داريل: من الذي قال ان البريطانيين سيرحلون عن قبرص ، المخابرات البريطانية تهدد مكاريوس بالخناجر التركية على أعناق اليونانيين كلما اوغل القارئ في متابعته لتاريخ العمليات السرية او الخاصة التي خطط لها او قام بها جهاز المخابرات الخارجية البريطاني الام.آي.6 ازدادت معرفته بأنه في عالم هذا الجهاز في الشرق الاوسط كل الطرق تقود الى قبرص. ومن يدري ربما لم تكن هذه الملاحظة متعلقة بالتاريخ فحسب, فنحن جميعاً نعلم ان البريطانيين لا يزالون جاثمين في قاعدتهم العتيدة في اكروتيري, وان علاقاتهم, انطلاقاً من (جزيرة افروديت) كما يحلو للكثيرين وصف قبرص, بالسي.آي.ايه وبالموساد وبدزينة بكاملها من اجهزة مخابرات العالم, أو اكثر, هي كما يقولون (على عينك يا تاجر!) . وليس من قبيل الصدفة ان الانجليز حولوا فاماجوستا الى ساحتهم المفضلة للتعامل مع مشكلة الهجرة غير الشرعية لليهود الى فلسطين, وليس اتفاقاً ان محطة الام.آي.6 عندما طرد أحد رجالها من طهران اقامت محطة منفى في قبرص. وليس عبثاً, ولا لهو لاه ان جمال عبدالناصر لم يعلن تأميم الشركة العالمية لقناة السويس المصرية شركة مساهمة الا بعد ان تأكد بما لا يدع مجالاً للشك ان اوضاع الاستعداد البريطانية في قبرص على وجه التحديد ليست من التكامل بحيث تتيح للانجليز الوثوب على مصر لازهاق انفاس الحركة الوطنية فيها. هذه الحالات ضربناها على سبيل المثال لا الحصر لنلقي الضوء على الاهمية البالغة لقبرص بالنسبة للاجهزة البريطانية العتيدة, وبوسعنا في ضوء هذا ان نتخيل مدى الضراوة التي تحركت بها عندما فوجئت بتحرك وطني لتحقيق استقلال الجزيرة, وهو ما كانت ترى انه شيء لا يمكن ان يخطر لأحد على بال, دع جانباً ان يتحول الى واقع حي ومعاش وملموس. هكذا تكلم داريل اياً كان الامر فإن مؤلفنا العتيد ستيفن داريل ينقلنا الى قلب هذه الاجواء عندما يوضح لنا ان الاسقف مكاريوس, رأس الكنيسة الارثوذكسية اليونانية في قبرص, قد التقى سراً في يوليو 1952 في اثينا بكولونيل جورج جريفاس, الذي كان قد نظم خلال الحرب العالمية الثانية حركة المقاومة اليونانية المعروفة تقليدياً باسم (اكس) وكان الهدف من هذا اللقاء هو تحقيق (الاينوسيس) او الاتحاد السياسي بين قبرص واليونان. ان هي الا ثلاثة اشهر انقضت من عمر الزمان بعد هذا الاجتماع حتى كان كولونيل جريفاس ينطلق الى (جزيرة افروديت) في زيارة قصيرة استهدفت الاعداد لحملة حرب عصابات ضد المحتلين الانجليز, واشتد التصميم على المضي قدماً في هذا الطريق اياً كان مدى وعورته عندما اكد هنري هوبكنسون, وزير المستعمرات البريطاني انه لا يمكن ان يتوقع على الاطلاق ان تصبح قبرص مستقلة بصورة كاملة. وواقع الامر انه استجابة لمشكلات مالية وصعوبات في الدول العربية تم اختيار قبرص, كجزء من عملية اعادة انتشار للقوات البريطانية, لتكون قاعدة متقدمة للقوات البرية والجوية البريطانية في الشرق الاوسط, وزاد الطين بلة ان هذا