الغالبية العظمى اعتبروها في بداية الامر مزحة حكومية بحكم العادة وسنوات التجربة, وقليلون قالوا ان المسألة هذه المرة تبدو جدا في جد ... وما ان تمر اشهر قليلة الا وتحدث المفاجأة وتظهر الحقيقة امام مرأى الجميع .. قوات الشرطة والنجدة والامن العام، تطارد جحافل المتسولين من جولة الى جولة ومن شارع الى آخر وتعتقلهم, بهدف تخليص العاصمة صنعاء من مظاهر (الشحاتة) المزعجة, وتطهيرها من تصرفات المتسولين (المقرفة) و (بجاحتهم) المقززة للمواطنين العاديين قبل الاجانب. رد الفعل على واقعة المطاردة والاعتقال جاء من القانونيين والمتخصصين بعلم الاجتماع يقلل من اجراء الحكومة ويقول: أزيلوا اسباب التسول واوجدوا البدائل اولا قبل تطبيق القانون وازالة المتسولين! مزحة بيضاء البداية كانت مطلع ديسمبر العام المنصرم 99م عندما قررت وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية تؤازرها العديد من الجهات الرسمية المعنية منها وزارة الداخلية القيام بحملة مكافحة لظاهرة التسول التي استفحلت في السنوات الاخيرة بشكل رهيب ومقلق وتحديدا داخل المدن الرئيسية اهمها امانة العاصمة, لما تعكسه ـ الظاهرة ـ من آثار سلبية اجتماعية واقتصادية واحيانا اخلاقية على واقع الحياة العامة في المجتمع. وعلى مدى ثلاثة اسابيع من الاجتماعات والاتصالات بين وزارة التأمينات والدوائر المعنية تخللتها التصريحات الاعلامية حول قرب يوم الخلاص وتحرير البلاد من المتسولين بعد ان فاض الكيل وبلغ السيل الزبى, واطلاق عبارات التهديد والوعيد تجاه (الشحاتين) وبالمليان دون التفريق بين (الشحات) المستحق للصدقة و (الشحات) المتطفل المزيف .. ازاء ذلك انقسم الناس بين مصدق ومكذب, الاغلبية ظنوا ان ذلك مزحة بيضاء من الحكومة ممثلة بوزارة التأمينات والجهات المعنية الاخرى مثل سابقتها من المزح التي لم تر النور بعد, فيما بدا للقلة ان الامر هذه المرة جاد ولا رجعة فيه حتى جاء موعد تنفيذ حملة المكافحة. فقد صدرت التعليمات والتوجيهات منتصف مارس الماضي ـ مع قرب عيد الاضحى المبارك ـ للشرطة والاجهزة الامنية الاخرى بملاحقة ومطاردة المتسولين في الجولات والشوارع والساحات والميادين العامة والقبض عليهم وايداعهم اماكن الحجز المؤقتة كخطوة اولى حتى يتم معالجة اوضاعهم حسب الحالة الاجتماعية والمعيشية وعامل العمر والصحة البدنية والنفسية واللياقة الجسمانية للعمل. والقرار بالملاحقة والاعتقال يبدو قانونيا لكن هناك من يرى انه غير قادر على ازالة ظاهرة التسول المستفحلة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلد حاليا انما هو عبارة عن مسكنات مؤقتة لآلام التسول التي ستعود بكل تأكيد مرة اخرى فور انتهاء فعالية المسكن, مالم تدرس الظاهرة بصورة علمية ودقيقة وتشرع النصوص القانونية السليمة والمراعية لحقوق الفرد في العمل والضمان الاجتماعي وكذلك ايجاد الملاجىء والمصحات ودور الرعاية الاجتماعية القادرة على استيعاب العجزة والمشردين من الاطفال والمعاقين من الشباب والذين يشكلون الغالبية العظمى من (الشحاتين) . رد الفعل في هذا الصدد يقول المحامي المستشار القانوني عبدالله يوسف القدسي لـ (البيان) ان قرار وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية واللجنة المشكلة لمحاربة ظاهرة التسول في ملاحقة المتسولين واعتقالهم يبدو انه استند الى المادة 203 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم 12 لعام 94م, فقد نصت هذه المادة