كيف.. هي أحوال العلاقات الشعبية بين مصر والسودان.. هل هي بخير.. أم أن العكس هو الصحيح.. ماهي مظاهر السلبيات والايجابيات في هذه العلاقة.. كيف كانت في الماضي.. وما هو حاضرها.. وكيف يكون مستقبلها.. ما هو المطلوب على المستوىات الشعبية بشكل خاص لكي يعاد بناء قواعد حقيقية وعميقة في العلاقات المصرية السودانية من نواحيها الشعبية؟! مؤخرا معهد الدراسات الافريقية بجامعة القاهرة تحت اشراف الدكتور أحمد فليفل عميد المعهد وتحدث فيها الدكتور حيدر ابراهيم رئيس مركز الدراسات السودانية بالقاهرة, وهو أحد الأكاديميين السودانيين الأكثر دراية بشئون البلاد السياسية. يقول الدكتور حيدر ابراهيم: (أولا.. أسعدني عنوان الندوة لأنه غير تقليدي, وثانيا.. ان فعلا مثل هذا يعطي تصورا ايجابيا للعلاقات الشعبية المصرية السودانية لأننا كثيرا ما نتحدث عن السلبيات, وأن كان بضدها تتمايز الأشياء.. ونحن ان تحدثنا عن السلبيات فذلك لكي نرى الضد. عندما بدأت في كتابة بعض النقاط لهذه الندوة.. جاء في ذهني اعتذار البابا قبل فترة قصيرة, واعتبرت وكأننا كشعب مصري وشعب سوداني قد دخلنا ضمنيا وبطريقة غير مباشرة مرحلة الاعتذارات.. فالاعتذار واحد من السلوك الانساني الراقي والشجاع, ونحن في الدول العربية كثيرا ما نهمش الاعتذار, فهو سلوك صعب على الذات العربية, كما أن النقد والنقد الذاتي من أكثر العمليات التي لا نستطيع أن نمارسها بسهولة, حتى ان بعض الأحزاب العربية المتقدمة سنجد أن من أبرز أسباب انشقاقاتها وانقساماتها هو عدم القدرة على النقد الذاتي والاعتذار.. وأعتقد أنه من جانبنا كسودانيين على الأقل أننا مطالبون بالاعتذار للشعب المصري, لأن هناك صورة نمطية تكونت داخل العقل الواعي وغير الواعي لدى السوداني عن طبيعة العلاقة مع المصريين وهذه العلاقة في بعض الأحيان يكاد أن نخضعها لشكل من أشكال التحليل النفسي الفرويدي بالذات فهي علاقة (حب وكراهية) .. هناك شعور فائض بالحب.. وفي نفس الوقت.. هناك شعور فائض وزائد بالكراهية, أو على الأقل بعدم الفهم. من أين أتى هذا التناقض في العلاقات المصرية, السودانية بين الشعبين؟ الحقيقة أن العلاقات المصرية السودانية, دائما ما يمتزج فيها التاريخ بالأيديولوجيا, أي أنه عندما نحاول أن نبحث تاريخ العلاقات المصرية السودانية لا نبحث فيها بصورة موضوعية وانما ننظر اليه بمنظار أيديولوجي يضيع الكثير من ملامحه الموضوعية, وحيدة الحقائق.. في فترات طويلة كنا ننظر الى العلاقة أما كاتحاديين أو انفصاليين استقلاليين.. أما أن ننظر الى العلاقة مع مصر كأشقاء حقيقيين أو مهيمنين.. ولاشك أن مزج التاريخ بالأيديولوجيا غالبا ما يكون سببا في تعتيم وغموض الرؤية المتبادلة بين الشعب المصري والشعب السوداني لذلك قدر لتاريخ العلاقات المصرية السودانية حتى الآن أن يدرس بطريقة منحازة.. هناك مدرسة قديمة (محمد فؤاد شكري) وهذه المدرسة تعاملت مع السودان كجزء من مملكة أو امبراطورية مصرية, ولذلك لم تستطع أن تتناول تاريخ العلاقات المصرية السودانية كتاريخ شعبين.. وبالتالي كان لهذا التناول سببه في أن يكتب تاريخ غير التاريخ الحقيقي.. ومن الطرف الآخر كان هناك شخص مثل محمد عبدالرحيم الذي كتب عن دفع الافتراء بأن يكون السودان جزءاً من مصر.. واعتبر أن هذا, نوع من الافتراء على التاريخ. وبعد ذلك في الأربعينات