القرار قد اتخذ على مستوى رؤساء اركان حرب بريطانيا, وبالتالي لم يبد في الافق اي امكانية للتراجع عنه في المستقبل المنظور. واسند رؤساء الاركان الى قبرص التي كانت تقع خارج المنطقة التي تغطيها معاهدة حلف الاطلسي دور حاملة لواء (برستيج) بريطانيا او ان شئت حاملة لواء مكانتها في الشرق الاوسط, وجعلوها مقراً مشتركاً لقيادة القوات البريطانية ومنظمة الدفاع عن الشرق الاوسط, التي خططوا لانشائها. وعلى الرغم من هذه الخطوات, فإن هنري هوبكنسون علّق بقوله: (لست ارى اي سبب يدفع الى توقع بروز صعوبات في قبرص نتيجة لهذا التصريح) . وقد اعطى الكاتب لورنس داريل مؤلف رواية (الليمون المر) التي شكل تأليفها الغطاء لتعيينه مديراً للعلاقات العامة لحكومة قبرص اعطى التبرير التقليدي للوجود البريطاني في الجزيرة لتشارلز فولي مؤسس صحيفة (تايمز اوف سايبرس) حيث قال داريل: (ليست هناك امة اكثر ولاء لمبدأ حق تقرير المصير من امتنا, ولكن الوضع في قبرص ببساطة هو انها ليست واردة في هذا الصدد فسلسلة الانسحابات البريطانية الطويلة.. لا بد ان تنتهي, ولا يمكن السماح للجزيرة بأن تنزلق الى ايدي حكومة يونانية غير مستقرة, فذلك ربما يقوض الجناح الشرقي للناتو, وهناك ايضاً الاقلية الناطقة بالتركية التي يتعين اخذها بعين الاعتبار, والتي تشكل ثمانية عشر في المئة من السكان, والذين يعارضون ادخال اي تغيير, ونحن ملزمون بواجب نحوهم, والى جوار هذا فإن تركيا لعبت دوراً حيوياً في الناتو) . وفي وقت لاحق كتب جون بروس لوكهارت من ضباط الام.آي.6 يقول حول هذا الموضوع: (اثرت تحريات المخابرات السريعة والدقيقة في القرارات على المستوى الحكومي (في قبرص, وان اي نجاح احرزه البريطانيون ضد ما اسماه بالتمرد او الحرب الصغيرة التي اعقبت ذلك كان راجعاً الى حد كبير الى الجواسيس, وذلك على الرغم من ان الامر استغرق وقتاً طويلاً لاعداد آلية جمع معلومات المخابرات. وعلى ذمة نايجل وست فإن المفتاح الرئيسي في الفترة من 1953 الى 1957 كان يكمن في العمل المتميز الذي تم القيام به وراء الكواليس في اثينا من قبل كريستوفر فيلبوتس رئيس محطة الام.آي.6 ونظيره في السي.آي.إيه. آل اولمر. وقد قام الرجلان بتنظيم عدد من العمليات التي اعطت نتائج مثمرة الى حد بعيد فضلاً عن ادراج عدد من القيادات البارزة في الادارة اليونانية في قائمة من يتلقون رواتب ثابتة منهما وساعدت السيطرة التي احكماها على المصادر الفنية في ضمان ان تحكم البحرية الملكية حصارها لمنع رجال حرب العصابات في قبرص من تلقي الامدادات بحراً وقد كان فيلبوتس خياراً مثالياً في هذا الصدد حيث خدم في صفوف البحرية الملكية منذ عام 1932 وخلال الحرب العالمية الثانية خدم في اسطول الغواصات التاسع قبل ان ينضم الى جهاز الام.آي.6 ويعمل مع (بحريته الخاصة) . ايوكا تضرب قبالة ساحل خولوراكاس وفي يناير 1955 وبمساعدة معلومات من عميل سري للام.آي.6 تمكنت سفينة البحرية الملكية (كوميت) من اعتراض السفينة (ايوس جورجيوس) وعلى متنها عشرة آلاف اصبع ديناميت وكان ممن تم اعتقالهم في هذه العملية سوكريتس لويزيدس احد معاوني كولونيل جورج جريفاس والمحامي الذي يتخذ من اثينا قاعدة لنشاطاته وقد أمد المخابرات البريطانية بوثيقة (تشهد على وجود منظمة ثورية مسلحة وجيدة التنظيم تتآمر للاطاحة بحكومة قبرص) . وبدلاً من ان يؤدي هذا الاكتشاف الى تحذير ادارة قبرص من الخطر المحتمل فإنه قاد الى الاعتقاد بأن الانتفاضة وئدت في مهدها, بينما هي في حقيقة الامر لم تكن قد بدأت. وخلال الربيع شنت المنظمة الوطنية لمقاتلي قبرص المعروفة اختصاراً بالاسم الرمزي الشهير (ايوكا) شنت سلاسل من عمليات التفجير في طول الجزيرة وعرضها ولم يكتشف الفرع الخاص المحلي الذي يسيطر عليه جهاز الام.آي.5 الا في نوفمبر 1955 ان (الزعيم) الغامض لايوكا ليس الا كولونيل جريفاس. اوضحت عمليات التقويم التي قامت بها لجنة مخابرات قبرص في الخريف ان معلومات المخابرات عن (ايوكا) فقيرة الى حد البؤس واكتشفت اللجنة انها لا تعرف شيئاً عن اتصالات جريفاس مع قبرص او الاسقف مكاريوس او القادة الوطنيين او اليونان غير انها اقرت بأن حملة الدعاية التي شنتها (ايوكا) قد وضعت في المقام الاول للتأثير على الرأي العام العالمي وان استخدام العنف كان شيئاً شديد الاهمية بالنسبة لسعيها وراء التعريف بها وبأهدافها, وكان تكتيك جريفاس هو التحرك لإجبار السلطات على الدخول في حوار. وبادرت اللجنة الى ايضاح رفضها المطلق لأي مفهوم يقول ان ايوكا جزء من حركة مقاومة شرعية تسعى وراء الاتحاد بين قبرص واليونان ونظر فيلد مارشال سيرجون هاردنج وخبراؤه الامنيون والعسكريون المتشددون الى ايوكا من منظور كونها مؤامرة وليس تعبيراً عن السخط الجماهيري. وكان الرأي ورد الفعل الامريكي في الامم المتحدة على جانب كبير من الاهمية بالنسبة لبريطانيا ولوزارة المستعمرات وتم ارسال عدد من افضل خبراء الدعاية البريطانيين الى قبرص لتنظيم حملة مضادة هناك وكان المدير العام للاعلام هو ليسلي جلوس الذي تولى رئاسة الحرب النفسية في الشرق الاقصى خلال الحرب العالمية الثانية ثم رئاسة قسم الاعلام في منظمة الدفاع عن الشرق الاوسط, وذلك قبل الحاقه برئاسة الاركان في عام 1955. وكما اكتشف تشارلز فولي, فإن ضباط الاعلام لم يدخروا جهداً في اكتساب الصحافة الاجنبية بقصص تنتمي الى عالم الدعاية السوداء. عملية (حفل الشاي) في هذا الاطار تبرز العملية التي اطلق عليها الاسم الرمزي (حفل الشاي) والتي كانت عملية دعاية سوداء أصيلة ادارها قسم الابحاث الاعلامية, حيث جاء في منشورات سلمت للصحافيين ان تلميذات المدارس قد (طلب منهن ممارسة الدعارة مع زملائهم في منظمة ايوكا) وجاء في كتيب وزع لاحقاً وصف مفصل لـ (العلاقات الجنسية لمثل هذه الفتيات مع اعضاء مجموعات القتل.. وتضمنت الزعم بأن احداهن اقامت علاقة مع عشيقها الاول وهي في الثانية عشرة من