هل أصبح مانديلا صيدا للمخابرات البريطانية، إيدن يصف ايزنهاور بالغباء ويحذر من قيام ولايات متحدة عربية أتمنى على القارئ ألا يسمح لاسم مؤلفنا ستيفن دوريل بأن ينزلق من ذاكرته, ربما لانه سيتعين عليه أن يستعيده مرارا وتكرارا, عندما تصافحه عيناه على صفحات الجرائد, ربما لانه سيقرأه في معرض القضايا التي سترفع عليه بسبب كتابه الذي نناقش بعض جوانبه هنا, وأحسب أنه سيكون في مقدمة هذه القضايا التي سترفع عليه, وفي وقت ربما ليس بالبعيد, تلك التي لابد أنه سيرفعها عليه نيلسون مانديلا. والحكاية أن دوريل يلمح إلى ان جهاز الـ (ام. آي. 6) قد جند الزعيم الافريقي نيلسون مانديلا, وهو يصيغ زعمه هذا بمزيد من الحذر, ربما في ضوء نصيحة قضائية, حيث يقول: (هناك صيد آخر لـ (ام. آي. 6) هو نيلسون مانديلا, زعيم المؤتمر الافريقي الوطني) وعلق ما يقصده بقوله (صيد) من دون أي ايضاح لما يعنيه به. فهل كان الرجل يقصد بذلك أن مانديلا كان عميلا يقصد ما يفعل لجهاز المخابرات البريطانية الخارجية؟ أم كان يعني وهو الأمر الأكثر احتمالا أن (ام. آي. 6) قد أجرى تعاملات ودية مع مانديلا وشعر قادته بأن بمقدورهم الاعتماد على تعاطفه وبالتالي نظروا إليه - ربما بغير علم منه - على (عميل ذو نفوذ) ؟ وليس هذا الموضوع وحده هو المثير للجدل والخلاف في كتاب دوريل, وإنما هناك موضوعات عديدة, خذ عندك, مثلا, موضوع أهداف (ام. آي. 6) فهو يطرح تساؤلا محددا: الآن وقد انتهت الحرب الباردة هل انتهى هذا الجهاز أم انه تقلص فحسب؟ وفي معرض الرد يقول مؤلفنا ان هذا الجهاز أصبح الآن أقوى وأفضل هذا تمويلا من أي وقت مضى. ويشير إلى ان كل ما حدث هو ان أهدافه تغيرت فهناك (عشرة ضباط في وحدة (يو. كي. بي) بالمقر الرئيسي لـ (ام. آي. 6) يديرون عملية جيتستريم التي توجه التجسس الصناعي ضد فرنسا, ألمانيا, اسبانيا, ايطاليا وسويسرا) . ويتناول دوريل قضية أخرى على جانب كبير من التعقيد حين يناقش موضوع تمويل (ام. آي. 6) ويشير إلى ان ميزانية الجهاز قد تكون أي شيء, بين مثلي الرقم الرسمي المعلن وهو 776 مليون جنيه استرليني وخمسة أمثال هذا الرقم وذلك في تجسيد حي لقدرة قادته على استقطاب سياسيي حزب العمال تماما كما سبق لهم أن استقطبوا سياسي حزب المحافظين, حتى ان وزير الخارجية روبن كوك قد مضى في الاشادة بهذا الجهاز إلى حد القول: (لقد أذهلني نطاق عملهم ونوعيته الرفيعة) . النوم في العسل إذا شئنا العودة إلى اهتمامات القارئ العربي في غمار مناقشتنا لهذا الكتاب, لتذكرنا أن الفصل التاسع والعشرين الذي نركز عليه هنا يحمل العنوان الدال: (السويس: السفاحون والبلطجة) وقد سبق لنا القاء نظرة على محاولات اغتيال عبدالناصر التي تشكل شطر هذا الفصل, أما الشطر الثاني الذي نتعرض له الآن فهو ليس إلا (البلطجة) وهي الكلمة التي لخص بها المؤلف عمليات جهاز الـ (ام. آي. 6) الموازية للعدوان الثلاثي على مصر. ويشدد مؤلفنا على انه على الرغم من النجاح الذي تم احرازه ضد محمد مصدق في ايران, فإن معالجة الحكومة والخارجية البريطانيتين لشئون الشرق الأوسط كانت بحسب تعبير جورج يونج, وهو أحد كوادر (ام. آي. 6) البارزة (حكاية تخبط وكارثة) فقد بدا ان البريطانيين بعيدين عن ادراك المدى الذي وصل إليه العرب في