أصبحت الأيديولوجية هي الغالبة وتم استعادة التاريخ لتأكيد هذه الأيديولوجية, فقد انقسم السودان في تلك الفترة الى احزاب تدعو لوحدة وادي النيل, وأحزاب مضادة تدعو أن يكون السودان للسودانيين.. ومن كان يقول ذلك, فهو من البداية قد وضع حاجزا نفسيا وسياسيا بين الشعبين.. من الطرف الآخر كان هناك الاتجاه الوحدوي أو الاتجاه الاتحادي في شكله العام.. هناك قوى تعتبر أن وحدة وادي النيل يجب أن تكون تحت التاج المصري, وهناك مجموعات وهي غالبا من اليسار المصري تتحدث عن الكفاح المشترك.. لذلك نرى أن الحياة الحزبية حاولت أن تستنطق التاريخ عبر الأيديولوجية بحيث تستطيع أن تقرأه بطريقة تدعم وجهة نظرها.. فالاستقلاليون رجعوا لفترة (التركية) أو لما تسمى بالتركية الأولى واعتبروا أنه من هذا المنطق يمكن فهم العلاقة بين مصر والسودان, ولذا فهي في وجهة نظرهم علاقة صراع وتحارب مستمرة.. وبذلك حاولوا فهم التاريخ من هذه الزاوية. الاتحاديون من جانبهم كانوا يتحدثون باستمرار على أن القطرين هما في الأصل قطر واحد.. ويرجعون لاثبات ذلك الى فترات الحضارة القديمة ودخول الاسلام الى السودان.. وبالتالي هم أيضا قلبوا التاريخ لكي يدعم الايديولوجية السائدة. هذه النقطة, وهي ضرورة الفصل بين التاريخ والايديولوجية, أعتقد أنها تصلح كمنطلق أولي لرسم الصورة الايجابية للعلاقة المصرية السودانية على مستواها الشعبي.. وأنا لا أفضل كثيرا مسألة اعادة كتابة التاريخ, لأن هذا الشعار عندما يطرح يكون هناك كما يقال (حاجة في نفس يعقوب) .. يعاد كتابة التاريخ لكي تلوي عنقه وتوجهه في اتجاه آخر.. ولكن يمكن أن نقول كتابة التاريخ بصورة موضوعية خالية من الأيديولوجية حتى نستطيع من خلاله فهم الواقع الحقيقي للعلاقات المصرية السودانية. ذات الاتجاهين النقطة الثانية هي أيضا جديرة بالاعتذار والفهم, وسوف أعالجها على الأقل من الجانب السوداني, وهي ما اسميها بـ (العلاقات ذات الاتجاهين) نحن في السودان نعتبر أن العلاقة مع مصر (طريق واحد) ودائما ما نلوم ونعاتب الاخوة المصريين بعدم اهتمامهم بالسودان.. هذا الجانب نتعامل معه وكأن مصر هي التي عليها دائما أن تتقدم للسودانيين للتفاهم.. واذا لم تصل مصر لا نصل نحن وننتظر.. ولذلك اعتقد أن واحدة من أسباب ضياع الفرص في العلاقات المصرية السودانية هي الانتظار السوداني.. وأريد أن أوضح وليس أبرر من أين أتى هذا الانتظار السوداني الدائم, وأقول إن السوداني بطبعه خجول ودائما ما تكون قدرته على المبادرة أقل, وهو أقرب الى البداوة منه من المصري الذي عاش في دولة فيضية على النيل وعرف شكلاً من أشكال التحضر في المدن.. والبدوي بطبيعته شكاك واذا تعرض للشك مرة في شيء ما, لا يمكن أن يزال منه هذا الشك بسهولة, لذلك يفضل السوداني أن يتوخى الحذر الشديد في الدخول الى العلاقات الجديدة وأن يزيل الحواجز بسهولة وسرعة.. في الجانب الآخر نجد ان المصري على عكسه تماما فهو لديه القدرة في التعامل بصورة سريعة مع الطرف الآخر.. وكما قلنا فإن الطرف الآخر السوداني غير معتاد على أن يأخذ هذا السلوك بشكل ايجابي, فهو يعتبره وكأنه اقتحام في شخصيته, ولذا غالبا ما يحدث سوء الفهم ليس على مستوى المواطن العادي فقط وانما أيضا على أعلى المستوىات السياسية.. فالسياسي السوداني يمكن ان يقبل أشياء كثيرة تأتي من أماكن مختلفة في