة والتملك والتأمين وغيره, وباستثناء بعض التعديلات او ابطال مفعول بعض المواد القانونية خصوصا التي فرضت عقوبات غليظة او مقيدة للحريات, فان معظم مظاهر الدولة العراقية باقية وكذلك مرافقها اللهم باستثناء اجهزتها الامنية. لقد اطلقت حرية التعبير في كردستان على نحو وفر من استقاء المعلومات ونشرها واذاعتها وفقا للمادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان, وتم ترخيص للفضائيات والمحطات التلفزيونية والصحف والمجلات واستخدام الصحون والكمبيوتر والانترنت, تلك التي لايزال العراق محروما منها في قسمه العربي بسبب الحصار اضافة الى اجراءات تقييد الحريات وقد ابلغني وزير الثقافة المبدع فلك كاكائي ان هناك 96 صحيفة ومطبوعة يومية واسبوعية تصدر بشكل مرخص به في منطقة الاقليم (اربيل). ان اندلاع القتال بين الفصيلين الكرديين الرئيسيين ساهم في تعطيل الكثير من قضايا حقوق الانسان سواء السياسية والمدنية او الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالاضافة الى الانتهاكات والخروقات, خصوصا وان عددا كبيرا من المواطنين تعرضوا للقتل والاعتقال والتهجير وتدمير الممتلكات مما زاد من سوء الاوضاع وذكرهم بالاستلاب المزمن الذي تعرضوا له على ايدي الحكومات المتعاقبة واذا كان تقسيم كردستان خطيئة فان القتال بغض النظر عن الدوافع والاسباب والمبررات, يعتبر جريمة, وانا كعربي وصديق للشعب الكردي اناشد الفصيلين مسعود البارزاني وجلال الطالباني ببذل ما يستطيعان لتطبيع الاوضاع وتهيئة المستلزمات لوضع حد نهائي للعنف واعتماد اسلوب حل الخلافات سلميا وعلى اساس الحوار والدعوة الى التسامح ووضع مصلحة الشعب الكردي فوق كل اعتبار. الحوار مع الاكراد * هل هناك امكانية للعودة الى بيان 11 مارس؟ وهل هناك اي حوار بين القيادات الكردية والحكومة؟ فغالبا ما نسمع ذلك, لكن كلا الطرفين لايؤكدان ولاينفيان .. ما حقيقة الامر؟ وهل للوضع الدولي اي دور سلبي في ذلك؟ ـ لايمكن اعادة القديم الى قدمه, فبيان مارس وصل الى طريق مسدود بسبب عدم توسيع قاعدة المشاركة السياسية واختيار طريق التفرد والاستئثار بالحكم, وليس الامر يتعلق بالاكراد وحدهم, بل ببقية القوى الوطنية والقومية واليسارية واضيف الآن والاسلامية, واشتداد نزاعات التسلط والاستبداد, تلك التي قادت البلاد الى حربين لم يكن لهما مبرر على الاطلاق. يمكن لبيان (اتفاقية) 11 مارس ان يكون اساسا صالحا يتم البناء عليه, خصوصا بوجود نصوص دستورية تعترف بـ (القومية الكردية) و (حقوق الشعب الكردي) كما اشرت, كما يمكن تقديم ضمانات جديدة للاكراد بتوسيع دائرة مشاركتهم في صنع القرار وحكم انفسهم وتشريع قوانينهم وانظمتهم في المنطقة الكردية المشمولة بالحكم الذاتي الموسع او بالفيدرالية (حسب التوجهات الكردية) وذلك بشكل حر ودون هيمنة حكومية. إن ذلك سيكون مقدمة او عربونا للاتفاق, الذي لابد ان يتم على اساسه توسيع قاعدة المشاركة السياسية والاعتراف بالآخر وتأكيد مبدأ تداولية السلطة سلميا واقرار التعددية والتخلي الصريح عن اعمال القمع ونبذ العنف, تمهيدا للاعتراف وتطبيق مواثيق حقوق الانسان الدولية, في ظل المساواة وسيادة القانون. اما عن الحوار فانك لا تستطيع القول انه موجود او غير موجود, بل انه قائم ومنقطع في آن, فالحوار للتوصل الى صيغة سياسية ملائمة لم يتم مباشرته او استئنافه, لكن الحوار واللقاءات حول قضايا فنية واقتصادية