عمرها. اصبحت دائرة الابحاث الاعلامية شوكة في لحم وزارة المستعمرات البريطانية, وذلك لاصرارها على تقديم المشكلة القبرصية من خلال الاشارة الى خطر الشيوعية, وتم تسريب فحوى تقارير مخابرات سرية للمراسلين الامريكيين الذين قيل لهم ان وثائق تم وضع اليد عليها ـ بينما لم يروها على الاطلاق ـ قد اكدت ان ايوكا مرتبطة بالشيوعيين, وقد كانت تلك رؤية مشوهة تماماً, فالصلة بين الحزب الشيوعي القبرصي المعروف اختصاراً باسم (اكيل) وبين ايوكا كانت محدودة للغاية في افضل الاحوال, بل ان ايوكا في حقيقة الامر كانت معادية للشيوعيين واشتبكت في نزاع مع (اكيل) الذي بادر بالفعل الى ادانة ما وصفه بالارهاب. عند هذا المنعطف سيتم شن حملة ضارية مضادة لنشاط حرب العصابات ستعرف باسم العملية (بيبربوت) والتي احرزت بعض النجاح خلال ربيع 1956 عندما اجبر جريفاس على العمل سراً, او النزول تحت الأرض, ان شئت, في جبال ترودوس. وخلال هذه العملية وعن طريق عميل تلقى مبلغاً طائلاً, وضع الفرع الخاص يده على يوميات جريفاس السرية, ولم تكشف اليوميات عن تورط الاسقف مكاريوس في حرب العصابات فحسب وانما انطبق الامر نفسه على نائبه الاسقف انتيموس, والمارشال بابا جوس رئيس الوزراء القبرصي الاسبق وكذلك العديد من الشخصيات البارزة في قبرص واليونان. ورسمت اليوميات صورة شاملة لنزول جريفاس سراً على شاطئ قبرص واجتماعاته مع مكاريوس وكشفت النقاب عن ان الاسقف سيطر على امور ايوكا المالية والامدادات الخاصة بها واوضحت الموعد الذي ستبدأ فيه الانتفاضة ومحطات حملة رجال العصابات من بدايتها حتى الحملة التي شنها الجيش للتفتيش قبل اشهر قلائل عندما تم طرد جريفاس من الجبال, كما تضمنت المخابئ والشيفرات وقوائم بأسلحة ايوكا. بناء على هذه المعلومات قررت الحكومة البريطانية في مارس ترحيل الاسقف مكاريوس الى جزر سيشل في المحيط الهندي. وفي غضون ذلك عرض جريفاس ايقاف العمليات التي يصفها البريطانيون بالارهابية ووقف اطلاق النار للسماح باحراز تقدم في المفاوضات. ويتذكر وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية انطوني ناتنج انه (بدلاً من انتهاز هذه الفرصة لاحضار مكاريوس الى الجزيرة واجباره على اجراء المزيد من المحادثات حول التوصل الى تسوية في مناخ لا يتم بالارهاب) فإن انطوني ايدن (رحب بعرض جريفاس وتصرف على هذا الاساس وعرض على ايوكا البديل المتمثل في القاء سلاحها والترحيل او القضاء عليها تماماً على يد القوات المسلحة البريطانية وقد تم رفض هذا العرض بالطبع. وعندما شن البريطانيون عملية غزو السويس انتهز جريفاس الفرصة لاطلاق حملة حرب عصابات بعنف مرير ومتجدد, وعندما عاد رجال المظلات الذين احتلوا بور سعيد الى قبرص, قام عدد من أكثرهم شعوراً بالمرارة بتقديم اسلحتهم لايوكا, التي قامت كذلك بمجهود كبير لاقناع الجنود الفرنسيين بمساعدة حملتهم. أعلنت حالة الطوارئ في قبرص رسمياً في نوفمبر 1956 وخلال الاشهر التي اعقبت ذلك قدر لايوكا ان تبرهن على قدرتها على ان تتجاوز في العنف اي شيء شهدته الجزيرة منذ بداية الانتفاضة. ولم يكن مستشار الخارجية البريطانية لشئون الام.