بقلم: د. عبدالرحمن بن سعد العرابي يجب ان نقر مبدئيا بأن الكلمة بمختلف انواعها المقروءة والمرئية والمسموعة, اصبح لها وقع السحر وبالغ التأثير في مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في جميع بلدان العالم بلا استثناء وان كان هناك تفاوت في مدى وقوة هذا التأثير, حسب درجة تطور المجتمعات ومدى النهوض الذي حققته في مناحي حياتها المتعددة. وانطلاقا مما سبق, يمكن القول إن الصحافة باعتبارها احدى اهم وسائل ايصال الكلمة المقروءة او المكتوبة, اصبحت في مكانة بارزة في التاريخ الحديث واعني بـ (الحديث) الفترة الممتدة منذ النصف الثاني من القرن الماضي وحتى الآن الى الدرجة التي بلغت في احيان كثيرة حد التدخل في اعادة رسم السياسة وتوجيه الرأي العام وخلق وعي لديه بقضية ما. اما ما يتعلق بتاريخ الصحافة فيمكن القول ان الصحافة السعودية مرت بثلاث مراحل, حتى وصلت الى ما هي عليه الآن. المرحلة الاولى هي مرحلة صحافة الافراد وبدأت مع تأسيس المملكة العربية السعودية حيث كان من حق كل انسان اصدار جريدة او مجلة الامر الذي ادى الى انتشار الصحافة مع تحقيق الاستقرار السياسي الذي كان وراءه جلالة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن طيب الله ثراه. وتميزت هذه الفترة بإصدار عدد كبير من المجلات والصحف وكان الملاحظ ان مكة المكرمة استحوذت على غالبية الاصدارات نظرا لما تتمتع به من مقومات ثقافية ودينية وتجارية كبيرة. المرحلة الثانية, هي مرحلة دمج الصحف ببعضها البعض وكان ذلك في عام 1959 وامتد حتى عام 1964 حيث رأت الحكومة في ذلك الوقت ان العدد الموجود من الصحف والمجلات كبير واكثر من حاجة بلد محدود السكان ونسبة الامية فيه عالية في ذلك الوقت كما يقول الدكتور ساعد خضر العرابي الحارثي في كتابه (الاعلام السعودي.. النشأة والتطور) . ونتيجة لذلك كله اقترح ولي العهد انذاك الامير فيصل بن عبدالعزيز خلال مؤتمر صحافي حضره اصحاب الصحف دمج بعض الصحف ببعضها البعض لايجاد صحافة قوية وقادرة في كل منطقة وترك لاصحاب الصحف دراسة الموضوع وتنفيذه وبالفعل تم بعد ذلك اندماج عدد من الصحف وتوقف اصدار صحف اخرى. المرحلة الثالثة هي مرحلة المؤسسات الصحفية حيث رأت حكومة المملكة في عام 1964 ضرورة ان يتم تنظيم النشاط الصحفي في البلاد وبناء على تقرير اعدته لجنة وزارية عن هذا الموضوع, اصدر مجلس الوزراء قرارا ينص على ان تتولى اصدار الصحف مؤسسات اهلية بدلا من الافراد واعطت وزارة الاعلام مهلة اربعة اشهر لاصحاب الصحف لاعادة ترتيب اوضاعهم ضمن النظام الجديد واختيار الاعضاء ووضع اللوائح الداخلية. ومن المؤكد انه في كل مرحلة من مراحل نشأة الصحافة السعودية كانت هناك تأثيرات عليها من الاشخاص الذين اسسوها حيث انه كان مثلا في مرحلة الافراد تميزت الصحافة السعودية بالاهتمام بالادب والثقافة وذلك لان اغلب الافراد الذين كانوا يمتلكونها من الادباء والمثقفين, اما عندما تحولت هذه الصحافة الى مرحلة المؤسسات فقد اهتمت مع دخول عنصر رجال الاعمال اليها بالاقتصاد والقضايا والسياسات المالية والمشروعات من المجالات التي تهم اصحاب رأس المال. اما بالنسبة لدور الصحافة في بناء المجتمع فاعتقد ان الدولة ـ اي دولة ـ مثل الانسان الذي يمر بمراحل