ماكميلان: العراق جائزتنا في الشرق الاوسط المخابرات البريطانية تنتقم لكارثة السويس بمحاولة اغتيال ناصر بماكينة حلاقة إذا كان مجتمع المخابرات العالمي قد عرف الخمسينيات بأنها مرحلة الفظائع والاهوال, فان جانبا من الاسباب الموضوعية لهذه التسمية يضرب جزوره بعمق في ذلك الخلط الهائل الذي شهده هذا العقد من الزمان بين الحقائق والاساطير, بين ما هو موضوعي وما ينتمي إلى عالم التفكير بالتمني وبين الصدام وبين ارادات الشعوب والسعي الوحشي إلى التلاعب بمقدرات هذه الشعوب في اطار ما عرف تقليديا باسم (لعبة الامم) . ويحرص مؤلفنا ستيفن دوريل على أن يلفت نظرنا إلى أن من الاساطير التي بقيت وفرضت حضورها في اعقاب معركة السويس انه مع اعتراف بريطانيا بفشلها المدوي في هذه المعركة تغيرت سياستها نحو الشرق الاوسط, وانه مع استقالة رئيس الوزراء البريطاني سير انطوني إيرن من منصبه في يناير 1957 قام ديك وايت رئيس جهاز (الام. آي. 6) باعادة السيطرة على الجهاز الذي بدا للكثيرين انه قد (افلت عياره) وتمت عملية اعادة السيطرة هذه بالتعاون مع الخارجية البريطانية. تلك هي الاسطورة التي جرى الترويج لها مرارا وتكرارا, وبشكل كابوسي في بعض الاحيان, اما الحقيقة فهي على النقيض من ذلك تماما, فالواقع ان رئيس الوزراء البريطاني الجديد هارولد ماكميلان كان بدوره مهووسا بالتخلص من جمال عبدالناصر شأن سلفه تماما, وبدا ان من الطروحات الاساسية التي بقيت صامدة في عالم السياسة البريطانية بعد كارثة السويس المروعة ان عبدالناصر ظل (عدو بريطانيا الرئيسي) ولا يبدو انه قد بذلت أي محاولة لايقاف اعادة تنشيط جهود (الام. اي. 6) لقلب نظام عبدالناصر واعادة الملكية إلى مصر. وخلافا لما يتصوره الكثيرون فان العمل السري البريطاني على هذه الجبهة قد بدأ في وقت جد مبكر, ربما ودخان معركة السويس لايزال يملأ الافق, ففي فبراير 1957 وبعد فترة انقطاع في الاتصالات مع (الام. آي. 6) دامت اربعة اشهر لا غيرها فوجىء المتآمر الرئيسي للجهاز في القاهرة وهو محمود خليل رئيس مخابرات سلاح الطيران المصري بأن المسئولين في الجهاز البريطاني العتيد يستدعونه لعقد اجتماع في روما مع حسين خيري أحد اقارب الملك فاروق ومع المسئول عن الاتصالات معه في الجهاز البريطاني, وهو جون فارمر. لعبة الظلال لم يكذب محمود خليل خبرا, ومضى إلى روما, وفي الاجتماع كشف حسين خيري النقاب عن ان مرتضى المراغي باشا لايزال ضالعا في التآمر, مستغلا اتصالاته واسعة النطاق باعتباره وزير الداخلية المصري الذي ظل قابضا على العديد من الخيوط إلى أن اطاحت ثورة 23 يوليو بالحكومة التي ينتمي اليها, ونشط خيري نفسه في العمل في الدوائر المتحمسة لوهم اعادة الملكية إلى مصر, حيث سافر إلى ميونيخ لعقد المزيد من الاجتماعات مع ضابط آخر بارز في (الام. اي. 6) هو ديفيد كريشتون. وفي الوقت نفسه كانت اجتماعات للتدبير لاغتيال عبدالناصر تعقد في العاصمة اليونانية اثينا, حيث التقى فارمر بضابطين اثنين من ضباط (الام. اي. 6) ينتميان على وجه التحديد إلى قسم العمل السياسي الخاص. هنا يلفت المؤلف نظرنا إلى ان واشنطن لم تكن بعيدة تماما في هذه المرحلة, كما يتوهم البعض, عما يجري وراء الكواليس البريطانية, فقد حضر ولبور ايفلاند ضابط اتصال البنتاجون مع (السي. آي. ايه) في الشرق الاوسط, اجتماعا عقد في بيروت مع عدد من ضباط المخابرات البريطانيين العاملين في المنطقة. ويضعنا المؤلف في اجواء هذا الاجتماع, بالاشارة إلى ان فرانك ستولوود, رئيس محطة (الام. آي. 6) في بيروت في عامي 1952 ـ ,1953 والذي يصفه بأنه صنيعة جورج يونج دخل قاعة الاجتماع وقد تعتعه السكر, ولم يعتذر لا عن تأخره عن موعد الاجتماع ولا عن الحالة المزرية التي بدا عليها, وتولى رئاسة الاجتماع, وابلغ الحاضرين بأن فرق عمل قد حشدت ميدانيا لاغتيال عبدالناصر وان الوقت قد حان لاحباط جهود المصريين الذين قال انهم يعملون على تسليم الشرق الاوسط للشيوعيين على حد تعبيره, وسرعان ما تحول صوته من حديث متلعثم إلى دمدمة, وما لبث ان غرق في نوم ثقيل, فما كان من ايفلاند الا ان غادر الاجتماع مشمئزا وترك ضباط (آلام. اي. 6) عاكفين على نسج مؤامراتهم. عاد محمود خليل إلى مصر, حيث تم الاتصال به عن طريق حامل رسائل من الـ (ام. آي. 6) وهو صهره فريد شريف شاكر, الذي سافر بانتظام بين القاهرة وبيروت في الفترة من مايو إلى نوفمبر 1957. ومن خليل استمد جون فارمر الوسيلة التي ستتم الاستعانة بها في المحاولة المقبلة لاغتيال عبدالناصر في الاطار الذي أطلق عليه الاسم الرمزي (العملية أنفاسن) . والحكاية ان ذقن عبدالناصر, شأن الكثيرين من أبناء صعيد مصر, كانت من النوع الذي يوصف بأنه غزير الشعر, وكان بحكم مسئولياته ومنصبه مضطرا لحلاقتها بصورة منتظمة. وكانت خطة فارمر هي اهداء عبدالناصر ماكينة حلاقة لحلاقة الذقن من طراز (رمنجتون راند) أعدها خبراء الـ (ام. آي. 6) بحشوها بالمتفجرات البلاستيكية, بحيث تتم عملية التفجير عندما يعمد عبدالناصر إلى تشغيل الماكينة لحلاقة ذقنه. وشملت المؤامرة المبادرة فور القضاء على عبدالناصر بهذه الطريقة مضمونة النتائج بتحريك مجموعة المراغي للاستيلاء على السلطة وتشكيل حكومة جديدة. وتم اطلاع الـ (سي. آي. إيه) على هذه العملية, حيث قام فارمر, بناء على تعليمات مباشرة من رئاسة الـ (ام. آي. 6) باطلاع كرميت روزفلت رئيس قسم الشرق الأدنى بالـ (سي. آي. إيه) والذي كان يزور لندن على كل التفاصيل. ويقول فارمر ان روزفلت أعرب عن رفضه الشديد للعملية, وهو موقف يصفه بأنه كان سمة لمواقف الطرف الأمريكي في العلاقات الانجلو ـ أمريكية بخصوص الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد السويس. ويقدم جورج يونج رئيس قسم الشرق الأوسط في الـ (ام. آي. 6) البعد الاستراتيجي الذي كانت لعبة الظلال هذه تجرى على أرضيته, فهو يرى انه في تلك الفترة لم يكن هناك كبير مجال للتفكير والتأمل ولكن عندما يعود المرء بذهنه إلى ربيع 1957 فإنه كان يستطيع أن يستشعر انه تم الوصول إلى مرحلة جديدة وتجاوزها وان آفاقا تاريخية جديدة قد انفتحت وانه بعد سحق الروس لربيع براج فإن الشيوعية الدولية فقدت قدرتها على اجتذاب الشعوب كقوة دينامية ومخربة وخطرة. الكلاشنكوف والمرسيدس ولكن ماذا على صعيد العالم العربي؟ كيف بدت ملامح المشهد في الشرق الأوسط من منظور الجهاز البريطاني العتيد؟ وما هي آفاق التحرك نحو المستقبل في مسرح عمليات على درجة كبيرة من التعقيد كهذا الممتد من المغرب حتى وسط الهضبة الآسيوية؟ يرد مؤلفنا ستيفن دوريل على هذه الأسئلة بالاشارة إلى ان جورج يونج كان يعتقد ان العالم العربي (قد فقد توازنه الأساسي وسيغدو بصورة متزايدة منطقة يسودها العنف والفوضى) . وعلينا أن نستيقظ لما يقوله المؤلف هنا, ربما لان هذا هو الجذر لما سنراه بعد ذلك على امتداد عقود بكاملها في المنطقة وربما حتى اليوم, فمؤلفنا العتيد يشدد على ان اعتقاد جورج يونج هذا الذي جسده هذا المقتطف الذي سقناه قبل قليل كان جزءا من افتراضه بأن الوعي متزايد التعمق - والذي يظل عنصرا نشطا في التطور الانساني - سوف يفضي إلى تأكيد للذات وتنوع عرقيين كبيرين وليس إلى الاندماج والتداخل, والتقنية الحديثة ليس من شأنها إلا أن تعجل بهذا التطور. ويضيف جورج يونج قائلا: (ان العربي الذي يتقلد الكلاشنكوف وينطلق بالسيارة المرسيدس سيكون أكثر عدوانية من العربي الذي يتقلد البندقية ذات الطلقات الكروية ويمتطي الناقة) . ويعقب مؤلفنا بقوله ان آراء جورج يونج هذه تفسر بصورة جزئية السر في انه كان على استعداد للتعاون بشكل وثيق مع الموساد والسر كذلك في ان معلومات المخابرات التي قام الـ (ام. آي. 6) بجمعها عن الشرق الأوسط أمكن أن تكون على مثل هذا القدر الكبير من الفقر والبؤس. وقد وجد ضابط الـ (سي. آي. ايه) آرشي روزفلت ان الاسرائيليين ينظرون إلى العرب على انهم غرباء, يتدفقون بالتهديد, ومفعمون بالكره, ويتسمون بالتدني... شعب لا يربطهم به شيء... ومن هنا جاء فشل مخابراتهم. أيا كان الأمر, فإن الموساد, والـ (سي. آي. ايه) , و(ام. آي. 6) انطلقوا في هذه المرحلة في سلاسل لا تنتهي من النشاط المحموم, فها هما الاخوان دالاس يوافقان على العملية (وابن) التي تستهدف الاطاحة بالنظام القائم في سوريا والذي اعتاد وصفه بأنه مؤيد للشيوعية. ونشط رجال الـ (سي. آي. ايه) في التعاون مع نظرائهم في الـ (ام. آي. 6) في بيروت لتنظيم مجموعة عمل سرية تتألف من ممثلين للجهاز البريطاني بالاضافة إلى ممثلي المخابرات العراقية والأردنية واللبنانية, وفي الثامن من يونيو أعلنت الحكومة السورية اكتشاف حلقة تجسس يدعمها الـ (ام. آي. 6) هدفها الاطاحة بالنظام السوري. تلك هي المرحلة التي سيضغط فيها ماكميلان من أجل المزيد من التعاون الانجلو - أمريكي على كل الجبهات. ويلفت المؤلف نظرنا إلى ان الصورة التي استمرت طويلا عن ماكميلان باعتباره السياسي الذي لا يرتاح لرجال المخابرات ولا للعمليات السرية هي أبعد ما تكون عن الدقة, فقد حرص على أن يشاركه باتريك دين, رئيس لجنة المخابرات المشتركة طموحاته, فيما يتعلق بالخليج وبدور متواصل لبريطانيا شرقي السويس, وبصفة خاصة ادراك ان العراق هو الجائزة الحقيقية (فيما يتعلق بالاستراتيجية البريطانية في الشرق الأوسط) . ويشير نايجل آشتون إلى ان ماكميلان قد تصور في هذه المرحلة نوعا من حرب الشرق الأوسط الأوسع نطاقا والتي في اطارها ونتيجة للتخطيط المشترك للعمليات ضد سوريا قد يمكن اجتذاب واشنطن إلى تأييد بريطانيا والعراق ضد سوريا ومصر. ومن هنا فإن لندن شهدت في ديسمبر 1957 مناقشات حول خطط عمليات لتدخل عسكري أنجلو - أمريكي محتمل في حالة وقوع انقلاب فعلي في لبنان أو الأردن أو فيهما معا. إنهم يطاردون ناصر تلك أيضا هي المرحلة التي شهدت حسب تعبير مؤلفنا العتيد استمرار مطاردة الصقور لعبدالناصر, ففي أكتوبر من العام نفسه, أي عام 1957 التقى المراسل المكلف بحمل الرسائل إلى المتآمرين في عملية (أنفاسن) التي تستهدف اغتيال عبدالناصر واعادة فرض النظام الملكي في مصر, وهو فريد شريف شاكر. التقى بمرتضى المراغي باشا, وزير الداخلية المصري الأسبق, الذي أبلغه أن الحكومة المصرية الجديدة سوف تتشكل منه رئيسا للوزراء, ومن حسين خيري وزيرا للحربية, ومن محمود خليل وزيرا للداخلية. وفي ضوء ذلك رتب جون فارمر بتكليف من رؤسائه في جهاز الـ (ام. آي. 6) أمر تمويل الانقلاب بمبلغ 166 ألف جنيه استرليني مع التأكيد على ضرورة أن يكون الهدف الواضح أمام المتآمرين هو الهدف المزدوج المتمثل في اغتيال عبدالناصر واعادة الملكية إلى مصر, وقدم لمحمود خليل كذلك ماكينة الحلاقة التي عبأها خبراء الجهاز بالمتفجرات البلاستيكية, لكي يقدمها بدوره لعبدالناصر. وزعم فارمر انه قد أحس بأن هناك (عنصرا وهميا في الخطة أنفاسن) من حيث ان (القوة الكاملة للجهاز لم يتم تكريسها فيها) . ويسجل أنطوني فيرير من جهاز الـ (ام. آي. 6) ان (مؤامرة الاغتيال التفصيلية) قد تم على حد تعبيره الذي لا يملك القارئ إلا أن يتوقف طويلا أمامه (ترتيبها لكي تمنى بالفشل) . وتبدو تلك عبارات بالغة الغرابة حقا, في ضوء ان ماكينة الحلاقة اياها قد تم تسليمها بالفعل, ولكنها لم تقدم لعبدالناصر قط. ومن المحتمل أن هذه الطروحات كانت أقرب إلى اضافات لاحقة, خاصة في ضوء ما كشفت عنه الأحداث بالفعل. هنا من حق القارئ العربي أن يتوقف ليسأل نفسه في ضوء ما يعرفه على الجانب العربي من هذا الموقف المعقد: هل كانت هناك فرصة حقا أمام هذا النوع من المؤامرات لكي يغير تاريخ الشرق الأوسط؟ وقبل أن يرد القارئ بالايجاب أو السلب على علامة الاستفهام هذه عليه أن يتذكر ان هذا الجهاز نفسه الذي مضى صقوره على حد تعبير المؤلف يطاردون عبدالناصر هو نفسه الذي أعد عظم خطة (اجاكس) التي كفل التعاون الانجلو - أمريكي في اطارها الاطاحة بمصدق واعادة فرض حكم الشاه. وإذا تأملنا ما يجري وراء الكواليس في المرحلة نفسها من مؤامرات لاطلاق الانقلابات في لبنان والأردن وسوريا والتلاعب بالعراق لاستخدامه كقوة