هجم قطار خصخصة التعليم وإلغاء المجانية أ و ترشيدها بشدة على المؤتمر القومي لتطوير التعليم العالي في مصر الذي عقد مؤخرا واستمرت جلساته لمدة يومين وشارك في افتتاحه د. عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء. هجم هذا القطار من باب حجم تكلفة هذا النوع من التعليم والذي أصبح الطالب فيه يكلف الدولة ما يقرب من 4500 جنيه سنويا ـ وأن الدولة لم تعد تستطيع الاستمرار في هذا الإنفاق المتزايد أو التوسع في إنشاء جامعات حكومية جديدة لاستيعاب الزيادة المستمرة في عدد المقبولين بالجامعات ـ أما المجانية فقد أصبحت (وهما) في التعليم الجامعي حاليا بعد أن أصبح حجم الإنفاق الأسري على الطالب ما يقرب من 2000 جنيه سنويا كما ذكرت الدكتورة هناء خير الدين في لجنة اقتصاديات التعليم التي رأسها د. سلطان أبو علي وزير الاقتصاد الأسبق _ كما كشفت د. هناء عن الخلل الموجود في تخصصات الإنفاق بين الجامعات وبعضها البعض _ وتفاوت حجم هذا الإنفاق بين جامعة وأخرى وعدم ربط الإنفاق المخصص لكل جامعة بعدد الطلاب المقبولين بها _ لذا طالبت بضرورة العمل من الآن على معالجة هذا الخلل الموجود في التعليم الجامعي _ وأن يتم تنويع مصادر التمويل له حتى نعمل عل'ى النهوض به. وإلا لن نتحرك من أماكننا ولن يحدث تطوير بل ستتدهور الأمور أكثر وأكثر ولهذا لابد وأن يساهم كل مستفيد من هذا النوع من التعليم في تكلفته سواء كان الطالب أو أصحاب الأعمال. (95 % للتعليم الجامعي) واتفق د.محمد فتحي صقر الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية مع د.هناء, وأضاف أنه لم يعد هناك علاقة حاليا بين قدرة الجامعات المصرية على استيعاب الطلاب وبين عدد المقبولين بها ـ حتى أن نظام الانتساب الموجه فيها والذي يدفع الطالب فيه مصروفات دراسية مباشرة تصل إلى 500 جنيه سنويا قد وصل حجمه إلى نسبة 26% من عدد المقبولين بالجامعات وهي نسبة عالية جدا ـ ومع ذلك فإن نسبة التسرب فيه أصبحت كبيرة جدا نظرا لأن مستوى الطلاب الملتحقين به أقل من نظرائهم من الطلاب الذين التحقوا بنفس الكليات ـ ولهذا لابد وأن نعيد النظر في هذا النظام حتى ننهض بمستوى التعليم الجامعي. وأشار د. صقر أن نسبة الإنفاق على التعليم الجامعي من قبل الدولة قد أصبحت تستهلك 95% من جملة ما يتم إنفاقه على التعليم كله في مصر وبالتالي أصبح ما ينفق على التعليم العام يزيد عن 5% من جملة ما ينفق على التعليم ككل مع ضخامة أعداد الطلاب الملتحقين به والذين تصل أعدادهم إلى 10 أضعاف ما هو موجود من طلاب بالتعليم الجامعي. كفانا شعارات وفي دراسته عن قضية التمويل الجامعي تحدث د. حلمي رئيس جامعة القاهرة الأسبق ونقيب التجاريين الحالي وفجر العديد من القضايا التي ألهبت المناقشات داخل المؤتمر حيث أكد في البداية أنه لا يجوز أن نحمل قضية قصور الموارد المالية مسئولية انخفاض المستوى العلمي لخريجي التعليم العالي.. فهناك مشاكل متعددة تساهم في هذه المسئولية منها ما هو مرتبط بمدخلات التعليم العالي أي بالطالب في