آي.6 جيفري مكدرموت يقدر كثيراً الرجل المسئول عن قوى الامن وهو ميجور جنرال كيندرو الذي وصف بأنه (رجل شجاع ولكنه لا يتمتع بعقلية القائد الحديث) حيث قام بنشر ثلاثين الف رجل من دون ان يقوم اولاً بتوفير معلومات المخابرات الضرورية حول الاماكن التي ينبغي ان يتصدوا فيها لرجال حرب العصابات. كانت المعلومات حاسمة في هذه المرحلة, ولكن على الرغم من المكافآت المالية الكبيرة التي عرضت لكل من يقدم المعلومات المطلوبة, فإن النتائج كانت هزيلة, ويرجع ذلك في المقام الاول لان ايوكا كانت لا تأخذها الرحمة بالعملاء, وكانت قد قامت حتى هذه المرحلة باطلاق النار على خمسين عميلاً ومرشداً, ومن هنا فإن قوى الامن لم يكن لديها الحد الادنى من المعرفة بالمواضع التي ينبغي ان تنطلق منها. وتزايدت عمليات انتزاع المعلومات من خلال جلسات التحقيق وسرعان ما تردت الى التغذيب, الذي يجلد الاسرى في اطار بالسلاسل المعدنية, وحتى صحيفة (الديل اكسبريس التي كانت تنشر كل المعلومات المضللة التي يمررها اليها خبراء الحملات الاعلامية, لم تستطع الا ان تلاحظ, وان كان ذلك بصورة عابرة ان (كل الطرق المعروفة تم تجريبها باستثناء الصدمات الكهربائية) . من ترودوس الى نيقوسيا في ديسمبر 1957 اعلن عن اسناد منصب حاكم قبرص الى سيرهيو فوت بدلاً من هاردنج الذي كان قد اعفي من منصبه في 9 اكتوبر من العام نفسه وعلى الرغم من ان فوت كان يحظى بكراهية شديدة من جانب قوى الامن وبصفة خاصة في جهازي ام.آي.6 وام.آي.5 لانه كان يتجنب عمليات الضغط على رجال ايوكا التي تبدو بلا طائل, فإنه استهل معالجته للعلاقات العامة بشكل مدو حيث اجرى بنفسه تعديلات عديدة في المناصب في هذا الميدان ولم يكن من قبيل الصدفة ان اختارته صحيفة (تايمز اوف سايبرس) باعتباره (رجل العام والتحدي للمتشائمين) . وفي عام 1958 بلغ العنف ذروته في قبرص, وتمثل رد فعل البريطانيين على ذلك في اعادة تنظيم اجهزة الامن مع احضار جون برندرجاست من كينيا, حيث كان يتولى منصب مدير المخابرات والامن, لتولي دور التنسيق في اطار منصب جديد هو منصب رئيس المخابرات. في الوقت نفسه, وبدعم من رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان, اقنع وزير المستعمرات جوليان ايمري كلا من جورج يونج وجون بروس لوكهارت بأن جهاز الام.