عمرية معينة كما اشار الى ذلك قديما المؤرخ العربي الشهير عبدالرحمن بن خلدون وفي كل مرحلة يحتاج الى عناصر كثيرة للبقاء ولا اتصور ان هناك دولة تستطيع ان تحيا وتنمو وتكبر وتستمر بلا ثقافة والصحافة احدى الادوات الموصلة للثقافة, ومن ثم فإنها تعد ضرورة لبقاء الدولة. كذلك نرى ان الصحافة تلعب بل لعبت دورا كبيرا في بناء المجتمعات حيث ان تناولها للجوانب الايجابية والسلبية وعرضها على الرأي العام جعل الدولة أو الحكومة تنتبه لمظاهر الايجاب فتزيده وترى المظاهر السلبية فتعمل على معالجتها والحد منها. والصحافة بالنسبة الى الدولة وسيلة واداة هامة لنقل ما ترغب في نقله الى المواطنين كما انها تستطيع ان تعتمد عليها في بناء رأي عام تجاه اي قضية من القضايا وتغيير سلوكيات معينة او تطوير ادوات المجتمع لتحقيق مزيد من التقدم في شتى المجالات. ضرورة ومطلب اتصور ان المنافسة بين الصحف المحلية في اي دولة من الدول هي ضرورة ومطلب وذلك من اجل تفعيل الاداء واثراء المادة المقدمة الى القارىء ودفع العاملين في الصحف إلى بذل الكثير من الجهد لتقديم انتاج متميز يمكن من خلاله جذب عدد كبير من القراء وفتح افاق جديد امام الصحيفة والواقع ان التنافس بين الصحف قد يكون احد اهم العوامل التي تدفع دائما باتجاه التغيير في المادة والبحث عما يريده القاريء وهذا بالطبع ربما يؤدي الى حدوث تشابه بين هذه الصحيفة او تلك لكن في النهاية يصبح الحكم للقارىء الذي بدوره يستطيع الاختيار وتحديد المطبوعة التي تحقق له رغباته واهتماماته. أما بالنسبة لموضوع الصحف الخليجية والصحف العربية فاتصور ان الصحف في الخليج هي صحافة حديثة العهد نسبيا بالمقارنة مثلا مع الصحافة في مصر ولبنان التي تعود جذورها الى القرن الماضي ومع هذا فإن الصحافة الخليجية استطاعت وخلال فترة عمرها القصير نسبيا تحقيق نجاحات وقفزات عديدة واحتلت المكانة اللائقة في بلدانها نظرا لاهتمامها بكل ما يدور في مجتمعاتها من مشاكل وقضايا مختلفة ولا استبعد ان تشهد المرحلة المقبلة وبعد ان استطاعت الصحافة الخليجية توحيد دعائمها في اوطانها ان تتجه الى العالم العربي لتستقطب قراء جددا وتستحوذ على مكانة ومساحة سوف تزداد مع الايام. وفيما يخص الفرق بين الصحافة الاهلية والحكومية: فلكل من هذين النوعين ايجابيات وسلبيات فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد ان الصحافة الاهلية تتمتع بمساحة اكبر من الحرية وتستطيع التطرق الى موضوعات وقضايا قد يكون تطرق الصحف الحكومية او المحسوبة على الحكومة إليها فيه اضرار كثيرة. اما الصحف الحكومية فإنها تتميز بوجود هيكل تنظيمي ثابت ومحدد ولا تخشى في يوم من الايام موضوع التمويل وهذا الامر يعطيها دفعة نحو تطوير رسالتها الاعلامية باستمرار والاستعانة بكتاب ومحررين متميزين وأما الفرق بين الصحافة الخليجية في الوطن وخارجه: فلكي نكون صريحين فإن هناك فروقات كبيرة بين النوعين اذ ان الصحافة الخليجية خارج الوطن لديها مساحة اكبر في تناول العديد من القضايا والموضوعات كما انها توجد في بلاد تستطيع من خلالها الحصول على المعلومة التي لا يعرفهاالكثير او بمعنى ادق المعلومة التي لا يمكن ان تنشرها الصحف في الداخل خاصة ان الاخيرة دائما ما تحسب على الدولة