وتجارية وخطوط مواصلات, بما فيها تبادل الوفود الرياضية وغيرها لم ينقطع في كل الاوقات وبنظرة الى الصحافة او وكالات الانباء نجدها تؤيد ذلك. ان للوضع الدولي تأثيرا على حل القضية الكردية سواء كان الامر سلبا او ايجابا, فالقضية الكردية اصبحت دولية ومنذ صدور القرار 688 الذي دعا الى وقف القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون في المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق, عادت القضية الكردية الى الاروقة الدولية, خصوصا بالتأكيد على ان هذا القمع هو تهديد للسلم والامن الدوليين. ان وجود (المنطقة الآمنة) يعني حماية الولايات المتحدة وبريطانيا للمنطقة وبالتأكيد فان ذلك يؤخذ بنظر الاعتبار عند العلاقة مع بغداد ولكن هذه الحماية لن تستمر الى مالا نهاية ولابد من التفكير بحل داخلي يضمن حقوق الشعب الكردي, وهذا الامر مطروح على حكومة بغداد قبل غيرها. فقد جربت الحكومات المتعاقبة وبضمنها الحكومة القائمة الحلول العسكرية لكنها جميعها وصلت الى طريق مسدود ناهيك عن كونه محفوف المخاطر. وان ارادت بغداد حقا رفع الحصار الدولي الجائر فلابد لها من اجراء اصلاحات داخلية دستورية وسياسية واتخاذ خطوات انفتاحية حقيقية وايقاف التعقيبات والملاحقات القانونية والعشوائية وحل المشكلة الكردية كخطوة مهمة واساسية لتطبيع الحياة السياسية, والغاء صيغة الحزب الواحد والنظام الشمولي ومواكبة روح العصر. والا فان استمرار هذا الوضع سيؤدي الى المزيد من الكوارث ويفضي الى نتائج وخيمة لجميع الاطراف بل انه سيترك بصمات ليس على الجيل الحالي بل على الاجيال المقبلة, فالعراق تحول الى (معسكر لاجئين) واخذت القرارات الدولية تطحن عظام العراقيين بعد ان كان بلدا مرفها ومزدهرا رغم الاخطاء والنواقص والسلبيات. ازدواجية المعايير الغربية * اوروبا وامريكا تدافع عن الاكراد .. لم تتخذ الموقف ذاته ازاء الاكراد اقليميا؟ ـ لاوروبا وامريكا مصالحهما .. وهما تسعيان لتأمين هذه المصالح, التي تقتضي من جانب القوى المتنفذة في الساحة الدولية, استمرار الحصار ضد العراق واستمرار ضرب مواقعه العسكرية ومنشآته الحيوية صاروخيا بشكل يكاد شبه يومي منذ اواخر العام 1998. واستمرار فرض القرارات المجحفة والمذلة عليه والتلويح له بمشاريع مشبوهة. والغرب عموما يتعكز على قضايا ويهمل اخرى, بما يؤدي في كثير من الاحيان الى الازدواجية في المعايير والانتقائية في المواقف, فهدر حقوق الانسان كلمة حق يراد بها باطل عندما تتعلق بالمصالح ولذلك فانه لايضع ضمن اولوياته مسألة تأمين احترام حقوق الانسان في العراق وهي المسألة الأخطر سواء باستمرار الحصار الذي اصبح وسيلة من وسائل الابادة الجماعية وسلاحا فتاكا او قبله, فانتهاكات حقوق الانسان حسب فان ديرشتويل المقرر الخاص للجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة (91 ـ 1999) والذي قدم استقالته : استثنائية وتتطلب جهودا استثنائية لمعالجتها لكن الولايات المتحدة لم تضع ضمن اولوياتها تطبيق القرار 688 وهو القرار اليتيم الذي لم يصدر ضمن الفصل السابع, بينما اصرت وتصر على تطبيق القرار 687 الذي عوم وجرح سيادة العراق وارتهن موارده ومستقبله لاجيال طويلة والقرار 715 الخاص بتدمير الاسلحة وغيرها. واذا كان الموضوع الكردي العراقي ساخنا فلأن السياسة الغربية ايضا تريده كذلك, بينما لم ترغب هذه السياسة في ايلاء كبير اهتمامها لمعاناة نحو 20 