لقد كانت الشكوك في محلها, فالرئيس الأمريكي كلينتون بوسعه اعادة المحادثات الاسرائيلية ـ السورية إلى مسارها, حيث انه يفتقر للورقة الوحيدة التي كان من الممكن ان تمكنه من احداث انفراج في الجمود الذي فرض نفسه على الجميع , ألا وهي تعهد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك الصريح بإعادة كامل الأراضي التي احتلتها اسرائيل خلال حرب يونيو 1967 إلى سوريا. ولقد كان معروفا على امتداد ثلاثة عقود من الزمان ان سوريا لن تفكر مجرد التفكير في ابرام تسوية لاتفي بمطلب العودة إلى الحدود الاسرائيلية ـ السورية على نحو ما كانت في مرحلة ما قبل الحرب, وهذا لم يكن شيئا أقل من هدف قومي سوري, وهو التزام صارم من جانب الرئيس حافظ الاسد تعهد به للشعب السوري, وكان قد رفض التفاوض مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق اسحاق رابين حتى استسلم رابين لهذا المطلب. وقد أعاد شيمون بيريز تكرار ذلك التعهد بعد اغتيال رابين في نوفمبر من عام 1995, وما كان يمكن للسوريين ان يوافقوا على حضور الجولة الجديدة من المحادثات في يناير 2000 لو لم يحملوا على الاعتقاد بأن باراك مستعد لتقديم التعهد نفسه. ويعتقد السوريون انهم قد تعرضوا للخديعة فالاتفاق كان ينص على ان المفاوضات ستجرى حول جميع القضايا العالقة بما في ذلك الحدود وستعقد في آن واحد داخل لجان منفصلة, شكلت لهذا الغرض, لكن ما حدث عمليا هو ان الوفود الاسرائيلية جرت أقدامها في المحادثات حول الحدود, وقفزت للحديث حول القضايا الأخرى, مثل الأمن, وتقاسم مصادر المياه والتطبيع الكامل, وإلى ذلك من قضايا, وذلك في اطار ما يبدو انه تكتيك اسرائيلي تم عن عمد توظيفه من أجل هندسة المفاوضات لتصب في اطار معين. لقد تحقق تقدم مهم في هذه المجالات, كما كان واضحا في (مسودة الاتفاقية) السرية التي تم تسريبها إلى الصحافة الاسرائيلية, بعد وقت قصير من انتهاء جولة يناير في شيبردزتاون بوست فرجينيا, ومما لا شك فيه ان التسريب الاسرائيلي المتعمد كان الغرض منه هو طمأنة الجمهور الاسرائيلي إلى ان باراك قد انتزع بمهارة تنازلات من دون مقابل اقليمي, لكن الاسد تعرض للاهانة في غمار ذلك على نحو ما كان يمكنه ان يقبل له. ووفقا لعوض في الوفد السوري, فإن الأسد اتخذ قرارا بعدم الوقوع في مثل هذا الفخ مرة أخرى, وهو لم يرد ان يخوض المجازفة بابرام اتفاق مثل أوسلو يجعله رهينة لاسرائيل, ومن هنا جاء اصراره على اعتراف باراك علنا بحدود الرابع من يونيو 1967 قبل استئناف المفاوضات. وقد أوضحت مصادر سورية مطلعة ان الرئيس السوري حافظ الأسد ذهب إلى جنيف خلال الشهر الماضي لعقد قمته مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون على أمل ان يكون بحوزة هذا الأخير رد ان لم يكن ايجابيا فعلى الأقل مشجعا من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي. وبدلا من ذلك اطلعه كلينتون على خريطة تمر فيها الحدود الدولية التي وضعت في العام 1923 من قبل فرنسا وبريطانيا القوتين الاستعماريتين في حينه, وأهم تغيير على الحدود في مسودة كلينتون التي حصلت على الموافقة من جانب ايهود باراك كان حرمان سوريا من المنفذ الذي كانت تتمتع به على بحيرة طبريا التي تعتبر مصدرا حيويا للمياه في المنطقة بأسرها. وأوضحت المصادر السورية نفسها ان كلينتون الذي واجه رفض الأسد المطلق حتى لمجرد التفكير بالاقتراح, قد حاول اقناع الرئيس السوري بأن يكون مرنا, في ضوء القيود الداخلية المفروضة على باراك وهشاشة ائتلافه الحكومي, الذي تؤيد فيه أقلية فقط انسحابا كاملا من الجولان, وقد ترك السوريون جنيف مقتنعين تمام الاقتناع بأن اسرائيل غير قادرة على دفع الثمن المطلوب للسلام. وفي واقع الامر فإن التوصل إلى تسوية مع سوريا ليس أمرا حيويا ولا ملحا بالنسبة لباراك فعدم التوصل إلى اتفاقية مع دمشق لا يهدد بأي شكل حكومته أو أمن اسرائيل. وتأجيل المفاوضات حتى إلى مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية سيكون في صالحه, فأيا كان من يخلف كلينتون فإنه لن يكن لديه سبب لتسريع العملية ولذلك فإنه من المؤكد انه سيكون أقسى على سوريا من كلينتون. وفي غضون ذلك, فإن انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان المخطط له في السابع من يوليو المقبل كحد أقصى سيحرم سوريا من ورقة مساومة مهمة, فدمشق لن يعود بمقدورها استغلال حزب الله الذي ستفقد جماعاته المسلحة مبرر وجودها بعد انسحاب القوات الاسرائيلية إلى الحدود الدولية, بحسب التصور الاسرائيلي. وستلقى مثل هذه الهجمات معارضة من جانب اللبنانيين المتلهفين لحماية أنفسهم من العمليات الانتقامية الاسرائيلية الحتمية, ومن قبل المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك فإن نهاية الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني ستؤدي إلى زيادة الضغوط على سوريا لسحب قواتها من لبنان بدورها. وإذا كانت هذه هي حسابات باراك, فإن (فشل) اجتماع جنيف قد يتبين انه نصر سياسي ـ دبلوماسي كبير بالنسبة له: فهو يشتري الوقت في وجه المقاومة الداخلية, ويعزز من موقفه ويحشر سوريا في الزاوية حيث تتلقى كل اللوم. غير ان ما لن يحققه هو الأمر الضروري والمتمثل في السلام مع العالم العربي الذي وعد به ناخبيه.