وتعتبر في احيان كثيرة بمثابة صحف رسمية او حكومية رغم كونها صحافة اهلية. ومن حيث حدود هامش الحرية وتأثيره على رواج الصحف: لا يستطيع احد ان ينكر مدى قيمة (الحرية) في كل مجالات الابداع اذ انه بدون هامش للحرية سيظل الابداع اليومي المتواصل يدور في حلقات مفرغة ولن يصل الى الجمهور. والصحافة هي نوع من الابداع الذي يجب ان تتوفر له مساحة من الحرية يمكن من خلالها التحرك ولكن هذا الهامش يجب ان يراعي اشياء كثيرة حتى لا تكون الحرية عاملا من عوامل هدم المجتمع. الصحافة والرأي العام: كما قلنا سابقا ان الصحافة تستطيع من خلال ما تقدمه او ما تطرحه التأثير على الرأي العام تجاه قضية او مشكلة او توجه من التوجهات الجديدة كما انها تستطيع خلق الوعي لدى القراء تجاه اي موضوع من الموضوعات التي تهم المجتمع ويمكن في هذا الاطار ان نذكر ان الثورة الفرنسية كانت من نتاج تأثير كتابات مثقفين ولهذا فإن الصحافة باعتبارها احدى الادوات الثقافية في المجتمع تستطيع ان توجه الرأي العام وتساهم في تغيير مفاهيمه ومدركاته وقناعاته لكن لا يعني ذلك ابدا ان الصحافة لا تتأثر هي الاخرى بالرأي العام بل على العكس تماما حيث نرى ان هناك علاقة متبادلة من التأثير والتأثر بين الصحافة والرأي العام وغالبا ما يجدد الرأي العام للصحافة خطوطا مهمة لا تستطيع تجاوزها, خاصة اذا تعلق الامر بالموروث الديني او الثقافي او الاجتماعي الذي قد يكون تجاوزه في النقاش امرا خطيرا ويترتب عليه تداعيات كثيرة. فيما يتعلق بالصحافة الخليجية والجاليات الوافدة: فإن اي جهاز تحرير واع في اي صحيفة خليجية لا يستطيع تجاهل وجود الملايين من الجاليات الوافدة الى بلاده سواء كانت هذه الجاليات من الدول العربية او الاسلامية او مختلف دول العالم. لذا فإن على مسئولي تحرير الصحف الخليجية ادراك مدى فوائد استقطاب الجاليات الوافدة كقراء لصحفهم سواء على مستوى التوزيع او الاعلانات لكن هذه الامر لم يصل حتى الآن الى الدرجة الكافية ذلك لأن اهتمام الصحف الخليجية ما زال منصبا في المقام الاول على الشئون الداخلية ولم يعطى مساحات كبيرة او كافية لاهتمامات الجاليات الوافدة وقضايا بلادهم برغم انه وفي الفترة الأخيرة وجدنا بعض الصحف التي بدأت تعي هذا الأمر, ومن ثم فأرى ان نشدد على ضرورة الاستفادة من الجاليات الوافدة كقراء بل وأن يتم السماع لارائهم في المادة التي تقدمها الصحفية لأن في ذلك فوائد مستقبلية فعندما تعود هذه الجاليات لبلادها وخاصة العربية سوف تكون قد ارتبطت بالصحف الخليجية وتصبح قاعدة مهمة في دولها. وبخصوص التوجه القومي والصحافة الخليجية فإن الصحافة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية, هي صحافة مهمومة بقضايا أمتها العربية والاسلامية وإذا نظرنا إليها نظرة دقيقة مع بعض التأني والدراسة والتحليل نجد ان توجهها القومي يحكم ساسية كافة الصحف الخليجية. وهذا الأمر ليس بغريب على منطقة الخليج التي تدعم بشكل جدي القضايا العربية وتقف إلى جانب أصحابها وتساعدهم سواء من الناحية السياسية في المحافل الدولية, أو من الناحية الاقتصادية بفضل ما وهبها الله من الثروة. لذلك فإن الصحافة الخليجية هي مرآة تعكس الصورة الحقيقية لقضايا الأمة العربية كما انها تعد الوجه الآخر لسياسات الدول الخليجية, ولم تكن في يوم من الأيام بعيدة عنها أو متجاهلة لها. الصحافة الشاملة: الشكل الصحفي وأسبابه: أعتقد ان الصحافة الخليجية اتخذت خلال السنوات الماضية توجها جديدا, يتمثل في الابتعاد شيئا فشيئا عن صحافة الخبر ولعل ذلك يرجع في الأساس الأول الى استحواذ الفضائيات العربية على الخبر وحرقه على الصحافة. وازاء هذا اهتمت الصحف الخليجية بالرأي واستقطبت كبار الكتاب الذين يتمتعون بجماهيرية كبيرة ومستوى فكري متميز وطروحات جديدة في مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما اهتمت أيضا الصحف الخليجية باعطاء مساحات كافية للموضوعات المثيرة والتشويقية مثل الحوادث على سبيل المثال وفي الوقت ذاته اهتمت اهتماما كبيرا بالجانب الرياضي الذي أصبح له جمهور عريض في مختلف دول الخليج لكن اتصور ان الصحافة الأنسب والأفضل في الخليج هي الصحافة الشاملة التي تجمع بين الخبر والرأي والموضوعات الخفيفة وهذا كله يعطي القارئ جرعة متكاملة من المعلومات في كافة الجوانب. ويجب ألا ننسى ان للصحافة جمهورها العريض الذي تتنوع اهتماماته وأذواقه واتجاهاته, ومن ثم فإنه يجب تلبية كل هذه الاتجاهات المختلفة لاعطاء الجميع ما يتمنونه وفي الوقت ذاته تحافظ الصحف على استمراريتها وديمومتها. وفيما يتعلق بالجوانب المهنية: اتصور ان غياب الجمعيات المهنية في الصحافة الخليجية يرجع إلى ان الصحافة في المنطقة حديثة العهد ولم تترسخ هذه المهنة بعد ومن ثم فإنه من الطبيعي ألا توجد الجمعيات المهنية في الوقت الحالي. لكن أعتقد ان التطورات التي شهدتها المنطقة ونضوج الوعي بأهمية الصحافة ودورها في تشكيل وعي المجتمع وخدمة قضاياه المصيرية, سوف يدفع باتجاه تشكيل كيانات أو تجمعات مهنية تحتضن العاملين في هذا المجال وتعطيهم الأمان الوظيفي الذي سيساعدهم على مزيد من الانجاز والعمل والجهد لخدمة الصالح العام. وهذا الأمر يدفعنا إلى القول بأن وجود تشريعات خاصة أمر مطلوب لتنظيم العمل الصحفي ويحافظ على أبناء المهنة بل وينظم علاقاتهم بالمجتمع وبكافة هيئاته. ولابد ان يشترك أبناء المهنة ـ الصحفيين ـ مع المسئولين في دول مجلس التعاون اضافة إلى المختصين في الاعلام في صياغة تشريعات تناسب الطرفين الحكومات والصحف, وبما يؤدي إلى وجود رسالة اعلامية متميزة تعبر بصدق عن التطورات التي شهدتها الدول الخليجية على مختلف الأصعدة. أما الجوانب الفنية: فيجب التأكيد على ان الانسان قادر على انجاز أي عمل طالما توفر له التدريب الملائم والظروف المناسبة للتعلم والدراسة وانطلاقا من هذا فإن الكادر المحلي في الصحافة الخليجية وخاصة في الجوانب الفنية أصبح له شأن كبير بعد اتاحة الفرصة له وتهيئة المناخ الملائم لكي يتعلم. واليوم نجد ان الكوادر المحلية أصبحت تقود القطاعات الفنية في الصحف الخليجية وحققت انجازات ربما تكون أفضل من الانجازات التي كانت لدى الكوادر الأجنبية. أما بالنسبة لقدرة كل من الصحافة الأهلية أو الحكومية على امتلاك ماكينة الطباعة فيمكن القول ان ما يتوفر للصحف الحكومية من دعم يجعلها قادرة على مواكبة التطورات الحديثة في مختلف المجالات الفنية والتي أصبحت جديدة وحديثة ومتغيرة مع اشراقة شمس كل يوم. * المدير العام ورئيس تحرير الندوة السعودية