يختلف البند الخاص بوجود قوات امريكية من دولة خليجية لاخرى حسب رغبتها وقدرتها على قبول وجود عسكري اجنبي على اراضيها مع موازنة الرغبة الامريكية في توزيعها وتخزينها بشكل مسبق يمكن من استخدامها بشكل سريع. وإذا كان الوجود الأمريكي في الفترة التالية لغزو الكويت وحرب التحرير كان له ما يبرره, فإن الفترة المقبلة ربما تحمل تساؤلاً مشروعاً حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي, لاسيما إذا حدثت تغيرات جوهرية في العوامل والأسباب التي أدت إلى الوجود الأمريكي في بداية التسعينيات. تتبلور هذه التغيرات في محورين رئيسيين: المحور الأول: إمكانية تعليق العقوبات على العراق في فترة مقبلة, بما يحتويه من توقف العمل في مناطق الحظر الجوي في العراق. حيث يكون تعليق هذه العقوبات في إطار نظام مراقبة مشددة على التسلح العراقي تحت مظلة الأمم المتحدة, وبدون رعاية عسكرية أمريكية أو بريطانية مباشرة. ومن ثم ففي هذه الحالة ـ وإذا جرى تطبيق رفع الحظر والحصار ـ فسيفتقد الوجود الأمريكي إلى شرعيته القائمة على استمرار الحصار المفروض على بغداد. المحور الثاني: وهو المتعلق بإيران, فاحتمال التغيير في إيران لم يصبح أمراً مستبعداً خاصة مع نجاح الاصلاحيين ـ ذوي التوجهات الانفتاحية على الصعيد الخارجي ـ في كسب جولات متتالية بدءاً بنجاح الرئيس الايراني محمد خاتمي في انتخابات الرئاسة عام 1997 وانتهاء بفوز الاصلاحيين بأغلبية مقاعد مجلس الشورى في فبراير الماضي. هذه التغيرات الداخلية تطرح تغيرات موازية على صعيد السياسة الخارجية الإيرانية, ومن ثم فإن تطبيع العلاقات مع دول الخليج والولايات المتحدة والذي يأخذ خطى حثيثة قد يطرح تساؤلات حول شرعية الوجود العسكري الأمريكي مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الطرح لن يكون فقط من دول الخليج وإنما أيضاً من طهران التي تصر دائماً على أن أمن الخليج هو مسألة خاصة بدوله فقط. وفي ضوء هذه التغيرات والتي تهدد شرعية الوجود الأمريكي تظل قضية بقاء القوات الأمريكية محل جذب وشد من قبل المراقبين إذ توجد مبررات تؤيد بقاء هذه القوات, في حين توجد دعوات تنادي بضرورة انهاء هذا الوجود, وفيما يلي استعراض لأهم حجج الفريقين. مبررات بقاء القوات الأمريكية في الخليج: تعبر هذه ا لمبررات في جزء كبير منها عن وجهة النظر الأمريكية والتي يمكن بلورتها فيمايلي: *إن الوجود الأمريكي في هذه المنطقة يسمح للولايات المتحدة بالمحافظة على تدفق النفط من الدول الخليجية إلى الدول المستهلكة له من كل أنحاء العالم, ومع تزايد أهمية دول الخليج في منظمة (OPEC) إلى حد تسميتها بـ(أوبك الخليج GOPEC ) يكون من مصلحة الولايات المتحدة المحافظة على تدفق البترول بالإضافة إلى ضمان نصيبها مستقبلاً من بترول الخليج. * إن الوجود الأمريكي الدائم في منطقة الخليج أمر تحتمه المصالح الأمريكية, والتهديدات المحتملة لهذه المصالح, فالتجربة السابقة في غزو الكويت كانت دافعاً للولايات المتحدة على التفكير أنه لا يمكن استبعاد أي نوع من المخاطر في منطقة يصعب بها تغليب المنطق على ما يحدث من تغيرات, كذلك فإن هذه التجربة أكدت أن توزيع قوات الانتشار السريع بعيداً عن الخليج لا يحقق لواشنطن التغلب على عامل الوقت والمسافة, نظراً لضخامة القوات وقلة وسائل النقل المتاحة, وعدم توافر المخازن ونقط الإعاشة المستديمة, وفي ضوء هذه الحقيقة فإن القوات الأمريكية وبعدها عن مواقع الأحداث في الخليج أدت إلى استمرار الولايات المتحدة ولو لفترة في حالة خلل توازن مع القوات العراقية الضخمة. وهو الأمر الذي لا تريد الولايات المتحدة تكراره بأي حال من الأحوال. * عدم تطوير مجالات تعاون غير عسكرية بين الولايات المتحدة ودول الخليج وبالتالي يظل البعد العسكري هو الوحيد الذي يحفظ للولايات المتحدة وجوداً مؤثراً في الخليج. * عدم رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في التخلي عن دورها العالمي سواء في تحقيق الاستقرار للمنطقة أو في تأمين وصول النفط إلى العالم. * أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يضمن عدم تمكن أي دولة إقليمية من ممارسة نفوذ قوي في المنطقة بالصورة التي تمكنها من إعادة تشكيل الثوابت في أقاليم استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة. * عدم تعرض الإدارة الأمريكية لضغط من الرأي العام الأمريكي فيما يتعلق بتخفيض وجودها عما هو سائد الآن, ومن ثم فإن كل ما يمكن أن يحدث هو تغييرات تكتيكية أو روتينية وليس خفضا بالمعنى المتعارف عليه. ويتبقى في جملة المبررات ما يتعلق بالدول الخليجية التي ترى أن (عدم وجود بديل) للقوات الأجنبية لا سيما الأمريكية هو السبب الرئيسي وراء بقاء هذه القوات, خاصة وأن (إعلان دمشق) الذي كان مرشحاً في فترة من الفترات لأن يكون هو البديل, تحول من ( مشروع جنيني لحلف عسكري إلى تحالف سياسي هش) طبقاً لوصف أحد الخبراء. فعلى الرغم من أن هذا الحلف علقت عليه آمال كبيرة فيما يتعلق بتنمية القوى العسكرية للأطراف المشاركة فيه, وخلق التجانس والانسجام, وتأسيس نظام أمني إقليمي مستقر, إلا إنه حمل في داخله (بذور انهياره) حيث افتقر إلى وجود اتفاق حول مصالح معينة وواجهته العديد من المشاكل. رفض الوجود الامريكي ورغم الدعاوى الأمريكية السابقة والتي تبرر ضرورة استمرار الوجود الأمريكي في منطقة الخليج, فإن هناك العديد من الأصوات تنادي بتخفيض الوجود الأجنبي استناداً إلى ما يلي: * الخوف من أن تتحول الرغبة في هذا الوجود إلى تحرك أمريكي وغربي صارخ يستهدف إعادة تشكيل المنطقة على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, بما يحقق في النهاية القبول التام من جانب دول وشعوب الخليج لإقامة الأمريكيين, ويزيد من هذه المخاوف ما ظهر من بوادر الاغتراب الثقافي لدى البعض بسبب الموجة الأمريكية المتدفقة إلى الشارع الخليجي. * ينظر البعض بعين من الشك إلى التواجد الأمريكي المكثف الذي لا يقتصر على الصيغة العسكرية فقط, وإنما يتوازى معه وبوضوح خطط لبناء مطارات ومنشآت حربية, الأمر الذي اعتبره المراقبون أشبه باستيطان أمريكي شامل, ولا سيما إذا أخذ في الاعتبار حجم العائلات والجنود والضباط والمهندسين وحجم العمالة والشركات المنخرطة في تنفيذ هذه المشروعات المتكاملة التي تضم إضافة للخدمات العسكرية الخدمات المدنية أيضاً, بما يعنيه هذا من تخطيط واسع المدى لإقامة طويلة نسبياً في المنطقة. * ان الولايات المتحدة ربما لاتستطيع الإبقاء على وجودها العسكري في