العالم, ولكن عندما تأتي من مصر تثير علامات استفهام كبيرة.. فمثلا قد يقبل السياسي السوداني مبادرة كندية, بل ويرحب بها, ولكن عندما يتحدث الناس عن مبادرة مصرية, نجد أن قرون الاستشعار السودانية تستنفر وتقول إن هذه المسألة ليست بريئة تماما أو أن هناك شيئا ما يطبخ في السر.. ولذلك اعتقد أن هذا الجانب يحتاج الى أن تتفهم مصر كيف تتناول الشخصية السودانية وتتعامل معها .. أيضا الاخوة المصريون سوف نجد أنهم وصلوا الى حد القول انهم تعبوا من السودانيين وانهم لا يستطيعون أن يعرفوا كيف يبدأون وكيف ينتهون.. هذا الكلام سمعته من شخصيات مصرية كبيرة, وأتذكر أنه في لقاء للأستاذ محمد حسنين هيكل مع مجموعة من السودانيين قال الأستاذ هيكل بصورة أدهشتني (أنا لن أتعامل مع الشأن السوداني) .. لماذا؟.. طبعا يوجد حدثان معروفان جعلاه يتخذ هذا الموقف أولهما انه كتب ذات مرة بصراحة ثم ماذا بعد في السودان؟ وكانت نتيجته ان قامت مظاهرات ضد السفارة المصرية في الخرطوم.. وفي هذه الجلسة سألت الأستاذ هيكل: أنت تتحدث عن افغانستان وايران والصين وامريكا, وتترك بلداً على مرمى رمحين منك وترفع يدك وتقول أنا لن أتحدث عن الشأن السوداني؟! فقال ما معناه (كفاية كدة) .. هذا الاتجاه يبدو انه قد بدأ يتكون عند الكثير من المصريين المهتمين بالشأن السوداني باعتبار ان الشأن السوداني تناوله صعب والمسألة لا تصل الى حدود. الحساسية هنا يأتي الحديث وهو اتهام متبادل بين الطرفين واعتقد انه خاطئ تماما.. لأنه عندما تتهم شخصاً ما بالحساسية فهذا يعني انتقاصاً له لأنه يعني عدم النضج في التعامل مع الآخرين. الآن يمر السودان بظروف دقيقة جدا.. وسوف أكون مباشرا وأقول إنه لو لم تستطع مصر أن تلعب دورا الآن, فان أي دور آخر سيكون متأخرا جدا, ولا يجب أن ينظر المصريون على أن ذلك تدخلا في شئون السودان أو ينظروا الى ان السودانيين (حساسين) , وأعتقد ان العلاقة المصرية السودانية على مستواها الرسمي والشعبي في مفترق طرق, واما أن تستطيع مصر أن تقوم بدورها بصورة تاريخية تحفظ مصالحها أولا وتحفظ مصالح السودان ووحدة أراضيه وأقاليمه, وإما تكون قد أضاعت هذه الفرصة التاريخية.. الآن اذا لم تستطع مصر أن تلعب دورها بصورة ايجابية وبصورتها الحقيقية ستجد السودان في حالة تفتيت, لأن احتمالات (الصوملة واللبننة والأفغنة) وغيرها موجودة بالنسبة للسودان.. وأقولها وبصراحة شديدة جدا أنه للأسف حتى الآن لا توجد استراتيجية مصرية واضحة تجاه السودان.. لأن السياسة المصرية ما زالت تعتمد في هذا الشأن على (التجربة والخطأ) وقد شاهدنا ذلك واضحا خلال الأعوام العشر السابقة, حيث اعتمدت السياسة المصرية أسلوب ردود الفعل ولذلك ظلت هذه السياسة في حالة انحسار مستمر بل واستطاع النظام السوداني أن يستمتع بهذه السياسة, ويعمل بطريقة الهجوم خير وسيلة للدفاع, فنجده يتخذ خطوات هجومية ضد مصر, ثم ينتظر رد فعلها, وعندما تبدأ مصر في حساب رد الفعل المناسب يكون النظام قد فاجأها بهجوم آخر وهكذا. لقد استمر النظام السوداني في تعامله مع مصر بهذه الصورة و أعتقد أنه نجح تماما في أن يضع مصر بكل ثقلها وقدراتها في ركن ولم يمكنها من التحرك. وفي حوار سابق لي في التلفزيون المصري تم حذف هذا الجزء من كلامي قلت إن السياسة المصرية في السودان بطيئة ومترددة.. وأكرر هذا الكلام مرة أخرى انه بالفعل السياسة المصرية باتجاه السودان بطيئة ومترددة.. وأحد مظاهر هذا التردد هي المبادرة المصرية الليبية التي يتحدثون عنها الآن, فهي في الأصل مبادرة مصرية, ولكن تردد مصر وبطئها جعل القذافي يقفز على هذه المسألة ويأخذ هو المبادرة فتصبح المبادرة المصرية الليبية.. ولو تتبعنا تاريخ هذه المبادرة سنجد أن بدايتها الأولى كانت عندما جاء جون قرنق الى القاهرة والتقت القيادات السياسية السودانية كلها شمالية وجنوبية.. وفي ذلك الوقت كان الحديث ساخنا وكان يمكن لمصر أن تقوم بمبادرتها, ولو فعلت ذلك لكانت قد كسبت الوقت. والسودان كسب هو الآخر وقتاً بدون حرب أهلية, وأؤكد أن النظام السوداني في هذا الوقت رغم الحملات اللفظية وغير اللفظية ضد مصر كان في حاجة أن تدخل مصر لانقاذ الأوضاع في السودان, أو على الأقل أن تقدم حلاً وسطاً قبل أن تستفحل الحرب الأهلية.. لكن مصر ترددت فذهبت المسألة من يد مصر الى يد الجماهيرية الليبية. في هذه الفترة أيضا كانت (الايجاد) في حالة تدهور شديد, ولولا دخول أطراف أوروبية في مبادرة (الايجاد) لكانت قد ماتت هذه المبادرة, لأن الجولات والمفاوضات بين الحركة الشعبية والحكومة كثرت بدون نتائج.. الآن مصر تتحدث كثيرا عن عدم سماحها بتفتيت أو تقسيم السودان, ولا ندري كيف لا تسمح بذلك أو ما هي الأدوات التي تملكها مصر لعدم السماح بذلك.؟ ولو افترضنا أن الجنوبيين قرروا اليوم أن ينفصلوا عن السودان.. فهل ستتدخل مصر مثلما حدث بالنسبة لسوريا في لبنان؟ وهل امكانية ذلك موجودة.. هذه ايضا مسألة, لابد أن تبني مصر في علاقاتها الشعبية والسياسية مع السودان احتمال التدخل العسكري الذي يفترض انه وارد.. ولكي نتجنب مثل هذا الوضع الحاد علينا أن ننشط المبادرة المصرية الليبية التي أصبحت واقعا بالشكل الموجود.. ولكن حتى الآن لا يوجد تصور واضح لتفاصيل المبادرة وتركت المسألة للظروف وكأنها ستحل نفسها بنفسها. ولاشك أن دور مصر في السودان يترتب عليه مسئولية وسوف أقتبس هنا مقولة للعالم المصري الراحل جمال حمدان يتحدث فيها عن مسئولية مصر تجاه موقعها ويقول: (ينبغي على مصر نفسها أن تدرك أن مغزى هذا الدور الذي ألقته الطبيعة عليها أنه أساسا واجب التضحية والبذل للدول العربية, وواجب النموذج والمثال الذي تتطلع اليه وتلك رسالة أشق وأدق مما قد يكون بعضنا على استعداد أن يتصوره) .. هذا يعني باختصار أن مصر عليها أن تعطي أكثر مما تأخذ, وأن واجب العطاء محتم عليها.. ويرى الشعب السوداني الآن ان بلاده في محنة والأصدقاء والأشقاء دائما يختبرون في المحن.. وذلك كله مشروط بأن تتعامل مصر مع الشأن السوداني باعتباره شأنا مصريا دون ما يسمى بالحساسية, ولكن من منطق المصالح وهذا ليس عيبا, لأن الجميع يتحدث الآن عن مسألة المصالح حتى في علاقات أوروبا وبعضها. أما بالنسبة للعلاقات المصرية مع العسكر في السودان فهناك اتهام حقيقي أو زائف في غالبية العقل السوداني ان مصر تحب دائما أن تتعامل مع نظام عسكري في الخرطوم, ويقولون أيضا إن مصر تريد الاستقرار ولا تريد الديمقراطية في السودان.. وهذا السؤال يثار الآن بالنسبة للمبادرة المصرية الليبية.. هل ما تسعى اليه هذه المبادرة ان تحقق الاستقرار أم الديمقراطية؟.. لذلك تشكلت عقدة لدى السودانيين من أن العلاقات بين مصر والسودان تتحسن في فترات الديكتاتورية