المدير العام الجديد لمنظمة الثقافة والعلوم (اليونسكو) كوتشيزو ماتيسورا يتطلع الى العالم العربي بذهن منفتح غير آبه للمعركة الانتخابية التي خاضها لخلافة فيديريكو مايور والتي نافسه فيها مرشحان عربيان. بيان الاربعاء التقى الرجل الذي يدير اكبر منظمة تعنى بشئون الانسان والتاريخ والثقافة والعلوم, في حوار اجراه الزميل طوني شامية: * لقد ترك فيديريكو مايور بصماته واضحة فيما يسمى (ثقافة السلام) وقبله المدير العام آمبو في مشروع (اطلاق ثورة الاعلام) ما مشاريع ماتيسورا؟ ـ سأعمل على جبهتين متكاملتين واحدة تقليدية, وهذا يعني ان لدينا في منظمة اليونسكو برامج مقررة, كثقافة السلام التي اشرت اليها, فانني اؤكد على اهميتها اليوم والتي سنواصل البحث في تركيزها, ان في اجتماعات داكار المقبلة, او في غيرها من اللقاءات, بغية ترسيخ هذا المفهوم واطلاقه .. اذا هذه أولية مستمرة من ضمن العديد من البرامج المقررة, اضافة الى تركيز العمل على البرامج ذات الاولوية عبر اقتراحات تهدف الى ضبط البرنامج والميزانية للعامين 2000 ـ 2001 والتي بحاجة الى توفير ما لا يقل عن عشرة ملايين دولار بهدف دعم بعض المجالات ذات الاولوية. اما المرحلة الثانية فانها ستنطلق مع تحضير الاستراتيجية متوسطة الاجل المقبلة ( 2002 ـ 2007) والتي ستكون مناسبة لطرق احتمالات اكثر جذرية في تعديل برامجنا, اي تركيز الاعمال في المجالات التي يمكن لليونسكو ان تقدم فيها شيئا فريدا, اما لانها قادرة على القيام بدور حاسم, او لان لها قيمة اضافية خاصة, تضيفها على عمل الشركاء الآخرين فنحن دخلنا في الالفية الثالثة, هذه الالفية التي سنحاول فيها تطوير العلاقات وتماشيها وموازاتها, بين العلوم والبيئة الاجتماعية والثقافية, والاعلام. اعادة هيكلة * عندما استلمتم مهامكم, تحدثتم عن اعادة هيكلة المنظمة, هل باشرت في التنفيذ؟ ـ بالنسبة لورشة الاصلاحات المتعلقة بالادارة, فقد بدأت بجزم ومن دون ضياع الوقت, فالمطلوب تحسين فاعلية المنظمة وشفافيتها, واعادة الاعتبار الى المسئولية الفردية والجماعية, والحفز على روحية التعاون والعمل الجماعي وجو الثقة, الذي من دونه لا يمكن لاي استراتيجية, واي برامج, مهما كانت موفقة, ان يكتب لها النجاح. لهذا مشروعي له محاور اربعة, وتدابير اعادة هيكلة الامانة لن تحظى بشعبية, لا داخل الامانة ولا لدى الدول الاعضاء, فانا اشدد على استقلالية الخدمة العامة الدولية. اليونسكو هي اليوم احدى منظمات الامم المتحدة ذات البنية الفوقية, الاكثر وطأة, مع عدد مدرائها الذي يبلغ 150 مديرا, الذين لاتوكل اليهم, جميعا مسئوليات التوجيه والادارة والمراقبة لذا انوي, وقد بدأت فعلا وباشرت بالتنفيذ, وضع نظم وآليات تسمح بالتحديث الدائم للكفاءات واقلمتها مع تطورات البرامج والمعارف, وهذا في خطوة اولى يحتاج الى جسم وظيفي اكثر شبابا, لهذا انشأت ثلاث فرق عمل: الاولى ستقوم باعادة تحديد استراتيجية عمل المنظمة واولويات برامجها, الثانية ستعالج مسائل الموظفين وهيكلة الامانة والثالثة تتعلق بقضايا اللامركزية التي كانت مدار حوار في السنوات الماضية في مختلف دوائر القرار باليونسكو. * في سياتل, حيث انعقدت اجتماعات منظمة التجارة الدولية, لاحظنا محاولات للطغيان على دور المنظمات الدولية التي تعنى بالشئون الثقافية والانسانية ومنها منظمة اليونسكو ماهو ردكم؟ ـ ليكن واضحا للجميع, وانا اوضحه الآن, الثقافة والمفاهيم الروحية لايمكن ان تحتكرها اية منظمة وتحت اي شعار سواء كانت العولمة او غيرها, والتي ولا شك انا اؤيدها في نواح كثيرة, ولكن في ظل هذه العولمة التي يعيشها عالمنا الآن, يجب ان نحافظ على خصوصيات الشعوب, التي تنطبق على الشئون الثقافية فهذه تكتسب هويتها من الاوطان التي تنتمي اليها, وهذا يجب ان نشجعه لما فيه من خير وغنى, يمكن ان يستفيد منه العالم اجمع, فطموح الفرد مطلوب لانه قد يحقق ثروة عالمية .. من هنا انا اؤكد على اهمية المنظمات الثقافية, وهذا ما ابلغ للمجتمعين اخيرا في سياتل, ردا على هذه المحاولات . * الى اين وصلت مساعيكم مع واشنطن لاقناعها بالعودة الى حظيرة اليونسكو؟ ـ من المعلوم ان الولايات المتحدة تركت مركزها وموقعها المهم جدا في منظمة اليونسكو منذ خمس سنوات, واكدت على الدور الامريكي واهميته في المنظمة, واعلنت انني سأبذل جهدي لاستئناف واشنطن هذا الدور واضطلاعها بمهامها, بعد العمل على ازالة الخلافات في وجهات النظر وحل الاشكالات او الاعتراضات التي كانت سببا لترك واشنطن مركزها, في حال هذه الاعتراضات محقت, وقد بدأت فعليا باتخاذ الخطوات التي يمكنها ان تعزز آمال عودة الولايات المتحدة الامريكية الى منظمة اليونسكو. قداس منتصف الليل * من المعروف ان اولى زياراتكم منذ استلامكم مهامكم, كانت باتجاه المنطقة العربية, حيث شاركتم في احتفالات بيت لحم 2000 ماهو الهدف من هذه الزيارة؟ ـ لقد قمت بزيارة بيت لحم, بدعوة من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, حيث شاركت في قداس منتصف الليل, الذي حضره العديد من رؤساء الدول والشخصيات ايضا واجتمعت مع الرئيس عرفات وبحثت معه في المراحل التي نفذت من برنامج دعم الشعب الفلسطيني الذي تقوم به منظمة اليونسكو والذي ستبدأ المرحلة الثالثة منه قريبا وهذه المرحلة تتضمن الحفاظ على الطابع الاثري للعديد من المراكز الفلسطينية ذات البعد التاريخي اضافة الى دعم وتأهيل عدد من المراكز الثقافية ولاسيما منها المكتبات, وهذا ما بحثته ايضا وسنستكمله في باريس مع وزير الثقافة الفلسطيني, الذي سيزور قريبا مقر اليونسكو. كما تطرقنا ولاسيما مع الرئيس عرفات, الى مساهمة اليونسكو في مواجهة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المناطق الفلسطينية التي تحتاج الى مشاريع تنموية ضرورية. * هذا فيما يتعلق بالمناطق الفلسطينية ولكن ماذا عن العالم العربي, وما هي مشاريع اليونسكو؟ ـ بداية نحن مستمرون في اتصالاتنا وبرامجنا المقررة بالنسبة للعالم العربي ولكني سأولي اهتماما خاصا بتنشيط برنامج آربيا (ARABIA) اي (خطة تنمية الثقافة العربية) التي تستهدف توفير اطار يمكن فيه للبلدان العربية تنمية تراثها الثقافي, بحيث يصان الماضي ولكن مع التركيز بوجه خاص على المستقبل, ويفتح العالم العربي على التأثيرات والتكنولوجيات الجديدة مع الحفاظ على سلامة التراث العربي . وينبغي للخطة بصفة خاصة النهوض بالثقافة العربية المعاصرة في جوانبها الادبية والفنية والعلمية والفكرية. دعائم رئيسية * لماذا برنامج (آرابيا) وماهي مقوماته؟ ـ سأبدأ بالمقومات لأصل الى الخلفية لخطة تنمية الثقافة العربية (آرابيا) . ان البرنامج يجب ان يتسم بالطابع المحدد وان يكون التوجه فيه عمليا, مع التركيز على الشباب, بصورة خاصة لانهم يمثلون مستقبل الثقافة العربية, لذا فان الخطة تقوم على الدعائم الرئيسية التالية: 1ـ القراءة للجميع 2ـ المكتبة العربية المفتوحة 3ـ العاصمة الثقافية العربية كما تقترح الخطة ان يكون التركيز على الحوار بين الثقافات . * ولكن ما خلفية هذه الخطة او الاسباب التي دعت الى قيامها؟ ـ تتخلل الحياة الثقافية العربية اوجه قصور مشتركة بين جميع بلدان المنطقة منها الافتقار الى البنية الاساسية والتدريب وضآلة الدعم المقدم للابداع ولانتاج الاعمال الثقافية ويمكنني القول ان موضوعات ثلاثة تغلب في السياسة الثقافية العربية وهي تحديث التراث القديم, واعداد النخب وتنمية السياحة الثقافية ولايمكن لليونسكو ان تتوقع تصحيح هذ الاوضاع جميعا, ولكن يمكنها ان تساعد الى حد كبير في تخفيف وطأتها وان تقدم مساهمة هامة في سد الثغرات في الحياة الثقافية العربية, من هنا فان تجربة (القراءة للجميع) والتي هي جزء من انشطة اليونسكو, نجحت في مصر بشكل خاص, بفضل مشروع سوزان حسني مبارك لتعزيز القراءة ونشرها بين الفئات الاقل حظا من السكان, وكذلك في بلدان اخرى من العالم العربي عن طريق مشروع (كتاب في جريدة) . وهنا لابد من الاشارة الى المؤتمر الذي تشهده القاهرة تحت عنوان (التعليم للجميع, تقييم العام 2000) والذي يهدف الى دراسة التجارب التي شهدتها الدول العربية خلال العقد الماضي في ضوء القرارات التي صدرت عن مؤتمر (جومتين ـ تايلاند) , الذي انعقد عام 1990. * ولكن ما الهدف من المكتبة العربية المفتوحة وهل تحقق شيء من ذلك؟ ـ الهدف من هذا البرنامج الفرعي هو تعزيز الانتفاع بالقراءة المكتبية, باستخدام تكنولوجيات جديدة, وسيسمح هذا بالانفتاح على المصنفات المحفوظة الكترونيا في المكتبات الدولية الشهيرة داخل العالم العربي وخارجه, وذلك بفضل شبكة انترنت (INTERNET) ومن الممكن ان تربط بهذه الشبكة مكتبات في لبنان والمكتبات الوطنية والعامة حتى يصير في مقدور الطلبة العرب الانتفاع الفوري بمصادر مختلفة لبحوثهم. اما مشروع العاصمة الثقافية العربية, فبدأ وكل عام يتم اختيار عاصمة عربية ثقافية مع تنفيذ عدد من الانشطة المحلية والاقليمية لتعزيز هذه التسمية. * ماهي برامجكم المستقبلية العربية, بعد زيارة بيت لحم, ومشاركتكم في مؤتمر (القراءة للجميع) في القاهرة؟ ـ ايضا قمت بلقاءات عدة مع المسئولين السعوديين, فانا اعتبر ان العالم العربي يشكل منطقة مهمة بالنسبة لليونسكو وجهدي سينصب على تعزيز العلاقة وتقويتها وتمتينها بين المنظمة والبلدان العربية. وزيارتي للسعودية تأتي تلبية لدعوة من وزير التربية وتخللها لقاءات وزيارات لبعض المعالم والصروح وفي مقدمتها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا كما شاركت في احتفال اعلان الرياض عاصمة ثقافية للعرب, فضلا عن التطرق للدور الذي تلعبه السعودية في دعم منظمة اليونسكو. * تتحدث عن دور اليونسكو في العالم العربي, ماذا عن العراق, السودان وليبيا, الدول المحاصرة وماذا عن لبنان الذي تعتدي عليه اسرائيل يوميا؟ ـ اعتقد ان الهدف الاساسي لمنظمة اليونسكو هو اعطاء دفعة لتعزيز فرص التقدم والنمو في الدول غير النامية وغير المتقدمة. السودان هو احد ابرز الدول غير المتقدمة, اليونسكو تريد زيادة اهتمامها في هذه الدولة, عبر احياء والحفاظ وترميم بعض المعالم الاثرية والتاريخية , وهي كثيرة في السودان, ايضا يجب التعرف على حاجات السودان الاخرى, ولاسيما التربوية والتعليمية وبالتالي ماذا يريد من اليونسكو وماذا يطلب منا, وعلينا الاستجابة ضمن قدراتنا لهذه المتطلبات. اطفال العراق * ماذا عن اطفال العراق؟ ـ من المعلوم ان قدرات اليونسكو محدودة وهي لا يمكن ان تخرج عن قرارات منظمة الامم المتحدة, قضية العراق جد متشابكة ومعقدة وجلها قضايا سياسية, ولا تدخل ضمن نطاق عمل اليونسكو التي تهتم بالجوانب الثقافية والتربوية والعلمية, والتي كان لنا اهتمامات عديدة في هذا الاطار, لنكن واضحين, منظمة اليونسكو لا يمكنها ان تذهب خارج الاطر والقرارات الدولية ومقررات المجلس التنفيذي في المنظمة. * يقال ان ليبيا قدمت معونات مالية لليونسكو؟ ـ نحن نعول على عودة ليبيا كي تلعب دورها, ليبيا لها مكانتها العربية والافريقية وبالفعل قامت الجماهيرية الليبية بمساعدتنا من اجل انجاز البرنامج الكبير الذي نسعى لتنفيذه وهو (تاريخ افريقيا) الذي يأخذ وقتا لانجازه.