الخليج على المدى الطويل ,ويستند أنصار هذا الرأي إلى أن دول الخليج رفضت كل المشروعات التي طرحت لحماية الخليج في وقت سابق. وبالتالي فإن دول الخليج وإن قبلت بوجود القوات الأمريكية لظروف غزو الكويت, فهي ترى أن هذا الوجود لن يستمر إلى الأبد. * إن الوجود الأمريكي يركز على الجانب العسكري, ويهمل الجانبين السياسي والاقتصادي, فعلى الصعيد السياسي يرى المراقبون أن الوجود الأمريكي يتسبب في بعض المشكلات السياسية, وعلى الصعيد الاقتصادي فلا يمكن تجاهل التكلفة الباهظة لهذا الوجود والترتيبات الناجمة عنه, فبالإضافة إلى تكلفة هذا التواجد على الأراضي الخليجية؛ حيث يتم تحصيل نفقات المراقبة والطلعات الجوية (على مدى ساعة) التي تقوم بها طائرات قوات التحالف فوق مناطق الحظر الجوي بشمال العراق وجنوبه, فضلاً عن الصفقات العسكرية التي تقوم واشنطن بعقدها مع الأطراف الخليجية. * وأخيراً يستند الرافضون لاستمرار الوجود الأمريكي إلى القول بأن التهديدات العراقية والإيرانية لم تعد توجد إلا في المنظور الأمريكي, إذ تسعى إلى استمرار هذه الادعاءات لتبرير وجودها الدائم في المنطقة, ولاسيما أن تهديدات هاتين الدولتين انحصرت إلى حد كبير. * أن التهديدات التي تواجهها دول الخليج لم تعد ترتبط فقط بالعراق وإيران, بل هناك تحديات تتعلق بإعادة التوازن بين القوى العربية والإقليمية, وأخرى متعلقة باتجاهات تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي وما يحمله من احتمالات التغلغل الاسرائيلي في منطقة الخليج العربي. بدائل الانسحاب وفي ضوء ما تقدم, يبدو أنه من غير المرجح على المدى القصير ـ أن تقوم الولايات المتحدة بسحب قواتها من الخليج, نظراً للمكاسب التي سبق الإشارة إليها والتي تحققها من خلال هذا التواجد المركز, ومن ثم وفي حال تعرض الولايات المتحدة لضغوط من أجل الانسحاب, يرى المراقبون أنه يتعين عليها اختيار أحد البدائل الآتية: * أولاً: إحداث انخفاضات مطردة في حجم القوات, هذا الخفض ربما يشمل القوات البرية والجوية لأن هذه في الغالب هي المتواجدة في الأراضي العربية. * ثانياً: إحداث تغيير في أشكال التواجد وحجمه وأماكنه, فالإدارة الأمريكية وضعت خطة لمواجهة كل الاحتمالات لا سيما امتناع بعض دول الخليج عن تجديد رغبتها في تواجد قواعد أمريكية على أراضيها. ووفقاً لخطة أمريكية فإنه سيتم توسيع قواعد الطيران الأمريكية في بعض دول الخليج في محاولة لإيجاد بديل في حال تم إقرار خفض عدد الوحدات البحرية العاملة في الخليج. * ثالثاً: تأييد وتشجيع مشروع الدفاع الخليجي المشترك, وقيام نظام أمني لدول مجلس التعاون الخليجي. وأما بالنسبة لدول الخليج, فستكون هي الأخرى أمام عدة اختيارات أهمها ترشيد الإنفاق الأمني, من خلال الحصول على أفضل الشروط, وألا يتم الإنفاق الضخم على شراء الأسلحة التي لا تستخدم في التدريب. ثم تأتي إدخال إصلاحات جذرية على كيان مجلس التعاون, بالصورة التي تضمن تحقيق فعاليته وخاصة في مجال الدفاع والحفاظ على الأمن, ولعل تطوير قوات (درع الجزيرة) على رأس هذه الإصلاحات. واخيراً فإن لإبراز البعد العربي لأمن الخليج, وما يترتب عليه من تفعيل (إعلان دمشق) كأحدى الآليات المطروحة لضمان أمن واستقرار المنطقة, أهمية قصوى.