موازنة ضد مصر, لأمكننا الوصول إلى ان من عكفوا في لندن على نسج هذا النوع من المؤامرات كانوا يتصورون بالفعل انهم يكتبون سطورا حاسمة في كتاب مصير مصر, وانهم كانوا يعملون بالفعل لتجسيد تصورهم الذي قالوه مرارا وتكرارا من ان عبدالناصر لن يبقى في مقدمة الساحة طويلا في مصر. أبو خالد يرد في 23 ديسمبر 1957 كشف جمال عبدالناصر في خطاب ألقاه في تجمع شعبي حاشد بمناسبة الذكرى الأولى لانسحاب القوات البريطانية والفرنسية من السويس عن وجود (مؤامرة اعادة الملكية) ووسط تهليل الجماهير تبين ان محمود خليل لم يكن يعمل حقا مع البريطانيين في أي وقت من الأوقات, وإنما كان يتبع بدقة شديدة الأوامر الصادرة له من رؤسائه المصريين طوال الوقت. وأعلن (أبو خالد) بالفم الملآن ان جهاز الـ (ام. آي. 6) كان يتآمر لاغتياله, وكشف أدق تفاصيل المؤامرة, وأوضح ان لندن موّلت المؤامرة بمبلغ 166 ألف جنيه استرليني, وان هذا المبلغ دفع لمحمود خليل الذي كان على ولاء تام لعبدالناصر طوال الوقت وان المصير النهائي للمبلغ هو انه تم تسليمه بالفعل لمحافظ مدينة بورسعيد لتوظيفه في مساعدة أبناء المدينة المتضررين من العدوان الثلاثي والذين تعرضت مساكنهم للقصف بمدفعية البحرية البريطانية على وجه التحديد. وعقب هذا الاعلان - الصاعقة مباشرة عاد فارمر إلى انجلترا, وفي ابريل 1958 أصدرت محكمة عسكرية مصرية حكمها بالسجن مدى الحياة على المراغي وخيري غيابيا. وليس من قبيل الصدفة أن مؤلفنا العتيد يقول انه بعد عشرين عاما من السويس مضى هاميلتون ماكميلان, الكادر البارز في الـ (ام. آي. 6) يتحدث في اطار حوار مع ضابط رفيع الرتبة في الجهاز عن (مرحلة الفظائع) وهو الاسم الذي يطلق تقليديا على عقد الخمسينيات, فبادر الضابط رفيع الرتبة إلى القول ان رئيس الوزراء البريطاني قد حرص على تطهير جهاز الـ (ام. آي. 6) لان (نصف العاملين فيه كانوا عاكفين على محاولة اغتيال ناصر) . وفي اطار مراجعة لأوضاع الجهاز في ضوء فشل السويس المدوي فرض تقرير سري لادوارد بريدجز, وزير الدولة البريطاني لشئون مجلس الوزراء المزيد من الضوابط على عمليات الـ (ام. آي. 6) . هكذا تقرر ان رئيس الوزراء البريطاني يتعين ابلاغه مسبقا بأي اجراءات تتضمن مخاطرة يوافق عليها رسميا مستشار الخارجية البريطانية ودعم هذا باصلاح شامل في آلية المخابرات البريطانية مع انتزاع وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء والسيطرة على لجنة المخابرات المشتركة من وزارة الخارجية ووضعها تحت اشرافه. وقد عارض رئيس الجهاز, ديك وايت, العمليات المنفلتة من كل عقال والتي دأب على القيام بها قسم العمل السياسي الخاص وحاول تطهير الجهاز, وأصدر عددا من القرارات التي تحظر القيام بالعمليات الخاصة الأكثر بعدا عن الثبات والتوازن, وبصفة خاصة عمليات الاغتيال. كما تم الحد من التدريب على العمليات الخاصة, ومضى وايت إلى أبعد من ذلك بالتركيز على الاصلاحات الداخلية والعكوف على تجنيد جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من ان (شبكة الفتية المخضرمين) واصلت القيام بدورها في أعمال الجهاز, إلا ان قسم التجنيد الجديد التابع للجهاز بدأ تحت الاشراف المباشر لمدير الادارة والعاملين في التجنيد مباشرة من الجامعات للمستشرقين الشبان, على حين تم ارسال عدد محدود من الضباط الأكثر خبرة لدراسة اللغة العربية في مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية, تمهيدا لقيامهم بشغل المناصب البارزة في محطات الجهاز في المنطقة. ماكميلان ... مهرجا! على الرغم من كل هذه الاصلاحات والتعديلات في جهاز الـ (ام. آي. 6) فإنه ما من شيء داخل الجهاز أو خارجه حال دون شعور العاملين فيه بموجة كاسحة من الغضب والحنق حيال ما جرى في السويس, بل ان الأمور وصلت إلى حد بدا رئيس الوزراء البريطاني وقد عقد العزم على الانتقام. وقد فضل احاطة نفسه بالأقارب وببقايا مجموعة السويس, مثل دنكان سانديز صهر دنستون تشرشل, وجوليان إيمري وزير الدولة لشئون الكومنولث وصهر ماكميلان. ومع كل الانتقادات والتغييرات فقد سمح لباتريك دين بالبقاء رئيسا للجنة المخابرات المشتركة حتى عام 1960. وقد رأى ايمري, بصفة خاصة, ان هناك فرصة للعودة إلى الاشتباك مع عبدالناصر, وربما تنحيته من السلطة في مصر. ولم يكن لدى وايت من النفوذ في داخل خدمة المخابرات وفي الوايتهول أو لدى رئيس الوزراء ما يمكنه من مقاومة المطالب التي انهالت عليه بأجندة تقوم على التدخل عبر العمل السياسي. ويلفت ستيفن دوريل هنا نظرنا إلى ان جورج يونج قد وصلت به الأمور في هذه المرحلة, باعتباره حليفا لايمري, إلى حد الاعتقاد بأن ماكميلان قد أصبح (ما لا يتجاوز كونه مهرجا مدعيا, يبيع ما تبقى للبريطانيين من حرية العمل للأمريكيين) . وعلى الرغم من ان المؤلف يمضي ركضا عبر الصفحات ليحدثنا مسرعا عن احداث جنوب الجزيرة العربية, وعن بروز الجمهورية العربية المتحدة وايضا عن ثورة العراق في 14 يوليو ,1958 الا ان الحقيقة الاكثر توهجا التي تبرز وسط هذا الركض اللاهث هي ان مد حركات الاستقلال في العالم الثالث قد بدأ بالفعل يصطدم بالفكرة البريطانية التقليدية عن وجود حاميات كبيرة لبريطانيا عبر البحار. وفي حالة الثورة العراقية بصفة خاصة فان الامر كان صدمة كبرى للبريطانيين, الذين كما رأينا كانوا ينظرون إلى العراق باعتباره جائزتهم في الشرق الاوسط على حد تعبير هارولد ماكميلان, ذلك ان السفارة البريطانية في بغداد تعرضت للنهب واضرمت فيها النيران, ولقى رئيس الوزراء نوري السعيد والعديد من انصاره مصرعهم, وغربت شمس الملك فيصل على نحو يفتقر للمجد. واقر البريطانيون, ولو لمرة تشكل الاستثناء من القاعدة التي درجوا عليها, ان عبدالناصر لم يكن هو الذي حرك الاحداث في العراق, فالسكرتير الشرقي في السفارة العراقية في بغداد يعترف بحسب تعبيره بانه قد شاهد (البطالة والفقر الكاسح والجوع الفعلي) كل ذلك ينتشر على امتداد العراق, وعلى الرغم من الثروة النفطية فان التقدم الاقتصادي كان شديد البطء في ارض الوفرة العراقية. وقد كان المدير الاقليمي لـ (الام. اي. 6) يتوقع بطريقة عامة ان تنشب ثورة في العراق, لكن رئيس محطة الجهاز في بغداد, اليكس فورتر اخفق تماما في التنبؤ بالموعد الذي يمكن ان تتوهج فيه شرارة الثورة أو بهوية من سيتصدى للقيام بها ليطيح بأقرب حلفاء بريطانيا اليها في الشرق الاوسط, ولم تكن لرجاله في الميدان فكرة واضحة المعالم عن هوية المشاركين في صنع الحدث الكبير, دع جانبا الرجل الذي قادهم, حيث اخفقوا على نحو صارخ في جمع الحد الادنى الضروري من معلومات المخابرات عن الضباط الاحرار العراقيين الذين كان تنظيمهم مماثلا لتنظيم الضباط الاحرار في مصر في العديد من الجوانب. الصفحة السوداء هنا يلفت المؤلف نظرنا إلى ان جهاز (الام. اي. 6) قد ارتكب خطأ تقليديا فظيعا من اخطاء اجهزة المخابرات وهو تجنيد العملاء من صفوف حلفاء بريطانيا لا خصومها. غير ان صفحة الجهاز ـ كما يرى المؤلف ـ في هذه المرحلة لم تكن سوداء تمام السواد, فإلى جانب الفشل المروع في العراق, كان هناك نجاح نسبي في الاردن حيث عرف (الام. اي. 6) مسبقا بمؤامرة كان يفترض ان تشق طريقها إلى النور ضد العاهل الاردني الملك حسين في صبيحة 17 يوليو 1958. وعلى ذمة المؤلف, فان رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان تعمد تضليل اعضاء مجلس العموم قاصدا فيما يتعلق بالظروف التي افضت إلى طلب العاهل الاردني تدخل القوات البريطانية, حيث زعم ان ذلك جاء على اساس معلومات مخابرات تقدم بها الاردنيون للحكومة البريطانية دعمتها معلومات من (مصادر مختلفة) . وفي حقيقة الامر فان جهاز (الام. اي. 6) هو الذي قدم للعاهل الاردني معلومات حول ان ضابطا برتبة عقيد في الجيش الاردني يدعى محمود الروسان يقف بدعم من سوريا أو الاقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة وراء محاولة الانقلاب وان كوادر عاملة لحساب الجمهورية العربية المتحدة لم تتوغل في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وحدها وانما في الضفة الشرقية كذلك, وان لها جماعات استجابت لندائها بما في ذلك جماعات داخل الجيش الاردني ولن تفتح النار على اشقائها في حالة حدوث تحرك جماهيري في الشوارع. وأيا كانت درجة الاتفاق أو الاختلاف مع ستيفين دوريل في تحديد سواد صفحة الجهاز العتيد فان هذه المرحلة الحافلة قد توجت بنقمة واقعية تناقض هدير الجنون الذي تخلل الاحداث, فها هي العلاقات الدبلوماسية تعاد بين القاهرة ولندن, وها هي محطة (الام. اي. 6) تعود لتطل من جديد على النيل, والعملاء البريطانيون الذين اعتقلتهم القاهرة يطلق سراحهم في اطار صفقة يحق للقاهرة بمقتضاها ان تشق طريقها من جديد إلى اسواق رأس المال في لندن. ويعقب المؤلف هنا بكلمات قلائل لكنها شديدة الدلالة ولابد للقارىء من التوقف عندها طويلا حيث يقول: (من سوء الطالع ان هذه الواقعية لم تدم طويلا) . تأليف: ستيفن دوريل - عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين