يعتبر احمد علي رئيس تحرير صحيفة (الوطن) القطرية من اكثر الصحفيين الخليجيين اثارة للجدل, وذلك بتبنيه قضايا لا يقف المتابعون لها بغير اكتراث.. وعند اصداره لصحيفة (الوطن) كانت هذه الصفة مصاحبة ايضا للصحيفة الجديدة, مما كان له اثر واضح للعيان على مجرى الصحافة القطرية بشكل عام.. خصوصا وان صدورها تزامن مع بداية عهد جديد في قطر. وفي هذا اللقاء يتحدث احمد علي عن رؤيته لواقع ولآفاق الصحافة الخليجية بوجه عام, من منطلق رئاسته لتحرير صحيفتين في اوقات متباعدة اذا سبق له ان رأس تحرير صحيفة الراية قبل ان يتركها في سنة 1993 ليعود رئيسا لتحرير الوطن في 1995. الانطلاقة الحقيقية * تاريخ الصحافة الخليجية: نشأتها والظروف التي احاطت بها ونوعية الكوادر التي شاركت في تأسيسها وكيف طبعت وكيف تغيرت تلك السمات مع اختلاف الظروف والاهداف؟ وما هو دور الصحافة في بناء الدولة؟ ـ نستطيع القول ان نشأة الصحافة الخليجية بدأت مع غياب شمس الاستعمار البريطاني الذي كان يجثم على صدور دول الخليج, فقد كانت امارات الخليج العشر وسلطنة عمان تقع تحت السيطرة البريطانية وبالتالي فإن الاستعمار كان يرفض انشاء اي صحيفة وطنية تعبر عن هموم المواطنين وان كانت هناك دوريات اعلامية اسبوعية او شهرية تصدر بجهود فردية ويقوم على اصدارها ابناء دول الخليج المغتربون للدراسة, وكانت تلك الدوريات تتوقف بانتهاء مدة الدراسة. وقد انطلقت الصحافة الخليجية بمفهوم الصحافة الشاملة او الصناعة الصحفية في مطلع الستينيات, وتحديدا بعد استقلال الكويت عام 1959 حيث تبع ذلك صدور ثلاث صحف في اوائل الستينيتات هي: الرأي العام, والسياسة, واخبار اليوم, وفي اوائل السبعينيات التي شهدت استقلال الامارات السبع ابوظبي, الشارقة, عجمان, رأس الخيمة, ام القيوين, دبي, الفجيرة, والتي تشكل دولة الامارات العربية المتحدة, وكذلك استقلال دولة قطرة ودولة البحرين, شهدت هذه الدول انطلاقة حقيقية للصناعة الصحفية في لحظات دقيقة للتاريخ الخليجي لتشكل مصادر اشعاع فكري تصل الى جميع انحاء العالم. ولقد كانت الظروف المحيطة بنشأة الصحافة الخليجية سياسية واقتصادية واجتماعية, ويحتاج الحديث عن كل ظرف منها الى بحث متكامل, ولكن وقدر الامكان وبالايجاز نستطيع القول ان الصحافة واجهت تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية, ففي مرحلة التحول الاجتماعي من نظام استعماري كان يمنع اي نمو للفكر العربي ويحاول تجذير التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ليواصل فرض هيمنته الاقتصادية على ثروة الخليج النفطية, وفي ظل وجود صحافة عربية متطورة نوعا ما خاصة في لبنان ومصر, وجدت الصحافة الخليجية نفسها في تحد مع التطور, ولقد توجه اصحاب الصحف الى الاستعانة بالخبرات الصحفية من مختلف الاقطار العربية, والتي كان لها بصماتها في تحديد سياسة اي صحيفة من خلال توجهات العاملين الفكرية والسياسية وتوافق ذلك مع التوجه القومي لأصحاب الصحف, ولكن مع اختلاف الظروف والاهداف, خاصة ظروف القضية العربية بشكل عام, وجدنا ان سمات الصحافة الخليجية ركزت على الجانب الاقليمي وتحديدا بعد حرب الخليج الأولى, ثم حرب الخليج الثانية, فتوجهت الصحافة الى البيت الخليجي تساهم في بنائه وتشكيل الرؤى المستقبلية له, خاصة بعد التحاق اعداد كبيرة من ابناء الخليج بالعمل الصحفي, دون ان تغفل دورها القومي العربي, والتركيز على القضايا العالمية ذات العلاقة بالقضية العربية والشرق أوسطية. الدور البناء أما عن دور الصحافة في بناء الدولة فلا احد يغفل دور الصحافة البناء, من خلال رصدها ومتابعتها لايجابيات وسلبيات المجتمع, وعملها الدؤوب حول مراقبة السلطات الثلاث وتشكيل رأي عام حول القضايا التنموية التي تساهم في تطور الدولة.. ومهمة الصحافة في نقل الافكار من مكان الى آخر تساعد على سرعة انتشار هذه الافكار الى مختلف الاماكن وبين المسئولين, وبالتالي تكون رافدا لهم لتطوير آلية العمل لديهم. والصحافة تساهم في دفع الناس نحو المشاركة المتفهمة لبناء الدولة, من خلال انسياب المعلومات من الصحيفة الى المواطن وبالتالي التأثير على آراء الناس واتجاهاتهم, بما يؤثر على المسئول عن قضية التنمية, كما تساهم الصحافة عن طريق نشر اللقاءات والحوارات مع المسئولين في تحقيق دعم مكانة هؤلاء المسئولين واضفاء المزيد من المهابة عليهم مما يزيد من قدر هؤلاء المسئولين في نفوس الناس, وكذلك توسيع نطاق الحوار الخاص بخطط التنمية وسياساتها, وهذا لا يتأتى الا بنشر المعلومات الخاصة بالتنمية على أوسع نطاق. وبالتأكيد فان للصحافة دورا مهما في بناء الدولة الحديثة, فالصحيفة اليومية ومن خلال متابعتها للجديد في كل أنحاء العالم, تقدم للمسئول المخلص افكارا جديدة ينطلق منها نحو بناء مؤسسته بأسلوب متشابه او مختلف ولكنه في النهاية يكون لبنة في بناء الوطن. * العلاقة بين الصحف الخليجية, كيف تؤثر على اداء بعضها البعض بالسلب أم بالايجاب؟ وحدود المنافسة بين الصحف المحلية ونتائجها, هل أدت الى درجة كبيرة من التشابه او التميز؟ وبالمقارنة مع الصحف العربية, في أي الاتجاهات حققت الصحافة الخليجية تفوقا, وفي أيها لم تحقق, وهل احتلت مساحة كاملة في الداخل الخليجي, وهل أزاحت بعضها البعض الى الخارج؟ ـ بالتأكيد ان الصحافة الخليجية تؤثر على أداء بعضها البعض بالايجاب, من حيث طرح قضايا المجتمع الخليجي وتشكيل رأي عام خليجي موحد في القضايا الخليجية العامة. وبالنسبة للمنافسة المحلية في قطر, يمكن القول انه بعد صدور صحيفة (الوطن) في 3 سبتمبر عام 1995, بأسلوب ونهج واخراج ومضمون جديد وهامش حرية واسع, اشتعلت المنافسة بين الصحف الاربع وأدت هذه المنافسة الى تطور ملموس في المستوى الفني والتحريري في الصحف الاخرى, كما ساهمت المنافسة في التميز من حيث تحقيق السبق الصحفي سواء كان على المستوى المحلي أو الخارجي. اما ماذا حققت الصحف الخليجية والصحف العربية, وفي أي المجال حققت الصحافة الخليجية تفوقا فنستطيع القول ان الصحافة الخليجية حققت تفوقا في الاسلوب الفني باستخدام التقنيات الحديثة في صناعة الصحيفة, كما حققت قفزات اعلامية كبيرة في مجال التغطية الشاملة للأحداث في مختلف دول العالم, نظرا لقدرتها المالية في توفير مراسلين في معظم عواصم العالم. ولقد استطاعت الصحافة الخليجية كاملة ان تجد لنفسها مكانا مرموقا في الوطن الخليجي, ولم نجد أي صحيفة قد تأثرت بصحيفة اخرى بل نرى ان جميع الصحف قادرة على اثبات نفسها, وليست هناك صحيفة ازاحت اخرى وقد تكون بعض الصحف توقفت لأمور مالية. * ما الفرق بين الصحافة الأهلية والصحافة الحكومية؟ ـ الفرق بين الصحافة الأهلية والصحافة الحكومية ان الصحافة الأهلية تتمتع بهامش حرية كبير ولا تتقيد بالتعليمات الحكومية, وان كان هناك تشابه في ان الصحيفتين تراعيان المصالح العليا القومية للوطن. الحرية والانتشار * ما الفرق بين الصحافة الخليجية في الوطن وخارجه؟ ـ الصحافة في الوطن تتحفظ بعض الشيء على نوعية بعض الاخبار, ولكن الصحف في الخارج تجد هامش حرية أوسع. * ماهي حدود هامش الحرية وتأثيرها على رواج الصحف؟ ـ لاشك انه كلما كان هناك هامش حرية كبير كان هناك رواج أوسع للصحيفة, فالصحيفة التي تتمتع بهامش من الحرية تجد اقبالا من القارئ الذي يتلهف على قراءة المحظور. * هل يؤثر الوافدون كقراء في صياغة واختيار وتبويب صفحات الصحف الخليجية؟ ـ بلا شك, ونظرا لوجود جاليات عربية وأجنبية وافدة إلى دول الخليج فإن الصحافة تراعي ان تقدم لهذه الجاليات اخبار وطنها, ولكن بما لا يؤثر على التبويب أو الشكل العام للجريدة. * إلى أي درجة يحكم التوجه القومي سياسة الصحافة الخليجية؟ ـ معطم الصحف الخليجية صحافة عربية تؤمن بقضايا القومية وهذا الايمان يحتم على هذه الصحف ان تكون ملتزمة بالتوجه القومي والوقوف مع القضايا الخليجية والعربية والاسلامية وتشكيل رأي عام حول هذه القضايا بما يخدمها ويؤثر في صناع القرار تجاهها. غياب المظلة المهنية * الصحافة مدارس واتجاهات, من صحافة الخبر إلى صحافة الرأي إلى صحافة التسلية والتشويق, فأي الاتجاهات يغلب على الصحافة الخليجية وما الأسباب؟ وما أفق التحول من شكل إلى آخر, مثلا من صحافة الرأي إلى صحافة الخبر إلى صحافة التشويق والاثارة؟ ـ الصحافة اليومية الخليجية صحافة شاملة, فيها الخبر والرأي والتسلية والتشويق, ولكن يغلب على معظم الصحف جانب الخبر والرأي, بسبب ان هذه الصحف هي بنت البيئة, والبيئة الخليجية بيئة ملتزمة خلقيا ودينيا وسياسيا, وهذا يفرض عليها الالتزام بالخبر والرأي بهدف تشكيل الرأي العام في قضايا الوطن المهمة مع عدم اغفال جذب القارئ من خلال التشويق بطرح القضايا وتقديم صفحات تسلية للقارئ الباحث عن مثل هذه المواضيع, وقد أدى ظهور الفضائيات كمنافس قوي في نقل الخبر أدى إلى تحول الصحافة للاهتمام بالرأي والتحليل. * غياب الجمعيات المهنية وغياب دورها في تطوير المهنة والدفاع عن المنتسبين إليها وتحقيق امتيازات ومصالح لهم, ما الأسباب وهل لا يوجد احتياج حقيقي لها؟ ـ كل أصحاب المهن يفضلون ان تكون هناك مظلة تظلهم, ولا شك ان غياب الجمعيات المهنية من أسباب عزوف العنصر الخليجي عن العمل في مجال الصحافة, نظرا لقلة الامتيازات التي تمنح للصحفيين, ويقيننا ان وجود مثل هذه الجمعيات القادرة على تحقيق الامتيازات يساهم في تطوير العمل الصحفي ويكون عامل جذب للصحفي المواطن صاحب الموهبة الصحفية للتفرغ للعمل الصحفي. * ما هي كيفية تعامل الكادر المحلي مع التقنية الحديثة في الطباعة؟ ـ للأسف ان الكادر المحلي الفني شبه مفقود في الصحافة الخليجية التي تعتمد على الكادر الفني الوافد, مع ان المؤسسات الصحفية المحلية تفتح الباب للمواطن ولديها القدرة على امتلاك ماكينة الطباعة الحديثة والاستفادة منها ومواكبة أحدث التطورات في مجالها, وهي اقدر من الصحافة الحكومية على امتلاكها لعدم وجود عوائق امامها, ولبحثها المستمر عن الجديد, وهذا ما نلمسه في الصناعة الصحفية في مختلف مؤسسات الصحافة الأهلية الخليجية. الدوحة ـ فيصل البعطوط