رفضهم لوجود القوات البريطانية على أرضهم وكيف ان الحكام والسياسيين المرتبطين بالبريطانيين قد أصبح وضعهم مزعزعا في عيون الجيل الأحدث سنا. وقد اعتبر يونج ان الحقيقة القاسية هي انه في غالبية الأحوال قد فرض على البريطانيين مسار ناجم عن الفشل في اتخاذ قرارات ايجابية في مرحلة سابقة, ذلك ان الرفض العنيد لمواجهة الواقع لا يمكن أن يوصف بأنه قرار, وأعرب في وقت لاحق عن يأسه حيال (شلل الارادة الكامل الذي بدا انه ران علينا. كيف وقعت الحكومة البريطانية في هذا المأزق في المقام الأول؟ ولماذا لم تراجع سياستها في الشرق الأوسط قبل السويس بفترة طويلة؟ ولماذا لم يحزم البريطانيون رأيهم بدلا من انتظار الأمريكيين؟) ولم يبد ان يونج كان يعتقد ان (ام. آي. 6) على خطأ على الرغم من الحقيقة القائلة انه قد حشد من موارده في الشرق الأوسط أكثر مما كرسه للكتلة السوفييتية, وعلى الرغم من ذلك فإن عملية جمع معلومات المخابرات حول مصر بالتحديد التي قام بها قد نظر إليها على انها بائسة. وفي صدر الخمسينيات كانت محطة الـ (ام. آي. 6) في مصر تحت رئاسة جيفري هنتون, وهو أحد أصدقاء كيم فيلبي, ونائبه ضابط سابق في جهاز (اس. ايه. اس) وهو (جي. ام. اف. الستون) . وقد نظر إلى هذه المحطة باعتبارها بعيدة عن الكفاءة ومعلوماتها السياسية اعتبرت غير مناسبة أو بعد العهد بها, وقد اعتمدت على الحقيقة القائلة ان حزب الوفد بدا آمنا في سربه ورئيس الوزراء نجيب الهلالي باشا كان متعاونا إلى حد بعيد. ووصلت الأمور إلى حد انه عندما أبلغ جوليان ايمري وزير الخارجية البريطانية أنطوني ايدن بأن مدربا في هيئة الأركان العامة المصرية أبلغه بأن توشك على الاستيلاء على السلطة, أكد له جهاز (ام. آي. 6) ان الجيش لا يزال على ولائه للملك, وكانت معرفة محطة الـ (ام. آي. 6) المحلية في مصر بما تعتزم الـ (سي. آي. ايه) القيام به تفتقر إلى الكثير. وكان وزير الخارجية الأمريكي دين أتشيسون قد (استعاد) كرميت روزفلت من الـ (سي. آي. ايه) ليتولى رئاسة لجنة تقوم بدراسة الأوضاع في العالم العربي, وقد أبدت اللجنة تأييدها لتكريس نظم في المنطقة تنفذ الاصلاح الاقتصادي والسياسي الذي من شأنه أن يتكامل مع المساعدة الأمريكية الاقتصادية, حيث كان هدف مجلس الأمن القومي الأمريكي هو (دعم وتطوير تلك المجموعات القيادية في المجالات التي تطرح أعظم امكانية لتحقيق استقرار سياسي يميل باتجاه العالم الحر وقد كانت الساحة المختارة لهذه الأفكار هي مصر, حيث تم ارساء قنوات سرية بين محطة الـ (سي. آي. ايه) في القاهرة تحت رئاسة جيمس ايكلبرجر وبين مجموعة من الضباط الأحرار في الجيش المصري, حسبما يشير المؤلف من دون أي تفاصيل اضافية. هكذا فإنه عندما انطلق ثلاثة آلاف جندي ومئتا ضابط للقيام بما سيعرف فيما بعد باسم ثورة 23 يوليو كانت محطة (ام. اي.6) تنام في العسل بينما كان الطرف الأمريكي في كاملة يقظته, ويقول المؤلف في هذا الشأن انه مع بروز اللواء محمد نجيب إلى صدارة الأحداث, ومضى الملك فاروق على متن السفينة (المحروسة) إلى منفاه في نابولي فوجئ ضباط الـ (ام. آي. 6) بما يجري وبدا واضحا انهم يفتقرون إلى أي معلومات متماسكة حول ما يجري والمعلومات القليلة التي وصلوا إليها كانت تعكس افتقارا إلى الحد الأدنى من الخلفية المعرفية الحقيقية. وليس من قبيل الصدفة ان يكتب جون دي كورس هاملتون من طاقم السفارة البريطانية في القاهرة في مارس 1953 قائلا: (يعتقد الضباط المصريون اننا نتقلص كقوة عظمى, وهم يكنون كرها حقيقيا لنا في أعماق أفئدتهم من الناحية السياسية, وما من قدر من التنازل أو الانسحاب, من جانبنا من شأنه ان يثير أدنى امتنان لديهم بالمقابل, وأيا كان من تريده مصر في المستقبل كحليف لها فإنه لن يكون بريطانيا. وقد اتفقت الخارجية الأمريكية في الرأي مع هذا الطرح, وأعلنت ان بريطانيا ترتكب الخطأ نفسه الذي سبق لها ان ارتكبته في ايران, ولم يكن مما يساعد في تخفيف حدة الموقف انه كانت هناك مؤشرات جلية إلى ان بريطانيا تعمل على تحقيق محور عراقي ايدني, الأمر الذي كان معناه ان فرصة ان تصبح مصر في ظل النظام الجديد صديقة لها هي فرصة محدودة للغاية. أوميجا. توضح الوثائق البريطانية, بما لا يدع مجالا للشك ان انطوني ايدن قد بحث امكانية تدبير انقلاب أو اتخاذ اجراء اشد من ذلك ضد حكومة اللواء محمد نجيب, ولكن السفير البريطاني لدى القاهرة رالف ستيفنسون أقنعه بأنه (ليس هناك البديل بالنسبة لمصر, فاغتيال نجيب سيفضي إلى استيلاء أحد مساعديه, وربما ناصر, على السلطة) . ومن المهم هنا ان محطة (ام. آي. 6) في القاهرة لم تكن متحمسة لضرب عبدالناصر بعد بروزه بشكل أكبر على ساحة الأحداث في مصر, فهو بالنسبة لها لم يكن مثل مصدق في ايران, بل انها لم تتردد في رسائل رسمية في الاشارة إلى انه لن يبقى طويلا, وهي الأمنية التي يبدو ان ايدن كان يحلم بأن تشق طريقها إلى التحقق. وفي هذه المرحلة, أي عام 1953, تشكل ما يعرف باسم (مجموعة السويس) وذلك لتوحيد صفوف المعارضة لأي تغيرات مقترحة في علاقة بريطانيا مع مصر, بل انه بمجرد استيلاء مجموعة نجيب ـ ناصر على السلطة بدأ جهاز (ام. آي. 6) في التآمر للاطاحة بها, وكانت البداية تقديم كادر بارز في الجهاز هو جون فارمر الذي اتخذ من روما مقرا له إلى الأمير عبدالمنعم حفيد الخديوي عباس حلمي الثاني, الذي سيتم ترشيحه ملكا لمصر في عام 1956, وكذلك إلى أحمد مرتضى المراغي وزير الداخلية المصري الأسبق الذي سيتم ترشيحه رئيسا لوزراء حكومة يمكن ان تحل محل حكومة ناصر في حالة الاطاحة بها. كانت تلك هي المرحلة التي اتفقت فيها الحكومتان البريطانية والأمريكية على ضرورة القيام بشيء ما حيال عبدالناصر, ولكن الخلاف حول طبيعة هذا (الشيء ما) كان هو الذي يقف وراء صدام أسلوب وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس مع أسلوب نظيره البريطاني, ويحدثنا مؤلفنا ستيفن دوريل بأن تلك هي المرحلة التي اعتبر فيها ايدن الرئيس الأمريكي ايزنهاور (رجلا غبيا) و (عاجزا على الصعيد الدولي) . وان كانت الاحداث قد زادت الطين بلة بقيام العاهل الأردني بطرد جون جلوب باشا, فإن إيدن اعتبر ان عبدالناصر هو الذي يقف وراء هذه الخطوة, وهكذا فإنه أعلن ما يمكن وصفه بحرب شخصية على عبدالناصر, وفي 12 مارس 1956 لم يتردد في القول لأحد مساعديه (عليك ان تتذكر انه اما نحن أو عبدالناصر, لا تنس ذلك!) . وعقب نقاش برلماني بعث انطوني ناتنج وزير الشئون الخارجية بمذكرة حول الموضوع إلى ايدن, وكم كانت دهشة ناتنج عندما فوجئ بأن ايدن يتحدث عبر خط هاتفي مفتوح ليقول له : (ما كل هذا الهراء الذي بعثت به إليه؟.. ما كل هذا العبث حول ضرب نطاق من العزلة على ناصر أو تحييده كما تسميه؟ انني اريد القضاء عليه, ألا تستطيع فهم ذلك؟ أريد قتله, وإذا لم توافق أنت ووزارة الخارجية, فمن الأفضل لك الحضور إلى مجلس الوزراء وتفسير السر في عدم الموافقة هذه) . هكذا يبدو ان ايدن قد تجاوز مسئولي وزارة الخارجية البريطانية ومضى رأسا إلى جهاز الـ (إم. آي. 6) لتنفيذ ما يريده, ومن هنا جاء مسلسل محاولات الاغتيال الرهيب لعبدالناصر الذي سبق ان القينا الضوء على جانب منه. ويلفت النظر هنا ان ايدن كتب إلى ايزنهاور في مذكرة تحمل اشارة (سري للغاية) في 15 مارس 1956 ليبلغه وفقا لمعلومات وصفها بأنها يمكن الاعتماد عليها بصورة مطلقة ان عبدالناصر يهدف إلى انشاء (ولايات متحدة عربية) وذلك عن طريق التخلص من رئيس وزراء العراق واحباط حلف بغداد, وكذلك الاطاحة بالعائلتين الهاشميتين في العراق والأردن, وبالملكية في ليبيا واقامة جمهوريات خالصة في تونس والجزائر والمغرب, والأمر لا يقف عند هذا الحد وانما هو يشير إلى ان عبدالناصر كرر الاشتباك عسكريا مع اسرائيل وحدد شهر يونيو موعدا لذلك, وهو التوقيت الذي ستنسحب فيه القوات البريطانية من منطقة القناة. وبناء على معلومات المخابرات هذه التي تبدو لنا اليوم شيئا مشكوكا فيه إلى أبعد الحدود وافق مجلس الوزراء البريطاني على اقتراح مقدم من وزارة الخارجية البريطانية بأن بريطانيا ينبغي ان تسعى إلى تشكيل حكومة صديقة بشكل أكبر بالنسبة للغرب. وبعد ذلك بثلاثة أيام تم تشكيل لجنة فرعية تابعة للخارجية الأمريكية تضم في عضويتها مسئولين من الوزارة ومن الـ (سي آي ايه) ومن بينهم الان دالاس وجيمس انجلتون وكرميت روزفلت للنظر فيما إذا كان عبدالناصر سيجد تأييدا عربيا للوقوف وراءه استعدادا لخوض حرب ضد اسرائيل وطبيعة النتائج التي ستترتب على ذلك بالنسبة لموضوعي النفط والمد الشيوعي في الشرق الأوسط. وقد وافقت اللجنة على مجموعة من المقترحات قدمت إلى وزارة الخارجية البريطانية وبعد اجتماع عقد في البيت الأبيض في 28 مارس تم اقرار اتفاق انجلو أمريكي عرف باسم (أوميجا) والغرض الرئيسي منه هو جعل عبدالناصر يدرك انه لن يتمتع بوضعية الدولة الأولى بالرعاية من قبل الولايات المتحدة طالما انه يتعاون مع الاتحاد السوفييتي) . وفي هذا الاجتماع نفسه, كما يكشف المؤلف النقاب تمت مناقشة القيام بعمليات سرية ضد عبدالناصر, وشملت عمليات اشد صرامة ضد الرجل وصفها بروفسور دونالد كاميرون وات بأنها (مؤامرة أنجلو ـ أمريكية للاطاحة باستقرار نظام ناصر) شملت دراسة الأصول السورية لانقلاب محتمل إذا واصلت دمشق السير وراء ناصر وذلك في اطار ما يعرف باسم عملية (ستراجل) . إضربوا بشدة! كان رئيس الوزراء الاسرائيلي ديفيد بن جوريون يحاول منذ 1951 ان يرسي دعائم علاقات كاملة مع جهاز (ام. اي.6) ولكن جون سنكلير نحى محاولاته تلك جانبا بفعل تأثره بالعمليات الوحشية التي نفذها بن جوريون ضد الفلسطينيين. هذه الحقيقة, كما يشير مؤلفنا لا تمنع ان جهاز المخابرات الاسرائيلي (الموساد) يدين بالكثير لخدمة المخابرات السرية البريطانية, وانه فور تأسيس (الموساد) تمت عملية اقامة صلة ارتباط غير رسمية بين الجانبين, واعتبارا من عام 1948 فصاعدا صرحت محطة الـ (ام. اي. 6) في تل أبيب على ضمان وجود خط اتصال ثنائي بين الجانبين, وعلى الرغم من ان العلاقات بين الحكومتين البريطانية والاسرائيلية قد تراوحت بين البرودة والتجميد, إلا ان ذلك لم يمنع كادرا مخابراتيا متقدما مثل جورج لونج من الاهتمام بقدرة الموساد في مجال الحركة, والحقيقة القائلة ان اسرائيل قد انزلقت لتقوم بالدور الذي كانت القوات البريطانية في وقت من الأوقات تقوم به وهو دور المراقب المتأهب لتوجيه الضربات, وهو ما وصفه يونج بأنه أفضل ضمان لسلوك المصريين والسوريين والأردنيين. ولم يكن (الموساد) هو وحده الذي يشغل نفسه بالاستعداد لتوجيه الضربات إلى قاهرة عبد الناصر, ففي 26 يوليو 1956 وعندما أعلن الزعيم العربي تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية, كان ايدن يستضيف في تلك الليلة في 10 داوننج ستريت العاهل العراقي الملك فيصل ورئيس وزرائه العقيد نوري السعيد. وكانت نصيحة نوري السعيد لايدن كما يسجلها مؤلفنا: (أمامكم سبيل واحد للتحرك هو ان تضربوا, وان تضربوا بشدة, والآن, وإلا فات الأوان) . عندما رحل الضيفان استدعى رئيس الوزراء البريطاني الذي استبد به الانفعال مجلس وزرائه لاجتماع يسجل التاريخ انه سيمتد حتى الرابعة فجرا, وشدد خلاله على ان عبدالناصر أو (موسوليني المسلم) كما وصفه ايدن لا ينبغي السماح له على حد تعبيره بأن (يطبق قبضته على زورنا) وأضاف ايدن: (اريد الاطاحة به ولا أكترث أدنى اكتراث إذا حدثت فوضى واضطراب شاملين في مصر) . على الفور شكل ايدن ما يعرف باسم (لجنة مصر) للاشراف على رد فعل على ما أعلنه عبدالناصر يشمل إلا لزم الأمر ان تمضي بريطانيا وحدها لتقطع الشوط كاملا من دون الامريكيين والحلفاء الآخرين. عملية الفارس تشكلت اللجنة التي تولى رئاستها نورمان بروك وزير شئون مجلس الوزراء في مجموعة منتقاة من الوزراء ورجالات جهاز الخدمة المدنية البريطاني. وعلى الصعيد الرسمي علقت اللجنة الآمال على ان مزيجا من الرد الدبلوماسي السريع واستعراضا حاسما للقوة العسكرية قد يكون كافيا لاسقاط عبدالناصر, وقامت مجموعة مختارة من الضباط بوضع مسودات عمليات لتلبية مطالب اللجنة, واطلق على العملية التي تم الانتهاء من وضعها اسم (الفارس) واستبعد الكثير من المسئولين من قائمة من علموا بأمر الخطة, كما استبعد الأمريكيين من الاطلاع على ما تعده حكومة جلالة الملكة. وقد ساد الاجماع في داخل اللجنة على انه كلما جاء الرد البريطاني قويا زادت الفرصة المتاحة للاطاحة بعبدالناصر أو حتى قتله على يد أطراف من مجلس قيادة الثورة أو من خارجه إذا خانته اعصابه. غير ان اللجنة في اطار هذه الأجندة كانت في حقيقة الأمر تعمل على أجندة داخل الأجندة كما يصفها مؤلفنا, ففي الثالث من يوليو 1956 استقر اجماع ايدن ورؤساء الأركان على انه (لم يعد بمقدورنا ان نعتمد فحسب على التهديد بالاحتكام للقوة العسكرية للوصول إلى الاستقرار السياسي, وبالتالي فلابد لنا من ان نكرس الكثير من مواردنا غير العسكرية لتحقيق هذه الغاية. وقد أقرت هذا أيضا لجنة دودز باركر التي تعمل بتعاون وثيق مع جهاز (ام. اي. 6) , وكانت الخطة الأولى التي برزت للتعامل مع الموقف هي الخطة التي عرفت باسم (هاميلكار) وتقوم على أساس انزال قوات بريطانية في الاسكندرية, وهو ما اعتبر ان الهدف منه بوضوح هو اسقاط عبدالناصر. وكانت مهمة (ام. اي. 6) هي دعم اي تدخل بالقوات المسلحة بالعمل الداخلي ضد عبدالناصر, وادرك رجال الجهاز ان هذا سيسهل تحقيقه بصورة أكبر على نحو ما حدث في ايران, اذا جرى بالتعاون مع الأمريكيين, ولكن المحاولات التي قام بها مسئولو الجهاز لاقناع الأخوين دالاس في صيف 1956 بأن عبدالناصر ليس رجلا تقدميا ديمقراطيا وانما هو رجل يفتح أبواب الشرق الأوسط أمام خروشوف لم يقدر لها النجاح. في اجتماعات عقدت بين جورج يونج من (ام. اي. 6) وتشستر كوبر ضابط اتصال الـ (سي. آي. ايه) بدت الخلاصة واضحة , فبريطانيا والعراق سيمضيان قدما بخطط لاحداث انقلاب في سوريا, وقد اكدت الـ (سي. آي. ايه) على أهمية القيام بذلك في اطار العملية (ستراجل) وطلب مايكل اليان, مهندس الانقلاب, نصف مليون جنيه استرليني وشهرا من الزمان لكي يفرض نظاما جديدا في سوريا, وتحدد اليوم المستهدف مبدئيا بنهاية أغسطس. وفي ظل التفويض العام المقدم من ايدن لـ (ام. اي. 6) بتشكيل حكومة ظل لمصر من دون الرجوع للخارجية البريطانية وفي تناقض تام مع معلومات المخابرات العسكرية وتقارير السفارة البريطانية في القاهرة, التي تؤكد انه لا يوجد بديل لعبدالناصر ينتظر الفرصة للظهور, شرع ضباط جهاز المخابرات البريطاني في اجراء اتصالات, حسب تأكيد مؤلفنا والعهدة عليه مع رجالات حزب الوفد من الزملاء السابقين للنحاس باشا وأيضا مع .. الاخوان المسلمين. السيناريو الذي هوى قيل في اطار هذه الاتصالات, التي لا يزال الغموض يحيطها حتى اليوم, والعهدة على الراوي وهو في هذه الحالة مؤلفنا العتيد ستيفن دوريل ان اللواء محمد نجيب سوف يخرج من اقامته المحددة في داره ليتولى الرئاسة, وان ضباطا منشقين يعقدون اجتماعات مع معارضين مدنيين حول اغتيال عبد الناصر ومجلس وزرائه, وتشكيل حكومة يتولى رئاستها دكتور صلاح الدين وزير الخارجية المصري الأسبق في الفترة من 1950 إلى 1952, وطرح اسم رئيس الوزراء المصري الأسبق علي ماهر كذلك باعتباره الرجل الذي يحمل في جيبه قائمة بأسماء الوزراء الجدد. ويحدثنا المؤلف أيضا عن مجموعة متناحرة أخرى, لكن هذه المرة داخل الجيش المصري, تدور حول العقيد حسان صيام ضابط أحد أفواج المدفعية والذي جند فيما يبدو ضابطين آخرين, والذي مضى قدما فشكل مجموعة من الضباط العاملين والمتقاعدين تحت اسم (أنصار اليمين) . وعلى الرغم من انه ليس هناك أي دليل على ضلوع (ام. آي. 6) في الأمر إلا ان نمط العمل يبدو مثل الذي تم تبنيه في الانقلاب على محمد مصدق في ايران. وبشكل تحتمي كان اللاعب الأكثر بروزا في هو مرشح ايمري المفضل, أي الأمير عبدالمنعم بن عباس حلمي الثاني الذي رشح ملكا لمصر, كما رشح أحمد مرتضى المراغي رئيسا للوزراء, وقد غادر مصر بالفعل في يونيو 1956 واستقر في بيروت, وقال المتآمرون لايمري صراحة انهم لن يتحركوا إلا بعد ان تتحرك بريطانيا وفرنسا في الطريق إلى القاهرة وشددوا على ان قوات البلدين ينبغي ان تقوم بأي محاولة لاحتلال العاصمة المصرية. مرة أخرى وعلى ذمة المؤلف يقول ان اهم مجند في اطار هذه المؤامرة هو ضابط رفيع الرتبة في المخابرات المصرية, وهو قائد السرب عصام الدين محمد خليل نائب رئيس مخابرات سلاح الجو المصري, الذي تم الاتصال به خلال رحلة له في روما, وذلك من قبل احد أعضاء العائلة المالكة المصرية السابقة, وهو محمد حسين خيري, حفيد سلطان مصر في الفترة من 1914 إلى 1917. وبعد عدة أسابيع, وفي بيروت تم تقديم عصام الدين محمد خليل إلى جون فارمر الذي كان يعمل لحساب (ام. آي. 6) مستقلا عن المحطة المحلية, وذلك من قبل حسين خيري, وفي اجتماع ثان في بيروت عقد فارمر صفقة مع خليل, تم في اطارها اعطاء معلومات مخابرات بريطانية ثمينة عن اسرائيل مقابل تشكيله تنظيما سريا من الضباط في الجيش المصري, حيث ان هذه المعلومات ستكون المبرر الذي سيقدمه لرؤسائه بالجيش للرحيل مرارا وتكرارا إلى خارج مصر. وشدد خليل على ضرورة ان يكون هو قناة الاتصال الوحيدة بين المتآمرين والبريطانيين وان تقدم له مبالغ طائلة لتغطية نفقاته. وينقل المؤلف عن نائب رئيس جهاز (الموساد) الاسرائيلي ياكوف كيروز تعقيبه في وقت لاحق على ذلك بقوله: ان الاضرار بأمن اسرائيل عن طريق تقديم معلومات سرية عنها لم يؤرق فيما يبدو ضمير البريطانيين. وينقل ستيفن دوريل عن مسئولين بريطانيين كبار تأكيدهم ان المتآمرين كان عليهم وفقا لخطة (ام. اي. 6) قتل عبدالناصر في اطار تحركهم. الانقسام الكبير لست أشك في ان الفضول يساور القارئ في معرفة ما قام به هذا التجمع من الخفافيش في الوقت الذي كانت مصر تفتح صدرها للنار وهي تقاوم العدوان الثلاثي, ولكن المؤلف لا يخوض كثيرا في تفاصيل الفشل الذريع الذي منوا به وهو يكتفي بالقول انهم فشلوا في المقام الأول لأن مخزن السلاح الذي اخفته لهم المخابرات البريطانية في ضواحي القاهرة قد تبين انه مليء بالأسلحة المعيبة, وهكذا ولدت المؤامرة مختنقة. ويرصد المؤلف في غضون ذلك الانقسام الكبير الذي حدث في صفوف جهاز الـ (إم. آي. 6) بين من اعتقدوا ان العدوان الثلاثي لم يكن إلا (عملية مجنونة) أولئك الذين أيدوا إيدن واعتقدوا ان تلك هي لحظة الصدق بالنسبة لبريطانيا والتي يتعين عليها فيها ان تواجه مصيرها. ولعل القارئ سيقف طويلا عند موقف الأمريكيين على الرغم من كل ما سيقال عن دور ايزنهاور في أكثر مراحل العدوان دقة, فها هو المؤلف ينقل عن روبرت ايموري من الخارجية الأمريكية قوله في 3 نوفمبر 1956 لضابط الاتصال العتيد تشستر كوبر عبر الهاتف (قل لأصدقائك البريطانيين ان يذعنوا لوقف اطلاق النار اللعين أو ان يمضوا قدما بالغزو اللعين لمصر, وأيا كان ما سيقومون عليه فإننا سنؤيدهم إذا انجزوه سريعا, وما لا نستطيع احتماله هو ترددهم اللعين, واستغراقهم في رقصة الفالس بينما المجر تحترق) . هكذا فإن الأمريكيين كانوا يريدون للجريمة ان تتم وللقتل ان يقع طالما ان حز العنق لن يستغرق طويلا, لكن عنق مصر برهن على انه أكثر استعصاء على الحز مما تصور الكثيرون على شاطئ الأطلسي شرقا وغربا. وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان ايدن قبل ان يقدم استقالته في يناير 1957 حرص على ان يلخص ما وصفه بوصيته وشهادته الأخيرة في أعقاب كارثة السويس في قوله: (إذا أردنا ان نلعب دورا مستقلا في العالم, فعلينا ان نضمن استقلالنا المالي والاقتصادي. تأليف: ستيفن دوريل عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين