كيف تستنهض الصحافة الخليجية دورها في مجتمعات دول التعاون وفي الواقع الاقليمي العربي والدولي... وكيف يمكن لهذه الصحافة أن تحافظ على مكتسباتها التاريخية في وقت انتشرت فيه الفضائيات التي تنقل الاحداث مباشرة؟ وأي دور يمكن لهذه الصحافة القيام به في المستقبل؟ واسئلة اخرى كثيرة طرحناها على المفكر البحريني الدكتر محمد جابر الانصاري قبل ان يتبوأ منصبه الحالي كمستشار ثقافي لأمير دولة البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة. يبدأ الدكتور الانصاري حديثه لـ (الملف السياسي) بالاشارة الى السلوك الذي تتسم به القيادة السياسية في المنطقة والذي يشكل حالة حضارية خصوصا في قمم المجلس الاعلى لمجلس التعاون والدور الهام الذي يمارسه الاعلام في التقريب بين مجتمعات الخليج العربية. ولا يرى الانصاري دورا مهما للناحية الرقابية مؤكدا على أن حديث وزير شئون مجلس الوزراء والاعلام البحريني محمد المطوع في افتتاح الملتقى الاول لرؤساء تحرير الصحف الخليجية الذي عقد في شهر مارس من العام الماضي, هو حديث جوهري وحيوي ويعتبر حجر اساس هام في العمل الاعلامي عندما قال ان وزراء الاعلام لم يكن دورهم دورا رقابيا او عقابيا بقدر ما اصبح دورا يتمحور حول الكيفية التي يمكن من خلالها للصحافة المحلية ان تنتقل الى المواقع الافضل في التكامل والتفاهم وان يوفروا الحماية للاسرة الصحفية كي تؤدي دورها بالوجه المطلوب. ويضيف د. الانصاري قائلا: كم اتمنى ان تكون هذه الكلمات الجيدة والراقية حضاريا زرا سحريا بحيث يعمم هذا المفهوم الراقي في جميع العواصم الخليجية, حتى يتوفر هامش كبير من حرية الممارسة بتعزيز ومضاعفة الايجابيات ومعالجة العلاقات الخليجية والشئون المحلية بكثير من الصدق وكثير من الوضوح, لاننا في الحقيقة نمر بفترة حرجة وخطيرة, فطوال الخمسين عاما التي مضت, منذ قيام المشكلة الفلسطينية وما تعاقب على الوضع العربي من نكسات وحروب ومن أحداث حيث يتمثل الخطر وهو يهددنا بشكل جماعي مثل ما يحدث الآن. ويزيد الأمر تعقيدا ان الصحافة الخليجية تعاني حرجا كبيرا باختلاف مقاييس الاعلام وذلك بالتطور الحاصل للأخرى في طبيعتها كالمحطات الفضائية التي اصبحت تنقل الخبر للمشاهد والمستمع حال حدوثه او بعد ساعات قليلة, أي في زمن يسبق اصدار الصحيفة بخمس عشرة ساعة او اقل او اكثر, الأمر الذي يحتم على الصحيفة الا يكون دورها اخباريا فقط, وانما اطلاع القارىء على ما وراء الخبر وعلى الظروف المحيطة به وعلى ما يمكن ان يحدث بعد, اضافة الى جانب اوضاعنا الخليجية تحتاج الى المصارحة في معالجتها ومساندة المسئولين بوضع حلول لها. وعندما ينعقد اي مؤتمر او قمة خليجية نسبقه بتطلعاتنا ومطالباتنا بالاسراع في حل الكثير من المشاكل القائمة وفي الاسراع في تقريب وجهات النظر وتقريب الجهود كي نوجد مجتمعا خليجيا قابلا للتوحيد وليس شرطا ان يتمثل هذا التوحيد في جوانب القيادة السياسية وانما في مضامين الاقتصاد والتعليم والشئون الاجتماعية والعمل وجميع ما يتعلق بتكوين المجتمع المتقارب المتجانس, خصوصا وانها مجتمعات تفرق بينها فوارق اللغة والعملات والاوضاع الاقتصادية المتباينة استطاعت ان تتقارب وتوجد صيغا تحمي وجودها, فكيف الحال بنا ونحن نعاني من مشاكل كثيرة يزيد من وطأتها وخطورتها اننا نملك ثروات ايضا تهم العالم, وهي مغرية له وتشكل موضع حسد من اقرب الاقربين. إذن, لابد من مجتمع خليجي قادر على حل مشاكله وهمومه وهذا لا يتأتى إلا بوجود صحافة قادرة على تأكيد دورها الفاعل وسط هذا المجتمع الذي هو اقرب المجتمعات العربية لبعضها البعض. ومثلما نقابل القيادات السياسية بتمنيات, ومثلما نطالب الوزراء المعنيين كل في شئونه بمطالب من حين لآخر, مطالبين ايضا ان نلتقي حول وجهات النظر كمجتمع ونتحد من اجل ايجاد صحافة خليجية قادرة على ما من شأنه ان يفيد هذا الوطن العزيز علينا جميعا. صحافتنا تتدارس مشاكلها وتضع الحلول لكي تخرج من فردية امكانياتها لتواجه مشاكل العصر المادية. ولكن ما هو المطلوب من الصحافة الخليجية؟ في الحقيقة انه ما لم تتحول الصحافة خاصة في العالم الثالث والعالم العربي والخليج الى صحافة الرأي والرأي الآخر, فإنها ستتحول إلى ظاهرة منقرضة, لأن المواد الصحفية الاخرى اصبحت مواد قديمة. فعندما تصدر أية صحيفة صباحا تكون كل التلفزيونات ونشرات الاخبار في الاذاعات قد غطت المادة بشكل اكثر حيوية فالجانب الاخباري التقريري اصبح مادة ميتة في الصحافة ومنتهية. وأي صحيفة تحاول ان تبقى في هذا الاطار سوف تصبح ظاهرة منقرضة ومن المفترض ان تعوض عن ذلك بأشياء غير موجودة في اجهزة الاعلام الاخرى, وهي أن تكون صحيفة الرأي والرأي الآخر. وهذا مطلوب في الخليج كما هو مطلوب في العالم العربي. * نتحدث عن الرأي الآخر لنعرج على مسألة الرقابة, فهي موجودة سواء كانت رقابة ذاتية او من قبل الاجهزة الرسمية. ـ انا لست ضد الرقابة من حيث المبدأ, لان هناك فعلا ظواهر سلبية انفلاتية احيانا ممكن ان تتكون وتضر حتى بحرية الرأي. عندما نتكلم عن الرأي الآخر لا يعني مجرد المعاكسة والمشاكسة وانما نقصد الرأي الآخر الرزين واعتقد حتى في ظل الرقابة يمكن ان نعبر عن الرأي الآخر باتزان, وهذه مسئولية الصحفي في موقعه, وهي من أهم تحديات الكاتب وهنا اتكلم عن تجربتي الخاصة, إذ ان اهم التحديات التي تواجه الكاتب , ان يعرف كيف يمرر رسالته في ظل اكثر الانظمة الرقابية صرامة. ولكن لن اتصور ككاتب ان ترسل لك باقات من الزهور, لانك عبرت عن رأيك المختلف. واشبه الكاتب في الوطن العربي ومن ضمنها الدول الخليجية بسائق الشاحنة الضخمة الذي يجب ان يدخل في ازمة ضيقة حتى يوصل بضاعته الى الحي في الداخل. فالشاحنة الضخمة كيف تدخل في الازقة؟ هذه مسئولية الكاتب فأنت عندك افكار تعرف كيف تمررها وانا اعتقد ان الذين يطالبون بحرية منفلتة أو بفقاعات من الحرية الاعلامية التي نشاهد بعضها في الدول الخليجية.. اعتقد ان هذه الفقاعات سوف تسيء الى حرية الرأي الحقيقية, ويجب ان نمارس الرأي الآخر والحرية بشكل اكثر مسئولية واكثر انضباطا ولكن يجب ان نمارسها وان تكف صحافتنا عن الاسلوب الرسمي والاسلوب التلميعي لأن هذه مادة مفلسة ولا تؤدي الى نتيجة. واعتقد ان هناك وجهين مزيفين للعملة, الجانب التلميعي والجانب المبالغ والمعاكس والمشاكس. هذان الوجهان هما وجهان مزيفان ويجب ان نتخطاهما معا للحرية المسئولة. * هل هناك حقيقة وجهان؟ فما هو سائد في الصحافة الخليجية وجه تفضلت بالحديث عنه وهو الوجه التلميعي.. فهل تحول الوجه الآخر للعملة الى ظاهرة؟ ـ هي ليست ظاهرة, بل حالات تكون احيانا جذابة واحيانا ملفتة للنظر, اي الحالات الاخرى والاتجاهات المتعاكسة والمشاكسة. انا اعتبرها وجه تلميعي للنظام الذي يستخدمه. يقول انظروا انا متحرر وانا كذا لكن عندما نحلل الظاهرة من الداخل فهناك ضوابط وخطوط حمراء حتى داخل هذه الظاهرة المنفلتة. * في ظل حديثنا عن الصحافة.. هل نستطيع تطبيق ذلك على القطاعات الاخرى التي نشاهدها في المجتمع الخليجي بشكل عام والمتمثلة بالوجه التلميعي في الحياة العامة والسلوك اليومي للمجتمع... هل يمكن للصحافة منفردة الخروج من الظاهرة التلميعية؟ ـ اعتقد ان اعلامنا الخليجي يحتاج الى شيء من الذكاء لانه لا يحسن عرض الايجابيات الموجودة في المنطقة بالشكل الموضوعي. نحن لدينا الكثير من الايجابيات, وهي جديرة بأن تبرز في الحياة والتنمية, والعلاقات بين الحاكمين والمحكومين. نحن لسنا جمهورية افلاطون, ولسنا مجتمعا مثاليا ولن يوجد ذلك المجتمع المثالي, وانما الامور نسبية. واعتقد ان مجتمعات الخليج قياسا بالمجتمعات العربية ومجتمعات العالم الثالث, على درجة لا بأس بها من المعقولية. هذه الدرجة من المعقولية.. اعتقد ان اعلامنا مقصر في اظهارها بالشكل المقنع, ويبالغ ويمولها الى مادة تلميعية ليست عن وعي, ويمكن ان يكون لها اخراج اعلامي وسياسي مقنع للاخرين. * ولكن قد يكون هذا هو الذي يقود الجمهور المتلقي للتوجه الى الوجه الآخر من العملة, وإن كان تلميعيا بالشكل المعاكس؟ ـ نعم هذا صحيح. كما قلت لك, هناك وجهان لعملة واحدة. وان هذا التطرف يؤدي الى التطرف الآخر, بمعنى عندما اسمع كلاما تلميعيا لمدة 24 ساعة, سوف تتكون لدي كمواطن محايد, نزعة مضادة الى الشيء المعاكس والمشاكس وبالتالي اقع فريسة لهذه النزاعات التي تحاول ان تؤثر علي ايضا. * في ظل هذا الحديث يبرز سؤال مفاده من يحمي الصحافة التي تخرج عن السلوك التلميعي؟ ـ لا توجد شهادة تأمين للصحافة او لأي قوى اجتماعية او لأي كاتب يريد ان يمارس دوره. هذا تحد مفتوح ويجب ان تقيم توازناتك وتعرف كيف تغدو في هذا الطريق. انا اعتقد ان اي مؤسسة صحفية وكل رئيس تحرير وايضا كل كاتب عمود.. هو مطالب بأن يدرس الارضية التي يتحرك عليها ويعرف كيف, بالحكمة وبجرأة محسوبة لا تؤدي الى الشيء المعاكس او الى اجهاض التجربة او اجهاض قلمه. أي ان الانسان يقع احيانا امام خيارين: ان يكتب مقالا واحدا ويكون الاخير الذي لا يستطيع ان يكتب مقالا بعده. أو ان يكتب نفس الرسالة ولكن باسلوب مختلف. فهذا تحد مفتوح. ونحن نطالب القيادات الخليجية بمزيد من الحرية وحرية الرأي والآن هذه المسألة لسنا مخيرين فيها, كما قال وزير الاعلام البحريني في افتتاح الملتقى الخليجي لرؤساء التحرير الذي عقد العام الماضي او لم يعد هناك اعلام داخلي او خارجي, ولكن هناك اعلام في هذا العالم كله. فإذن, نحن امام واقع وكل ما تجرأنا على الحديث عن الشئون الداخلية بموضوعية وانفتاح, فنحن نجهض المحاولات الاعلامية الخارجية التي تحاول ان تسيء الينا اي عندما يكون لدينا خبر غير سار ونذيعه نحن قبل ان تذيعه لندن او اسرائيل فإننا سنقطع الطريق. كانت اذاعة الـ BBC ايام الحرب العالمية الثانية, حين كانت لندن تقصف كان المذيع يبدأ بالقول: لدي الليلة اخبار حزينة لكم وهي التالية.. وانا اعتقد ان رجل الدولة الحقيقي هو الذي يحب ان يسمع الاخبار السيئة قبل غيرها. ومن اهم الفروق بين رجل الدولة الحقيقي والسياسي التاجر هو ان رجل الدولة الحقيقي يبحث عن الاخبار غير السارة. اما السياسي التاجر فهو يبحث عن الاخبار السارة. * هل تعتقد أن هامش الحرية في الكتابة الصحفية كاف؟ ـ اعتقد, واقعيا ان الهامش ما زال ضيقا وارجو ان يتسع. وانا اعتقد ان قيادتنا الخليجية لديها الكثير من التسامح والكثير من المرونة ولكن تعودنا نحن على حسب التقاليد العربية, ان تكون النصيحة في السر, وحان الوقت ان نتعلم النصيحة في العلن ولكن لا اعتقد ان هناك مشكلة وكما نلاحظ احيانا ان الاقلام التي تتوقف لبعض الوقت فإنها تعود للكتابة مرة اخرى. وحسب علمي لم يجف اي قلم خليجي في اي بلد خليجي مثلما يحدث في البلدان الانقلابية اسكتت بعض الاقلام لبعض الوقت لكنها عادت واصبحت تعبر عن نفسها. على الاقل نسبيا, هذه ظاهرة جيدة. * نلاحظ ان هناك صمتا من قبل اقلام معروفة, او كانت معروفة او هي قد يكون لها رأي معين وفضلت الصمت على ان تكتب رأيا مكتوبا مغايرا لوجهة نظرها. ـ انا اعتقد ان هذا اخفاق من اصحاب هذه الاقلام اكثر مما هو شيء آخر. نحن لا نتحدث عن اوضاع مثالية اطلاقا. نعرف اوضعا ونعرف حدودها. ونعتقد انه تحد لكل صاحب قلم. وأريد ان اشير ايضا في هذه المناسبة ان بعض اصحاب الاقلام كتبوا الى ان وصلوا الى حيث ارادوا ان يصلوا وعندما وصلوا سكتوا وهذا واضح انهم اسكتوا اقلامهم بقرار ذاتي. * هناك ما يربو على 45 صحيفة خليجية من ست دول بمجلس التعاون هل هذه ظاهرة صحية؟ ـ انا اعتقد انه تضخم في الاصدار الصحفي وتشرذم يصل الى درجة غير صحية, والمفروض ان نتعلم, فالشركات العملاقة العالمية تتحد الآن مع بعضها البعض, وهذا التشرذم يعبر عن واقعنا الخليجي, فهو يمثل بنى المجتمع الذي نعرفه, وهي متعددة, فالمشاريع الاقتصادية المناقضة لبعضها البعض, فالمطارات ومشاريع الالومنيوم وغيرها... ظاهرة تشرذم في المجتمع الخليجي عامة, والمفروض ان نعرف كيف نضع حدا لها. * ما رأيكم بإنشاء جمعية للصحفيين؟ ـ الشكل التنظيمي لن نختلف عليه. وفي داخل اقطار دول المجلس. طالما عندنا جمعيات للاطباء والمهندسين وطالما ان الصحافة اصبحت اليوم مهنة ولم تعد هواية كالخمسينيات, حيث كان الصحفي في الخمسينيات موظفا في بنك ويصدر صحيفة. الظاهرة هذه لا يمكن ان تدوم فقد دخلنا الآن في عصر المؤسسات, والشيء الطبيعي ان تكون هناك جمعية للصحافيين مثلما نسمح لجمعيات للأطباء والمهندسين بالتواجد. * هل من كلمة أخيرة؟ ـ اعتقد انه حان الوقت بأن تبدأ مؤسسات المجتمع المدني بالتحرك واعتقد انه ليس لنا من طريق سواء في الخليج او في الوطن العربي إلا بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني ضمن اطار شرعية الدولة. لأننا لن نستطيع ان نحمي شرعية الدولة بالعمل الرسمي وحده وانما بتحرك فعاليات المجتمع العلمي والمجتمع المدني التي تعمل ضمن انظمة الدولة وقوانين الدول وشرعية الدولة لأن البديل عن هذا التحرك هو البديل الآخر الذي لانتمناه ولا نرجوه.