حزب الأمة مضى أبعد مما ينبغي وسيدفع ثمن ذلك باهظاً من دمه ولحمه وفكره. الأصل في التجمع انه مظلة للتلاقي الطوعي على برنامج مرحلي للعمل المشترك. التأكيد على الطوعي يوازي في أهميته المرحلي. لا أحد يملك حق املاء موقف على طرف آخر إلا بالحوار. لا خلاف على هجاء المهدي المعلن للتجمع في ضعف هياكله وقيادته وأدائه, غير أن تعزيز بنية التجمع وفعاليته يكون بالثبات داخله وليس الانسلاخ عنه. فمغادرة التجمع من قبل فصيل بحجم الأمة يهدم ولا يبني ويضعف ولا يعزز. فالخروج من مظلة التجمع ذهاب في طريق لا يفضي إلى تحقيق البرنامج المرحلي ويؤدي إلى تفتيت العمل المشترك ونحسبه ضرورة ترقى إلى مرحلة العقيدة في العمل السياسي على الساحة السودانية خاصة من قبل المعارضة. ربما نتفق كذلك مع قادة حزب الأمة في حديثهم عن مواجهة تكتل داخل التجمع. المتابعون لتفاصيل الخلافات داخل التجمع قد يعترفون بأن حزب الأمة تم استدراجه لجهة اتخاذ موقف استثنائي في المرحلة الأخيرة. المؤسف أن حزب الأمة لم يستسلم فقط للإغراء وانما ذهب أبعد مما ينبغي. قد يفيد الحوار التسليم هنا بأن بروز تكتل مضاد لحزب الأمة داخل التجمع جاء بفعل تراكمات أفرزتها ممارسات الحزب نفسه. ما من أحد داخل التجمع أنكر ضعف أداء التجمع في ضوء الطموحات الشعبية المعلقة عليه. غير أن حزب الأمة مضى أبعد مما يجب في هجائه المعلن لقادة التجمع إذ لم يكن ذلك الهجاء العلني المكثف من قبل المهدي ليقابل بالرضا لدى قادة الفصائل الأخرى. الاعتراف بالقصور وممارسة النقد داخل مظلة التلاقي الطوعي حق مشروع لكن كيل الهجاء خارج أقنية العمل المشترك يفرز رد فعل موازياً في اتجاه آخر حسب القاعدة الفيزيائية. حق الفصائل في المبادرة مكفول غير أن المهدي ذهب في هذا الطريق أبعد مما ينبغي حين مضى للقاء الترابي في جنيف دون مشورة قادة يفرض التلاقي الطوعي اشراكهم في الأمر. رغم ان قادة التجمع ازدردوا في الظاهر لقاء جنيف, إلا أن مبادرة المهدي ترسبت في النفوس سلباً. المهدي مضى أبعد من جنيف بلقاء البشير في جيبوتي. توقيع الاتفاق الثنائي بين حزب الأمة والنظام الحاكم دفع العلاقة بين المهدي من جانب وحلفائه داخل التجمع من جانب آخر الى حافة الهاوية. صحيح أن حركة قرنق ظلت تفاوض النظام سنين عددا إلا أن المهدي مضى أبعد من قرنق حين وقع اتفاقاً مع النظام في نهاية لقاء واحد. لو أن أي قيادي من حزب الأمة غير مبارك الفاضل المهدي وقع (اتفاق جيبوتي) لقلل من رد فعل فصائل التجمع الأخرى. فمبارك المهدي هو الأمين العام للتجمع وهو موقع يضعه بالضرورة فوق مرتبته الحزبية داخل الأمة. مبارك المهدي ذهب هو الآخر أبعد مما يجب حين قدم انتماءه الحزبي على ولائه القومي المجسد في التجمع. بين مبارك المهدي من جهة وعدد من قادة التجمع أكثر من شائبة تعكر صفو الانسجام خاصة ما بين مبارك المهدي وزعيم التجمع محمد عثمان الميرغني. ربما كان من الحكمة أن يقدم المهدي قيادياً آخر من حزبه لتوقيع اتفاق جيبوتي لكنه ذهب في استقلاليته ـ التي لا ينازعه عليها أحد ـ أبعد مما يجب. لهذا العنصر الشخصي بعده وثقله في دفع الأمة للانسلاخ عن التجمع. قد تبدو المسألة في سياقها المنطقي وكأنها تباين سياسي بين رؤيتين باعتبار ان (الأمة) بات أكثر واقعية في التعامل مع الخيارات المتاحة لمغادرة المأزق السوداني المستحكم مقابل رؤية أكثر تشدداً في التعامل مع النظام لتفكيك ذلك المأزق يتمسك بها قادة الفصائل الأخرى. النظرة هذه لا تجافي الواقع لكن تدافع الأحداث في اجتماعات أسمرة الأخيرة التي دفعت حزب الأمة للانسلاخ انطوت على أبعاد شخصية تتداخل فيها ردود فعل ذاتية ازاء مجمل مواقف الصادق المهدي التي كسرت روح التلاقي الطوعي وممارسات بل لنقل (مماحكات) شخصية أخرى بين مبارك المهدي وقياديين آخرين. ليس مبالغة أن استحداث سكرتارية وإلحاقها برئيس قيادة التجمع استهدف الاطاحة بمبارك المهدي شخصيا. ربما يحق لحزب المهدي أن يعتبر الخطوة تقليلا من حجمه خاصة وأن رئاسة لجنة تنسيق المبادرات ذهبت إلى عبدالرحمن سعيد. الأصل في التجمع ـ كما قلنا ـ التلاقي الطوعي ومن حق حزب الأمة أن يستنكر أو يرفض موقفا لا يرتضيه غير أن مغادرة التجمع تصبح خطوة أبعد مما ينبغي. ماذا لو استبدل حزب الأمة مبارك المهدي بقيادي آخر خاصة وأن اجتماع نيروبي الذي سبق أسمرة كان قد وجه لوماً لأمينه العام إزاء توقيعه اتفاق جيبوتي؟! من الأفضل للقضية أن يذهب مبارك ويبقى الأمة. ماذا لو أعلن حزب الأمة استنكاره لكل ما حدث في أسمرة واستدراجه لموقف استثنائي واختار حشد طاقاته من أجل حسم القضايا محور الخلاف في مؤتمر التجمع المزمع عقده باعتباره المرجعية الأخيرة لحسم خلافات الحلفاء؟! لكن المهدي مضى أبعد مما يجب. إعادة قيادات الأمة من المنفى الى الخرطوم تشكل توغلاً من الحزب في طريقه المكلف. اتخاذ القرار الأحادي بالعودة يوسع الشقة بين الحزب وحلفاء التجمع ويعمق الانكسار بحيث يصعب على المؤتمر المرتقب جبره. من حق المهدي مغادرة مظلة التجمع وقتما يشاء ولكن من حقنا عليه اختبار دوافعه ومبرراته وغاياته. لا أعتقد أن القياديين العائدين سيسدون فراغا في واجهة الحزب, فلدى الأمة في الداخل كوكبة من القياديين المتمرسين قد تتجاوز قاماتهم زملاءهم في الفصائل الأخرى من حيث العدد والتنظيم. في مقدمة أولئك الأمير نقد الله ومادبو وتاج الدين وأبو. عودة قيادات المنفى لن تفيد حزب الأمة في الداخل وتضره حتماً في الخارج. لا أستبعد أن يذهب الضرر أبعد من ذلك فيلحق بالحزب في الداخل إذ توجد شبهة الاصطدام بين الصامدين في الداخل والعائدين من المنفى وهناك مؤشرات لا مجرد شبهات من الماضي البعيد والقريب. لن يشتط بنا الجدل وسنقول إن قدراً من الانفراج قد طرأ على قضية الحريات في الداخل غير أن الاتفاق مستحيل على مدى نوعية هذا الانفراج ودوافعه وغاياته. حزب الأمة يذهب أبعد مما ينبغي حين يتجاهل دور التجمع في احداث هذا الانفراج بغض النظر عن مساحة هامشه. من المؤكد أن الخروج عن التجمع يساهم في اضعاف الضغط من قبل التجمع لتوسيع الانفراج. كل الأحزاب بما فيها الأمة نفسه لا تزال تطالب النظام باستكمال شروط (تهيئة المناخ) الديمقراطي. حزب الأمة يمضي أبعد مما يجب كذلك إذا تجاهل مساهمة الانشقاق داخل النظام في تغيير ملامحه قليلا. الدكتور الترابي شكا أكثر من مرة تجبر النظام وشموليته ومصادرته للحريات. مع الاعتراف بحدوث قدر من الانفراج ـ لأسباب متعددة ـ فمن الخطل القول إن المسرح السياسي السوداني قد تبدل. نعم ثمة تغييرات في المشاهد وربما الممثلون كذلك لكن العرض نفسه لا يزال مستمرا. من حقنا على المهدي ان نسأله عما إذا كان الشريف الهندي أبعد بصراً وبصيرة حين اختار الرجوع المبكر. من حق الشريف على المهدي أن يتلقى اعتذاراً على النقد المرير واللاذع الذي وجهه المهدي للشريف حين اختار الأخير العودة المبكرة. من حقنا على المهدي أن نلتمس منه أن يستوعب تجربة الشريف. حزب الأمة ذهب أبعد مما يجب حين اختار لعودة قيادات المنفى يوم الذكرى الخامسة عشرة لانتفاضة ابريل. البون شاسع بين الانتفاضة وعودة قيادات الأمة من المنفى. على نقيض الانتفاضة التي عصفت بنظام عسكري فإن عودة قيادات الأمة المعارض تجمل النظام الشمولي الحالي وتمنحه نفحة من الطاقة الكاذبة لتجديد نفسه وتمديد عمره. حزب الأمة ذهب أبعد مما ينبغي حين حاول ارتداء لباس ثوري من نسيج الانتفاضة وهو ذاهب في رحلة مصالحة مع نظام رفع السلاح في وجهه. لا نريد الانزلاق أبعد مما نأمل فنظن أن حزب الأمة ذاهب للتصالح مع النظام واقتسام السلطة. تلك خطيئة نربأ بالمهدي من الغفلة الى السقوط فيها. ربما نفهم أكثر حين نقول إن وراء استدراج المهدي لاتخاذ قرار ايفاد قيادات من المنفى الى الوطن أكثر من ضغوط داخل التجمع وحوله وربما نمضي أبعد من ذلك فنقول من داخل حزبه كذلك. المهدي يستغرق في قراءة خاطئة إذا اعتقد أن الانشقاق داخل النظام يتيح له فرصة الاستثمار السياسي على النحو الذي يتيح له تحقيق غاياته التي راهن عليها حين أدار ظهره لحلفائه في التجمع. أجنحة النظام لن تقنع بالتباعد حين ترى المهدي يجني قطوف عودة قياداته. الأقرب للواقع أن يجمع النظام أجنحته لمواجهة أي خطر يهدد احتفاظه بالسلطة. الانفراج الذي يبدو لا يزال أسير خطوط حمر لن يسمح النظام بالاقتراب منها. مع كل خطر يلوح في الأفق سيهرع حرس النظام لتفكيك الخطوط الحمر ودفعها باتجاه القوة المتقدمة. في المقابل سيجد حزب الأمة نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما اما الاستسلام لضغوط النظام أو النهوض في وجهه. الاستسلام نهاية للحزب فادحة الثمن. للنهوض كلفة عالية من دم الحزب ولحمه إذ لن يجد هامشا مؤمنا لهذا النهوض. بالانسلاخ عن التجمع ثم العودة الأحادية مضى حزب الأمة أبعد مما يجب وسيدفع ثمن ذلك باهظا. شق الصف الوطني المعارض وصمة لن ينجو منها الأمة كلما استدعى الأمر الإشارة إلى موقف الحزب. الادانة ستذهب أبعد من ذلك ـ أراد الأمة أم لم يرد ـ إذ سيتحمل الحزب عبء تعثر الحل السياسي الشامل والحل العسكري كذلك بل وإخفاق التجمع في اتخاذ مواقف تتجاوز واقع حاله الراهن. بتفاؤله إزاء امكانية تحريك الساحة السياسية في الداخل بعد عودة قياداته يذهب حزب الأمة أبعد مما يجب وسيدفع ثمن ذلك باهظا. الساحة السياسية المعارضة لن تقبل انسلاخ الأمة عن التجمع ومن ثم لن تستوعب قياداته العائدة. الصامدون من قيادات الأمة في الداخل لن يتحمسوا لمساندة برامج العائدين إذ في ذلك ادانة ضمنية لتلك القيادات في الداخل. الاحساس بالعزلة قد يكون الأقرب لقيادات حزب الأمة. من المؤسف أن هذا المأزق سيجعل حزب الأمة يفقد رصيدا محترماً من العمل الدؤوب والمصادم الذي نسجه في غضون العقد الأخير. الأسوأ من ذلك ان تمضي الرياح بالحزب أبعد من ذلك بحيث لا يجد بداً غير التصالح مع النظام. ربما ليس من المصلحة العامة مجاراة الاستقراء الذي يفرض أن المصالحة ستكون خياراً يركبه الأمة مضطراً بعد قراري الانسلاخ والعودة فمن شأن تلك الفرضية إطالة أمد المأزق السوداني وتعقيده. فمن الأفضل الرهان على رصيد الأمة في الصدام إذ من الأرجح ان يجد حزب المهدي نفسه مجبراً مرة أخرى على النهوض في وجه الخطوط الحمر المتحركة للنظام. كلفة المصادمة ستكون باهظة على الأمة حتماً. كتب عمر العمر