المراحل الأولى من التعليم الأساسي والثانوي ومنها ما يرتبط بعضو هيئة وتربية في المراحل الأولى من التعليم الأساسي والثانوي.. ومنها ما يرتبط بعضو هيئة التدريس والذي لا يباشر مسئوليته العلمية والتربوية بكفاءة وأمانة.. ومنها ما يرتبط بعدم توافر المبادئ الأساسية والحاكمة لتحقيق جودة التعليم.. ومنها ما يرتبط بوجود مشاكل كثيرة بجانب مشكلة التمويل وضرورة التفكير في حلول مناسبة لها.. وأخيرا منها ما يرتبط بعدم كفاءة الجهاز الإداري وعدم مرونة وتحديث اللوائح المالية والإدارية. ويشير د. حلمي نمر أن الموارد المخصصة للتعليم العالي بشقيه الجامعي وغير الجامعي تصل إلى 405 ملايين جنيه منها 82% موارد سيادية من الموازنة العامة و10% من الصناديق الخاصة والباقي من إيرادات خدمات ومعونات محلية وخارجية.. أما إسهامات الطلاب وأولياء الأمور ورجال الأعمال فهي محدودة للغاية. وأضاف أنه مما لا شك فيه أن حجم الموارد المتاحة للتعليم العالي قاصر جدا ولا يتناسب مع ارتفاع تكلفة الطالب.. ولا يتناسب مع التضخم في أسعار المستلزمات السلعية والخدمية اللازمة للعملية التعليمية وللخدمات الطلابية.. وأيضا لا يسمح بالتطوير والتحديث في التعليم العالي لمواجهة المتغيرات المحلية والدولية في القرن الواحد والعشرين ـ ولاشك أيضا أن قصور الموارد المالية كان له أثره السلبي على مستوى وجودة الأداء وكفاءة الخريجين وتدني البحث العلمي ولذلك يجب التفكير في الوسائل والإجراءات الكفيلة بتوفير مزيد من الموارد لقطاع التعليم العالي بشقية الجامعي والعالي- ولابد أن نبتعد عن الشعارات التي جمدت التطوير بكل صوره لسنوات طويلة ليست فقط في قطاع التعليم ولكن أيضا في قطاعات أخرى كثيرة ومن هنا فإنني أؤكد لابد من إعادة النظر في مبدأ مجانية التعليم حتى لو تطلب الأمر تغييرا في نصوص الدستور فهو ليس قرآناً ـ وليس القصد هو الإلغاء المطلق لمجانية التعليم فقد تقتصر المجانية على مرحلة التعليم الأساسي حتى نقضي على الأمية ولكن في مرحلة التعليم الجامعي لابد من التفكير في ترشيد المجانية وأن تقتصر على غير القادرين والمتميزين من الطلاب وأن تفرض المصروفات الفعلية على القادرين ماديا وعلى طلاب الدراسات العليا.. وأن تفرض المصروفات الفعلية أو على الأقل جزء منها على الطلاب الراسبين.. وأن تفرض رسوم مناسبة على الطلاب لتغطية التكلفة الفعلية للخدمات الجامعية كرسوم المدن الجامعية وتكاليف التغذية والمكتبات والمعامل.. ولابد أيضا أن نشجع القطاع الخاص على إنشاء الجامعات الخاصة مما يحقق تخفيض الأعداد المقبولة في التعليم العالي الحكومي مع ما يترتب على ذلك من توفير النفقات العامة في قطاع التعليم الحكومي ـ وإنشاء صندوق خاص لخدمة نشاط التعليم يساهم فيه رجال الأعمال بالتبرعات والإعانات بصورة منتظمة ـ وإلزام الوحدات الاقتصادية بصفة عامة والقطاع الخاص بصفة خاصة بتكليف مركز البحوث في المؤسسات التعليمية بدراسة مشاكله العلمية مقابل توفير التمويل اللازم لها ـ وتخصيص نسبة من الأرباح الصافية المحققة في وحدات القطاع الخاص لدعم الموارد المخصصة لنشاط التعليم. لا للأساتذة المتفرغين وفجر د. حلمي قضية أعضاء هيئة التدريس المتفرغين الذين يحصلون بالإضافة إلى معاشهم على جميع الحوافز والمكافآت الإضافية دون أن يشاركوا أو يساهموا في العملية التعليمية في مرحلة البكالوريوس أو الدراسات العليا وهذه الظاهرة واضحة جدا في الكليات العلمية مما يحمل موازنة الجامعات أعباء مالية ضخمة دون مقابل.. ولابد من وضع ضوابط لحل هذه المشكلة إما بالاستفادة من هؤلاء الأساتذة أو الاستغناء عنهم. ومع اعترافه بمشكلة وصعوبة توفير الموارد المالية اللازمة لتطوير التعليم الجامعي من قبل الدولة إلا أن د. سلطان أبو علي رئيس الجلسة رأى أن المطالبة بدفع مصروفات التعليم الجامعي من قبل القادرين من الطلاب غير دستوري لأنه كما قال جميع الطلاب سواسية ولا يجب أن نفرق في المصروفات بين طالب وآخر!! وهنا رد د. محمود عباس ـ تخصص اقتصاديات بكليات التربية على د. سلطان قائلا: إن الدستور ليس قرآنا في موضوع مجانية التعليم خاصة بعد أن زاد عدد الأثرياء في مصر بشكل كبير جدا ـ كما أنني لا أتخيل مليارديراً يستمر في تعليم نجله بالجامعة مجانا على نفقة الدولة وهناك آلاف من الطلاب الآخرين لا تملك أسرهم قوت يومهم ـ فهل نسوي بين هذا وذاك ـ وهل هذا ما ينادي به الدستور؟! وحتى لو تعارض هذا مع ما جاء بالدستور فلماذا لا نغيره خاصة وأننا نغير في قضايا أقل أهمية. أين تكافؤ الفرص؟ أما د. حلمي نمر فقد انفعل في رده على الجزئية التي قالها د. سلطان أبو على بأنه لا يجب أن نفرق بين طالب وآخر في المصروفات لأن هذا غير دستوري وليس فيه تكافؤ لفرص وقال محتدا: وهل وجود انتساب موجه الآن وبمصروفات لطلاب ضعاف المستوى فيه تكافؤ فرص؟ وأضاف قائلا أرجوكم كفى شعارات وفكروا في ظل الواقع الموجود لإصلاح وتطوير التعليم الجامعي ـ فالمجانية لم تعد موجودة بالتعليم سواء الجامعي أو غيره بعد ان انتشرت الدروس الخصوصية أو ـ أصبح هناك تعليم مفتوح بمصروفات ـ وانتساب موجه بمصروفات ـ وتعليم بشعب اللغة الإنجليزية بكليات التجارة بمصروفات ـ ويستحيل علينا أن نقوم بعمل تطوير للتعليم الجامعي ولدي في المدرج الواحد ما يزيد على 2000 طالب وطالبة ـ كما أن بعض الكليات وفي مقدمتها كليات الطب لم يعد يدخل بها أستاذ واحد من الأساتذة الكبار محاضرة واحدة للطلاب.. ولو دخل واحد منهم فقط ليعلم الطلاب مرة واحد في الشهر لما كان هذا هو حال طلابنا!! وطبعا لم يعلق د. سلطان أبو على. لجنة المشاحنات أما الجلسة التي شهدت مشاحنات وصدامات بين المشاركين فيها فكانت بلجنة التعليم العالي واحتياجات المجتمع وشارك فيها د. مصطفي الرفاعي وزير الصناعة ـ وقد ألهب محمد رجب رئيس جمعية رجال الأعمال بالإسكندرية المناقشات خاصة عندما طالب بإلغاء دور وزارة التعليم العالي تماما في التدخل في تحديد المصروفات أو النواحي الإدارية أو المالية وأن يقتصر عملها على مراقبة العملية التعليمية وترك تحديد المصروفات للمعهد نفسه كما حدث مع الجامعات الخاصة ـ واتهم وزارة التعليم العالي بأنها تتعمد حاليا أن تحدد مصروفات المعاهد الخاصة ـ عند مستويات منخفضة جدا بالمقارنة مع التكاليف التي يمكن أن تتكبدها هذه المعاهد في توفير المعامل الحديثة وأجهزة الكمبيوتر واللوازم الدقيقة للعملية التعليمية ـ وهي لا تدري بأنها بفعلتها هذه تساهم في إبقاء مستوى التعليم متدنيا ـ ولا تفرق بين معهد وآخر ـ واستفز محمد رجب الحاضرين أكثر من ذلك عندما طلب إعطاء الحق لكل معهد خاص أن يشكل مجلس ادارته.. ويعين هيئات التدريس.. ويضع اللوائح الداخلية.. وأن يتخذ قرارات تأديب موظفيه وتحديد مصروفاته دون أي تدخل من الوزارة.. وقال أيضا أنه طالما أن المعهد يقوم بتدريس العلوم التي يتطلبها تخرج شباب على مستوى جيد من التعليم.. وطالما أن برنامج التعليم المقدم يحقق المستوى التعليمي المطلوب من وزارة التعليم العالي فإنه يكون من حقه أن تعترف الدولة بشهاداته وتعتبر شهادة تعليم مساوية لشهادات الجامعات بمجرد إعطاء الموافقة على إنشاء المعهد!! خوف المنحرفين ورد عليه د. عبد الحميد شلبي رئيس قطاع التعليم بوزارة التعليم العلي وأكد أن وزارة التعليم العلي تعتمد شهادات المعاهد العليا سواء الحكومية أو الخاصة ـ فكيف لها أن تعتمد شهادة لا تعرف ماذا تم تدريسه لطلابها؟ إن إشراف وزارة التعليم العالي على هذه المعاهد يعتبر ميزة وليس عيبا ومظلة حامية لهذه المعاهد لا يخاف منها إلا المنحرفون والذين يريدون أن يحولوا التعليم إلى تجارة ونصب ـ كما أن عميد المعهد الخاص يعينه وزير التعليم ولابد وأن يكون بدرجة أستاذ فماذا يضير أصحاب هذه المعاهد في ذلك ـ أم يريدون هم تعيين موظفين أو تجار لمادة هذه المعاهد ولا علاقة لهم بما يتم تدريسه في المعهد ولا يفهمون فيه ـ فهل هذا هو المطلوب من وزارة التعليم العالي. وهنا طالب د. فتحي أبو عيانة رئيس جامعة بيروت العربية بضرورة أن تشرف كل جامعة على المعاهد الواقعة في دائرتها الجغرافية ـ وأن تتولى هيئة التدريس لها بمقابل مادي وأن تشرف على الامتحانات فيها ـ هذا إذا أردنا النهوض بهذه المعاهد. حقائق خطيرة لوزير الصناعة وردا على أسئلة المشاركين في المؤتمر للدكتور مصطفى الرفاعي وزير الصناعة عن كيفية ربط التعليم العلي باحتياجات المجتمع في القطاع الصناعي ـ ولماذا لم يتم الاستفادة من البحوث والدراسات التي تتم في الجامعات خاصة من قبل القطاع الخاص؟ كشف وزير الصناعة في رده عن حقائق في غاية الخطورة, إن القطاع الصناعي في مصر الآن معظمه قطاع خاص ويحتاج بالفعل إلى بحوث ودراسات وتصميمات..الخ ـ لكن للأسف كل هذا غير موجود حاليا بالجامعات المصرية ومراكز بحوثها ـ وتضطر هذه الشركات إلى الحصول عليه من الخارج لأنه لا يوجد عندنا مراكز بحوث صناعية والذي يوجد هو مراكز بحوث أكاديمية وبحث علمي. وقال ان البحوث الصناعية لها نظامها ـ وصناعة البحوث أو النشرات العلمية صناعة أخرى تؤدي إلى الحصول على شهادات نحن لسنا في حاجة إليها. القاهرة ـ مكتب البيان تحقيق: رفعت فياض