على: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر من اعتاد ممارسة التسول في اي مكان اذا كان لديه او في امكانه الحصول على وسائل مشروعة للتعيش, او ادعاء عاهة او اصطحاب طفل صغير من غير فروعه .. الى آخر النص) فاذا كان هذا النص المرجع القانوني لعملية المطاردة والاعتقال فانه يعتبر ناقصا, حيث اقتصر النص في التجريم والعقاب على الاشخاص المتسولين الذين لديهم مصدر عيش غير التسول, اما الذين ليس لديهم مصدر عيش ويمارسون التسول لا يقعون تحت طائلة التجريم والعقاب. ويتفق القانوني عبدالباري منصور الزبيري مع ما طرحه القدسي ويقول لـ (البيان) ان المادة 203 من قانون الجرائم واضحة وكان واجب على المشرع ان يعالج قانونيا وتشريعيا موضوع التسول من كافة جوانبه, بحيث لا يحدث اي ثغرة يمكن ان تبطل اجراءات المعالجة للتسول, ويضيف انا لا اتفق مع نص المادة, كونها لا تتفق مع الواقع الراهن من حيث دراسة ظاهرة التسول وتشخيصها بصورة مستوفية ونهائية اكان بالنسبة للاشخاص المتسولين الذين لديهم مصدر او الآخرين الذين ليس لديهم مصدر وهم الغالبية العظمى من المتسولين, كاساس للتجريم والعقاب, فكان المفروض اولا دراسة اسباب الظاهرة وثانيا القضاء عليها, مالم يتم ذلك فان القانون الجنائي يفقد اهميته وهدفه في الحد من الجريمة وتربية المجرم ورجوعه مواطنا صالحا للمجتمع. اسباب وحلول المؤسف له ان عملية المطاردة والاعتقال للمتسولين جاءت في مرحلة يعاني فيها اليمن ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة جدا تفطر القلب, فقد ارتفعت في البلد نسبة الفقر من 19.1% عام 92م الى حوالي 27% عام 98م اي ان عدد الفقراء زاد من 3.2 ملايين مواطن الى 4.3 ملايين, كما ازدادت في السنوات الاخيرة نسب البطالة بين اوساط المواطنين وتحديدا الشباب, فيما لاتزال الامية مرتفعة تصل نسبتها: 55 الى 65% من اجمالي السكان .. هذه الظروف وغيرها تعد اهم اسباب تفشي ظاهرة التسول وتستدعي اولا تذليلها ومعالجتها بصورة دقيقة وسليمة وثانيا ايجاد المناخات الملائمة والقادرة على امتصاص دوافع التسول وتحويل رغيف الخبز من عزيز غائب الى حق مكفول للجميع. ومعالجة ظاهرة التسول كما اوضحها الدكتور محمد الصالحي الباحث في علم الاجتماع لـ (البيان) تكمن في سن القوانين والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية ورسم الخطط والبرامج المناسبة والسليمة الهادفة الى الحد من ظاهرة البطالة المتفشية والاستفادة القصوى من طاقات العمل المتاحة في كافة مناحي الحياة وكذلك نقل المرضى عقليا (المجانين) من الشوارع والميادين العامة وايواؤهم في المصحات الخاصة بالمرضى النفسيين وتوفير الخدمات العلاجية والرعاية الطبية اللازمة لهم, الى جانب انشاء المنشآت التربوية للقصر والاحداث بحيث تكون متخصصة علميا وفنيا وتربويا يعمل بها العديد من الاخصائيين في علم النفس والباحثين الاجتماعيين من الجنسين ـ ذكور واناث ـ, علاوة على انشاء العديد من الملاجىء للعجزة والطاعنين في السن في عموم المحافظات اليمنية يقيم فيها العجزة المحتاجون فعليا للرعاية والاهتمام او الذين ليس لديهم اي عائل او اي دعم من الدولة. ماذا بعد! الامر كله بات مرهونا الآن بيد الحكومة ممثلة بوزارة التأمينات والشئون الاجتماعية والجهات الرسمية المعنية الاخرى التي لا احد يعرف علم اليقين كيف ستواجه مشكلة التسول بعد قرار الملاحقة والاعتقال للمتسولين في ظل ظروف الدولة الصعبة, فيما يظل التساؤل قائما وهو .. ماذا بعد!