مليون كردي تركي ونحو 10 ملايين كردي ايراني وغيرهم, وان كانت ضرورات السياسة تستجيب لديها احيانا فانما للضغط على البلدين, وليس انحيازا انسانيا وقانونيا ومبدئيا وهنا ايضا نلاحظ الازدواجية والانتقائية في المعايير حتى ازاء القضية الواحدة. دور الاحزاب الكردية * هل يمكن القول ان الاحزاب الكردية يمكن ان تلعب دورا ايجابيا في التغيير داخل العراق, ام ان قضيتهم الخاصة هي الاساس .. كيف ترى صورة البارزاني بعد 30 عاما وبعد 21 عاما على غيابه؟ ـ د. شعبان: اعتقد ان الاكراد لمسوا بتجربتهم الخاصة انه لايمكن حل القضية الكردية دون حل قضية التحول الديمقراطي في العراق ككل, ولذلك فهم الآن اكثر من اي وقت مضى يبحثون عن حل وطني عراقي على اساس ديمقراطي. ويفضلون صيغة الفيدرالية التي وافق عليها البرلمان الكردستاني بالاجماع, لاعتقادهم ان الحل الوطني العراقي يشكل الاساس الوطيد الذي يمكن تشييد كيانهم الخاص فوقه على اساس التكافؤ والمساواة والتعاقد الحر والاتحاد الاخوي الاختياري وطبقا لحق تقرير المصير. واعتقد ان القيادات الكردية تتحلى بالكثير من الواقعية والمرونة وبعد النظر سواء قيادة البارتي والاخ مسعود البارزاني او قيادة الاتحاد والاخ مام جلال الطالباني, فقد ادركوا جميعا ان فداحة غياب الديمقراطية يمكن ان تعرض كل ما تحقق للضياع والتبديد ويضع بعض الحلول الايجابية في مهب الريح. وتجربة بيان (اتفاقية) 11 مارس خير دليل على ذلك. لقد ادرك مصطفى البارزاني اهمية الترابط العضوي بين القضية الكردية وبين الديمقراطية للعراق ككل, وقد تلمست ذلك عندما التقيته بعد بيان 11 مارس عام 1970, حيث جئته على رأس وفد من بغداد مهنئا وشاكيا في الوقت نفسه من تجاوزات حكومية ضد قوى وطنية وقومية ويسارية عربية, وقد اتخذ حينها موقفا حازما ضد الارهاب ووعد ببذل ما يستطيع لوقفه, منددا بمحاولات احتكار العمل السياسي, معبرا بطريقته الخاصة عن الاخاء العربي الكردي بالاشارة الى ان الجزء الكردي من الجسم العراقي لا يمكن ان يكون معافى ان لم يكن الجزء العربي من العراق في صحة سليمة. وكانت تلك اول اشارة سلبية منه ضد الحكومة العراقية فلم يبال بما سيكون عليه مصير بيان 11 مارس حين وجه نقده الشديد للحكومة العراقية, طالما كانت بداية الاتفاق غير مشجعة, وهو ما ادركه على نحو مبكر واثبتت الحياة صحة هذا التوجه. اعتقد ان الحركة الكردية لعبت دورا ايجابيا باستمرار ازاء قضية الديمقراطية فهي من اكثر الفئات ضررا بغيابها واكثر التكوينات القومية عزلا بسبب انعدامها والاكثر هضما للحقوق جراء التنكر لها, ولذلك فان من مصلحة الكرد قبل غيرهم انجاز مشروع التحول الديمقراطي الحقيقي الذي لابد ان يعترف بحقوقهم المشروعة ولذلك ترى تلازم العام (الديمقراطية) مع الخاص (الحقوق القومية) في ارتباط عضوي لايمكن فصمه. وكلمة اخيرة بخصوص الزعيم البارزاني فقد كان وطني الهوى, قومي الملامح, عراقي الانتماء, كردي المشاعر, واستطاع ان يجمع في شخصه الكثير من عناصر القوة فاضافة الى الشجاعة والحكمة والصلابة والمرونة, كان بامكانه التقاط ماهو جوهري من الاشياء, وفوق كل ذلك كان واقعيا وعقلانيا في نظرته ولذلك كان دقيقا في صوغ شعاراته السياسية ومطالبه, استفاد من تجربته الغنية وتعلم اهمية الاعتماد على الذات وبخاصة بعد هزيمة عام 1975 وغدر القوى الدولية والاقليمية, وذلك بتقديري احد الدروس التي ينبغي اخذها بنظر الاعتبار.