آي.6 ينبغي ان يشارك بكل ثقله في قتال ايوكا. وبعد ان امضى ستيفن هاستنجز فترة في باريس نقل في اواخر 1958 سكرتير اول في المكتب السياسي لقوات الشرق الاوسط في قبرص, حيث اكتشف على حد تعبيره (جزيرة غارقة في صراع مرير وفي نهاية المطاف كارثي مع ايوكا, ووجد ان ما يسميه بالحركة الارهابية (لا تزال تغلى بصوت مسموع والعادة القديمة المتمثلة في القتل والعنف تفور تحت السطح بينما ازداد العداء القديم بين اليونانيين والاتراك الى حد الانفجار) . وهو يلفت نظرنا الى مسألة لا ينبغي ان تغيب عن كل من يهتم بتاريخ اجهزة المخابرات ودورها الخطير في الحياة السياسية للشعوب, فهو كان مسئولاً عن المخابرات الخارجية, وهو دور جلب له بعض الاحباط وبصفة خاصة (من خلال التنافس الطفولي بين اجهزتنا الامنية المختلفة) وازعجه ان يكتشف انه (في وسط هذا الغليان كانت الحاجة ماسة إلى معلومات المخابرات البريطانية الجيدة التي كانت ناقصة على نحو رهيب, وبسبب حالة الطوارىء كان الفزع الخاص تم دعمه بالطبع, من جانب جهاز (الام. اي. 6) و(الام اي. 5) والمخابرات العسكرية, وعقدت لجنة مخابرات اجتماعات اسبوعية ولم تستطع رئاسة سير جورج سنكلير المتسمة بالود للجنة ان تخفي ما بجناحها من ريبة وشك, وترك لبرندرجاست, ان يقوم على وجه السرعة بفرض سيطرة فعالة على هذا التجمع للقوى الذي تسوده مشاعر الخلاف والغيرة. وكان منصب حاكم قبرص قد اسند إلى هيوفوت بهدف اجراء مفاوضات للتوصل إلى تسوية, واخذاً بهذا الاعتبار تم اطلاق سراح الاسقف مكاريوس من سيشل والسماح له بالعودة إلى اثينا استعدادا للخطوات الدبلوماسية التي ستلي ذلك. واعتقد جهاز (الام. اي. 5) وفي المقام الاول مدير فرع شئون المستعمرات بيل ماجان وكذلك جهاز (الام. اي. 6) انه اذا اريد للمفاوضات ان تتاح لها فرصة التوفيق فلابد من القاء القبض على جريفاس أو لابد من رصده وعزله وتصفيته. وعلى الرغم من ان الجيش شن حملات تفتيش هائلة الا انه فشل في العثور عليه, ومع تردي الموقف وافق الحاكم هيوفوت على استدعاء اجهزة الامن لمطاردته. واستشار ماجان الضابط الاختصاصي الفني في جهاز (الام. اي 5) بيتر رايت الذي اعرب عن اعتقاده بانه بالاستعانة بضابط اتصال الدفاع كولونيل فيليب كيرلي ـ جرين, فان من الممكن رصد جريفاس وذلك وذلك بتتبع اتصالاته, وقد انضم إلى رايت جون وايك افضل خبير فني في اجهزة الهاتف في (ام. اي. 6) وذلك للمساعدة في التصنت على مكالمات مكاريوس الهاتفية, وقد رمت هذه العملية إلى تحقيق هدفين اثنين اولهما رصد اجهزة استقبال اللاسلكي التي كانا على يقين من ان جريفاس يستخدمها, ثم دس جهاز استقبال لاسلكي على ايوكا يحتوي على مرشد لاسلكي, وقد تم وضع هذا الجهاز في شحنة اجهزة استقبال لاسلاكية تم شراؤها في مصر من تاجر سلاح قبرصي يوناني جنده جهاز (الام. اي. 6) . ويتذكر ها ستنجز ان عملية الاحداث بدأت في الانطلاق, وكان جريفاس قد راوح البريطانيين على امتداد سنوات متنقلا من مخبأ إلى اخر في جبال ترودوس, ولكنه في هذه المرحلة وبتدبير من مكاريوس انتقل من الجبال إلى نيقوسيا وقدر ان الامر سيقتضي ستة اشهر لاكمال (صنشاين) وهو الاسم الرمزي للعملية التي اعدت للقضاء عليه. الشمس التي لم تشرق غير ان شمس هذه العملية غربت قبل ان تقدر لها لمحة من شروق, حيث الغيت قبل ان يقدر لها الحد الادنى من الاكتمال لانه خلافا لكل توقعات خبراء