تناولت الصحف الاسرائيلية بصورة مكثفة خلال الاسبوعين الماضيين التطورات على المسار السوري خاصة قضية هضبة الجولان السورية المحتلة, وحول هذه المسألة تحديدا كتب الصحافي اليساري يارون لندن مقالا في صحيفة (يديعوت) جاء فيه: يقول انصار الاستفتاء الشعبي ان الانسحاب من هضبة الجولان هو خطوة ذات اهمية استراتيجية كبيرة لا يمكن التراجع عنها اذا تمت, واذا خاب املنا واستمر السوريون في التعرض لنا لن نتمكن من العودة الى الاراضي التي تركناها, وبالتالي لا نستطيع تعويض انفسنا عن الاضرار المادية التي نجمت عن الانسحاب. والادعاء المضاد يقول: بان هذه المبررات لم تدفع حكومات اسرائيل للتوجه الى الشعب قبل ضم المنطقة الكبيرة التي يطلق عليها اسم (القدس) وقبل ضم هضبة الجولان وقبل الاستيطان في هذه المناطق وقبل الانسحاب من سيناء وتدمير المستوطنات العبرية في شبه جزيرة سيناء, وهذه الخطوات تساوي التنازلات التي يتمحور الخلاف حولها الآن سواء من ناحية الاهمية الاستراتيجية او من ناحية عدم قابليتها للاسترجاع. ومصطلح (عدم القابلية للاسترجاع) هو مصطلح يصف نسبة احتمال صغيرة, ذلك لانه في اطار هذه النسبة الضئيلة من الاحتمالات من الممكن لكرة البلياردو ان تعود الى مكان انطلاقها, غير ان فرصة التعديلات في الخط الحدودي هي فرصة غالية جدا, لقد قمنا باحتلال سيناء مرتين وانسحبنا منها مرتين اذا لم نأخذ بعين الاعتبار نزهة لواء النقب الى العريش في حرب 1948. في لحظات الضيق, حتى ولو بثمن باهظ, تستطيع اسرائيل الصغيرة من ناحية اقليمية ان تعيد لنفسها ما فقدته من اتفاق مخيب للآمال خاصة وان الفجوة بين قوتنا وقوة اعدائنا تزداد مع مرور الزمن وثمة ما يكفي من الاسباب تدعونا الى القول بان هذه الفجوة لن تقل. من الممكن القول بان الخطر الكامن في الانسحاب يفوق الفائدة منه, ولكن هذا لايبرر الادعاء (بعدم القابلية للاسترجاع) كيف يحسبون مدى الاهمية التاريخية للحدث؟ هذا مرتبط بوجهة نظر الدارس, استطيع انا مثلا ان افكر بظواهر اجتماعية كثيرة, ثمة خلاف حول وجودها وهي قابلة للتغيير ولكن ولاسباب سياسية من الصعب تغييرها, لذلك من الممكن الادعاء بان من المناسب ان تعرضها على الشعب من اجل ان يقول كلمته, مثلا العلاقة بين الدين والدولة وشرذمة جهاز التعليم, هذه امور ذات اهمية تاريخية تفوق حتى مسألة الانسحاب, ذلك لانه ليس هناك ماهو اكثر اهمية من وحدة الامة وهويتها الثقافية. ان الاهمية التاريخية للتعليم المتشرذم الذي يؤثر على الاطفال طوال اجيال, هي اكبر من اهمية هضبة الجولان, كذلك فرصة الرجوع عن نتائج مثل هذا التعليم اقل بكثير من احتمال استرجاع هضبة الجولان, الى حيازتنا, ومن بين ادعاءات انصار الاستفتاء الشعبي ثمة ادعاء معقول: يجب ان لاتتخذ قرارا هاما بالانسحاب باغلبية ضئيلة, ولكن حتى هذا الادعاء الجيد يجب ان يدرس من الزاوية المبدئية وان نسأل لماذا نمتنع عن اجراء الاستفتاء الشعبي في قضايا هامة مثل تهرب طلاب المدارس الدينية من الجيش. ربما يشكل تجنيد 30 الفا من الذين يقتلون انفسهم في خيام التوراة التعويض الامني الذي يوازي التنازل عن الهضبة. وبذلك ولما كانت ثمة مبررات كثيرة للتوجه الى الشعب ومعرفة رأيه, ولما كانت ثمة امور كثيرة تنطوي على اهمية كبيرة ويبدو انها غير قابلة للاسترجاع, ولما كانت هناك امور كثيرة لا يجب اتخاذ قرار بشأنها بدون اغلبية ساحقة فانه يجب الاستنتاج بان احالة القرار في موضوع الانسحاب الى صناديق الاقتراع في الاستفتاء الشعبي يكون مبررا فقط اذا تم سن قانون عام ينظم اجراء الاستفتاء الشعبي بصورة دائمة, ولست واثقا من ان اقتراحي سيروق للفئات المتطرفة من بين معارضي الحل الاقليمي. ما الصحافي عكيفا الدار مراسل صحيفة (هآرتس) للشئون السياسية والذي كتب مقالة قبل قمة الاسد ـ كلينتون في جنيف فقد رأى ان اليساريين البارزين الذين عول عليهم رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك لاعداد الرأي العام الاسرائيلي قبيل الانسحاب من الجولان ينجرون وراء الشكليات مثل رفض السوريين للمصافحة وسلوك المسئولين السوريين تجاه الاسرائيليين ويتناسون الجوهر, ويرى ان موقف معسكر باراك هذا يخدم اليمين في معارضته للاتفاق. وتاليا مقال عكيفا الدار: بعد بث صوت اسرائيل نبأ مفاده ان زائرا غربيا لدمشق اكتشف ان الاسد يبدو مثل البابا في يوم سيىء, بفترة قليلة, سارع معارضو الانسحاب من الجولان للتحذير من عقد اتفاق مع شخص طريح الفراش. وما ان مرت ساعة من الزمن حتى اعلن الرئيس الامريكي بيل كلينتون ان الاسد المحتضر سيعرض امام الجميع في جنيف الاسبوع المقبل بـ(يديه المرتجفتين وقدميه الملوحتين) واذا شئنا الاقتباس عن الاذاعة, من الجدير ان نذكر ان رونالد لاودر مبعوث بنيامين نتانياهو تحدث منذ صيف 1998 عن لقاءات بدا الاسد فيها (مرهقا) تماما. وهنا يجدر ان نذكر ان معارضي الانسحاب من سيناء كانوا قد حذروا غداة مقتل السادات في اكتوبر الاول 1981 من انهيار النظام المصري ومعه اتفاقية السلام, ولو كان الامر منوطا باسحق شامير وغيثولا كوهين لكانت اسرائيل مازالت في وضع حرب مع اقوى الدول العربية. وضع الاسد الصحي الحرج وشخصيته الغريبة وصراعات الخلافة في دمشق احتلت مركز الحديث والاهتمام الاسرائيلي حول اتفاق السلام مع سوريا, بالامكان ان نفهم اليمين الذي يستخدم مرض الاسد وبرودته وضعف ابنه في كفاحه ضد مبادرة السلام, رفض الاسد ضم رئيس حكومة اسرائيل للقائه مع كلينتون سيكون بمثابة الزيت في آلة الدعاية المناهضة للانسحاب. ما ينقص فقط هو رفض السوريين لطلب الاعلام الاسرائيلي بالمشاركة في المؤتمر الصحفي الذي سيعقده كلينتون والاسد, وبالامكان الاعتقاد انه لو قبل الاسد بمصافحة باراك وحتى تقبيل وجنتيه لكان ارييل شارون ويهودا هوئيل يقدمان له الجولان مع الخد الثاني. التركيز على سلوك الاسد يتطلب تدخل الخبراء في المزاج والاطباع, عندما يقوم السياسيون باصدار الفتاوى في الشئون الادبية ليس من المستغرب اذا ان يقدم الكتاب على بلورة ورسم الاستراتيجية السياسية, يساريون بارزون تحديدا كان رئيس الحكومة يعول عليهم لاعداد الرأي العام قبيل الاستفتاء الشعبي يقعون الآن تحت تأثير استفتاء تراجعي. تحليلهم لسيكولوجيا العلاقات مع الاسد تحرف الانظار عن القضايا الهامة فعلا, هل سوريا (ولبنان) على استعداد لعقد السلام وهل يتوجب على اسرائيل ان تتنازل عن الفرصة التي قد تكون الاخيرة في هذا العام للتوصل الى تسوية مع رئيس سوري ذي صلاحيات ونفوذ وعن الفرصة للاستعانة بخدمات كلينتون؟ وما هو الثمن في العملة الحقيقية ـ وليس بمصافحة الايدي ـ الذي يمكنها ان تدفعه مقابل السلام؟ الاجابات تختبىء خلف مقالة مثيرة للفضول كتبها الكاتب الصحفي هشام الدجاني الذي يعيش في دمشق. هذه المقالة التي نشرت الشهر الماضي في صحيفة (الحياة) اللندنية تتضمن تنظيرا منه لسوريا, الا ان هذه التنظيرات تلائم اسرائيل بدرجة عجيبة. صحيح اننا لسنا قادرين على استعادة ارضنا بدون شروط بسبب توازن القوى, ولذلك لا مفر من تقديم عدة تنازلات في قضايا المياه والترتيبات الامنية وتطبيع العلاقات .. (ولكن) منذ ان وافقنا من منطلق الواقعية على مصدر الصلاحية في مدريد وافقنا على المظلة الامريكية التي لن يتحقق السلام بدونها, وعرفنا جيدا اننا نتعامل مع السياسة وليس مع التضليل الديماغوجي والشعارات الايديولوجية لقد آن الاوان للخلاص من الاوهام. اسرائيل لن تبتلعنا بعد السلام كما لم تبتلع مصر .. والاردن. ودور سوريا في المنطقة سيتعزز ولن يضعف بعد السلام. خلاصة المقالة تلائم اسرائيل ايضا: الامر منوط بدرجة كبيرة بقدرتنا على النجاح في معاركنا الداخلية ضد الفساد ومن اجل تجديد القوانين وبناء مؤسسات المجتمع المدني وتحديث البنية التحتية الاقتصادية والسياسية للدول حتى تتحول الى دولة حديثة تسير مع الزمن ... عندما قلت مع مجموعة صغيرة من المثقفين السوريون ان التطبيع هو جزء لا يتجزأ من اتفاق السلام المتوقع مع اسرائيل ثار غضب المعارضين, ولم يستكينوا الا بعد ان القوا بنا خارج اتحاد الكتاب. عندنا في اسرائيل يسمح للكتاب والحمد لله, ان يكتبوا كل ما يخطر ببالهم, ويسمح للحاخامات ايضا ان يشتموا الوزراء.