العسكرية, وأن مصر تسارع دائما بتأييد الدكتاتوريات العسكرية في السودان.. وقد تسبب هذا الاعتقاد في هز الثقة لدى السودانيين تجاه مصر.. وفي هذا الاطار أقول بصراحة شديدة إن الصادق المهدي لن ينسى لمصر أنها أيدت البشير في بداياته وستظل هذه النقطة كامنة في عقل الصادق ولن تمحى بسهولة. تنمية العلاقات وأرى أن المدخل الأساسي لتنمية العلاقات الشعبية المصرية السودانية واعادة بنائها بشكل صحيح هو المدخل الثقافي.. فقد كان السودانيون يتحدثون في العشرينات والثلاثينات من العقد الماضي عما يسمي بالوحدة الثقافية, وقد سماها بعضهم (الوحدة الأدبية) , ودار حوار حول السودان وعلاقة الأدب بمصر واستمر حتى الستينيات.. وأتذكر أن الدكتور محمد النوهي دخل في معارك مع شعراء مثل محمد محمد علي وغيره حول قومية الأدب وصلة الأدب السوداني بمصر.. ولم يكن يشعر بحساسية في هذا الأمر.. لذلك نجد أن كافة الجوانب الثقافية فيها امكانية للتواصل بين الشعبين.. وسوف نجد أن أغلب الشعراء السودانيين الذي اشتهروا في هذا المجال جاءت شهرتهم من مصر.. ولو قفزنا الى الحاضر فسوف نجد أن هناك كما هائلا من السودانيين يعيشون في مصر, ولكنهم يعيشون وكأنهم معزولون في جزر منفصلة عن المصريين.. هذا الشعور لم يكن موجودا في الماضي وهو يؤثر بالسلب في العلاقات الشعبية, ولكني أرى أن هذه الحالة غير موجهة الى السودانيين فقط, لأن المثقفين المصريين لديهم نفس المشكلة أيضا, فهم يعيشون في جزر منعزلة عن الواقع المصري نتيجة أسباب كثيرة.. طبعا هذا لا يمنع أن تكون هناك (طليعة) أو مجموعات مصرية سودانية عندها القدرة على القيام بعمل مشترك.. وقبل ذلك كان هناك تجربة مجلة (وادي النيل) كما كان هناك تجربة التكامل المصري السوداني, التي جاءت من السودان في عهد نظام ديكتاتوري عسكري.. لذلك عندما سقط النميري سقط كل ما يتعلق به سواء كان خيرا أم شرا.. وهنا يمكن أن أدعو الى تكامل شعبي بين منظمات المجتمع المدني وبعضها في الدولتين والقيام بأعمال مشتركة ومنتديات صحفية وانتاج تلفزيوني وسينمائي ومسرحي مشترك.. وهنا أعود أيضا لنوع من الادانة للجانب السوداني وأقول ان المثقفين السودانيين لم يقتحموا هذا الجانب في علاقاتهم مع مصر.. وان كنا على مستوى مركز الدراسات السودانية قد قمنا بهذه العملية من الاختراق من خلال تبني المركز لبعض الأعمال الثقافية السودانية وعرضها على مثقفين مصريين لاحداث هذ ا التفاعل. أيضا سنجد أن البحث العلمي والنواحي الأكاديمية فيها قدر كبير من الانعزال, ومنذ فترة فوجئت ان ندوة عن الحدود المصرية السودانية عقدت في مصر ولم يشارك فيها سوداني واحد.. البحوث المشتركة أيضا تعاني من هذه العزلة, ونرى أن جامعات غربية تأتي الى السودان وتقوم بأبحاث مشتركة مع الجامعات السودانية في حين أن الجامعات المصرية لا تفعل ذلك رغم أن هناك قضايا مشتركة كثيرة يمكن البحث فيها.. فالسودان من ناحية البحث والكتابة ما زال بكرا مثل النواحي الاقتصادية.. وهذا خلل في العلاقة لابد من اصلاحه عن طريق مؤسسات المجتمع المدني, ولا ننتظر المؤسسات الرسمية لاقتحامه.. حيث يمكن لنا أن نقتحم هذه المجالات وأن نبني قواعد حقيقية وعميقة في العلاقات المصرية السودانية من نواحيها الشعبية.. لقد كانت هناك فرص كثيرة ضائعة, وعلينا جميعا ألا نسمح بضياع فرص أخرى. القاهرة ـ أحمد مراد