اجهزة المخابرات البريطانية بدأ السياسيون في احراز تقدم, ووصل جيفري مكدرموت إلى قبرص قبيل عيد الميلاد في 1958 باعتباره ممثلا للخارجية البريطانية في ابيسكوبي حيث وجد المناخ مشحوناً بالمشاعر, وكان هيوفوت قد مارس حقه في الرحمة فيما يختص باثنين من رجال ايوكا صدر الحكم عليهما بالاعدام, وقد ادى هذا على حد تعبير مكدرموت إلى (نهاية مبكرة للارهاب حيث كان الارهابيون يلوذون بالفرار على اي حال. وصعق المشاركون في عملية (صنشاين) حيال هذا التطور وازدادوا سخطا على حاكم قبرص, الذي اعتقدوا انه واقع تحت تأثير فكر عائلته اليساري, بأكثر مما هو واقع تحت تأثير متطلبات مصلحة بلاده. وفي غضون ذلك كان كريستوفر فيلبوتس قد تم تحميله رسالة هادئة إلى اليونانيين قوامها انهم اذا اصرو على الدفع باتجاه اتحاد قبرص واليونان فان ذلك قد يعني الحرب مع تركيا وربما تداعي الناتو. هكذا بدأت مفاوضات بين وزيري خارجية اليونان وتركيا في اواخر 1958 واستمرت حتى فبراير 1959 في اطار مؤتمر دستوري في لانكستر هاوس, وفي الوقت نفسه جعل هارولد ماكميلان ايمري مسئولا عن اجراء محادثات مع كبير مساعدي مكاريوس وهو جلافكوس كليريوس. ويلفت نظرنا ان من هذه البداية المبكرة سيبدأ اللعب على التناقضات في الجزيرة الذي سيصل في قمته إلى ابعاد كارثية بعد عقود, فالمؤلف يشير إلى انه عندما هدد مكاريوس بالاحتكام إلى العنف ما لم تتم تلبية شروطه للتسوية ابلغه ايمري بانه سيتم سحب القوات البريطانية من الجزيرة وعندئذ فان الاتراك على حد تعبيره (سيحزون رقاب اليونانيين) وعندها تراجع مكاريوس. في العاشر من فبراير ,1959 التقى رئيسا الوزراء اليوناني والتركي في ميونيخ واعلنا التوصل إلى اتفاق بشأن قبرص, وحصلت الجزيرة على استقلالها مع دور مضمون للاقلية التركية في اطار الحياة السياسية, ولكن مع استبعاد اتحاد الجزيرة مع اليونان, وانتخب مكاريوس رئيسا لقبرص في 1959 وعين الدكتور فاضل كوتشوك زعيم القبارصة الاتراك نائبا للرئيس, وهكذا وضعت نهاية لسفك الدماء, إلى حين. وحددت مصالح بريطانيا في الجزيرة رسميا بانها مصالح استراتيجية خالصة, حيث اعتبرت الجزيرة قاعدة ثابتة تنطلق منها لندن للدفاع عن مصالحها في الشرق الاوسط, بينما يشير المؤلف إلى أن مجلس الوزراء البريطاني كشف في وثيقة من وثائقه تعود إلى عام 1958 عن انه تم الاقرار وراء الكواليس بان الجزيرة ليست مهمة استراتيجية بالنسبة لبريطانيا, وان البريطانيين لم يكونوا على استعداد لمواجهة الحقيقة, وفرضوا الرحيل عنها لاسباب تتعلق بـ (البرستيج) أو (المكانة) أو (المنظرة) اذا شئت. وهكذا فان اربعين الف جندي بريطاني جمدتهم في القواعد البريطانية بالجزيرة قوة لا تتجاوز بضع مئات من رجال حرب العصابات بقيادة جريفاس, ولقى اربعمئة شخص على كل الجهات مصرعهم من اجل خاطر عيون (برستيج) بريطانيا. تأليف: ستيفن دوريل ، عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين