أكد عدد من خبراء الاقتصاد المصريين أن اتفاقية منطقة التجارة الحرة المصرية ـ التركية التي يسعى الجانبان لتوقيعها في أقرب وقت هدفها الأول سياسي وليس اقتصاديا .وقال هؤلاء الخبراء ان مصر تسعى إلى إيجاد نوع من التوازن في منطقة الشرق الأوسط في ظل التبادل التجاري القائم بين تركيا وإسرائيل. وأشار الخبراء إلى أن اتفاقية منطقة التجارة الحرة المصرية ـ التركية ليست اتفاقية مثلى يجني الاقتصاد المصري من ورائها العديد من المكاسب.. فالناتج المحلي الإجمالي في تركيا يعادل مرتين ونصف المرة حجم نظيره في مصر.. ومتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي في مصر يعادل ـ طبقا لآخر تقارير البنك الدولي ـ 1100 دولار في حين يبلغ في تركيا 2867 دولارا وهو ما يؤكد تفوق تركيا من حيث اتساع حجم السوق المحلي. وفي دراسة مهمة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية أعدتها هناء خير الدين وسميحة فوزي وليلى الخواجة والثلاثة استاذات بكلية الاقتصاد و العلوم السياسية جامعة القاهرة أكدت أن مؤشرات أداء التجارة الخارجية التركية أفضل كثيرا من مثيلتها في مصر فالصادرات التركية تعادل 56.0% من إجمالي التجارة الخارجية العالمية في حين يبلغ نصيب مصر 22.0% فقط ! .. فالصادرات إلى الناتج المحلي في تركيا تعادل 95.4% في حين تبلغ في مصر 2.45% فقط. ومعدل نمو الصادرات في تركيا يزيد عن ضعف معدل نموها في مصر واستنادا إلى التحليل السابق يمكن القول ان مناخ الاستثمار في تركيا يعكس ثورة تنافسية أعلى من الوضع المناظر في مصر. تقول الدراسة إن الاستقرار السياسي في مصر أفضل من تركيا وكذلك استقرار سعر الصرف وكذلك حوافز الاستثمار لكن تركيا متفوقة على مصر في مجالات تكسير الروتين, والمعاملة الوطنية والنظام الضريبي وحرية التحويلات, وتحرير التجارة, وحجم ومعدل نمو السوق. وأن مشروع منطقة التجارة الحرة ما هو إلا حلقة في سلسلة أو مجموعة من الاتفاقيات التي بدأت منذ السبعينيات بهدف تشجيع ودعم العلاقات الاقتصادية بين البلدين وتشمل اتفاقية التجارة التي تم توقيعها عام 1976 واتفاقية تجنب الازدواج الضريبي عام 1993 واتفاقية التجارة لعام 1996 التي حلت محل الاتفاقية التي تم توقيعها عام 1976. تبادل محدود ورغم وجود العديد من الاتفاقيات الثنائية لتسهيل وتنمية التبادل التجاري بين مصر وتركيا إلا أن حجم التبادل الفعلي بين البلدين مازال محدودا حيث لا يتجاوز 2% أو1% من إجمالي التجارة الخارجية لكل من مصر وتركيا ويميل الميزان التجاري لصالح تركيا وتبلغ نسبة العجز 138 مليون دولار. و تقول الدراسة ان صادرات مصر لتركيا تتركز في البترول الخام الذي يعادل 29% من جملة الصادرات والأرز ويمثل 19% وفحم الكوك 5.8% وأخيرا القطن الخام ويمثل 6.6% من إجمالي الصادرات المصرية لتركيا , أي أن الصادرات المصرية لتركيا مواد أولية تعدينية أو زراعية ذات قيمة مضافة منخفضة في المقابل يتسم هيكل الصادرات التركية لمصر بالتنوع الشديد حيث يشمل منتجات زراعية مثل العدس والفواكه الطازجة, ومنتجات صناعية متنوعة وقطع الغيار ومنتجات كيماوية وسلع استهلاكية ومعمرة ومعدات وآلات ويعبر هذا التنوع عن ارتفاع درجة تركز الصادرات المصرية مقارنة بتركيا وارتفاع معدلات الأداء الصناعي في تركيا مقارنة بمصر. وإذا كان هناك العديد من أشكال التعاون بين مصر وتركيا مثل مشروع الربط الكهربائي بين البلدين والمشروع المصري لإمداد تركيا بالغاز والتعاون في مجال السياحة إلا أن بروتوكول التعاون بين البلدين الذي تم توقيعه في أبريل الماضي والذي ينص على تبادل الخبرات الفنية بين مشروع توشكى ومشروع جنوب شرق الأناضول المعروف باسم GAP يثير الحساسيات السياسية لدى كل من سوريا والعراق حيث أدى هذا المشروع إلى نقص مياه الفرات ودجلة التي تصل إلى كل من البلدين. يقول الخبراء ان الفترة الزمنية المحددة حتى تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ 12 عاما وهي فترة طويلة يمكن اختصارها.. وإذا كانت الفترة الانتقالية في منطقة التجارة الحرة المصرية الأوروبية والتي تبلغ 12 عاما مناسبة باعتبار أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لمصر وأن فجوة التقدم الاقتصادي والتكنولوجي أوسع من الفجوة بين مصر وتركيا فإن الفترة يمكن اختصارها لأقل من ذلك حيث أن تجارة مصر مع تركيا لا تتعدى 2% من إجمالي تجارتها الخارجية. التجارة الحرة والآن إلى السؤال الهام: هل تتوقع مصر مكاسب اقتصادية من إقامة منطقة تجارة حرة في تركيا؟ الإجابة كما تحددها الدراسة تستدعي توافر مجموعة من العوامل منها تشابه هياكل الإنتاج في البلدين, ومستوى التعريفة الجمركية بين البلاد الأعضاء, وبينها وبين العالم الخارجي وتزايد عدد الدول الأعضاء في التكتل ومدى قوة العلاقة التجارية بين دول التكتل قبل قيام منطقة التجارة الحرة وإذا كانت الجدوى الاقتصادية لمنطقة التجارة المصرية ـ التركية غير متطورة الآن فإن الجدوى السياسية واضحة. وكما توضح الدراسة فإن المشروع يتيح فرصة مواتية أمام مصر لتأكيد وتدعيم دورها الفعال في منطقة الشرق الأوسط خاصة وأن السنوات الأخيرة شهدت محاولات من جانب أطراف مختلفة استهدفت الانتقاص من وضعها الرائد على المستوى الإقليمي.. والواقع أن توطيد العلاقات التجارية بين مصر وتركيا يسمح لها بتهدئة التوترات التي تخلقها تركيا في المنطقة منذ أوائل التسعينيات, وكسب تركيا كقوة حليفة ومساندة للمصالح العربية بشكل عام خاصة بعد أن اتسمت السياسة الخارجية لتركيا بتمويلات سلبية تجاه الدول العربية بعد حرب الخليج الثانية ـ ويمكن القول إن الدافع الرئيسي لمصر من الدخول في هذا التعاون الإقليمي هو رغبتها في استعادة دور الوسيط المهدئ في إطار العلاقات العربية التركية ومن خلال احتواء التوترات والعمل على إزالة مسبباتها ولو بشكل جزئي وتدريجي عبر الاتصالات السياسية والدبلوماسية. أيضا تسعى مصر إلى تحقيق قدر من التريث والضبط للاندفاع التركي بشأن الترتيبات الشرق أوسطية لتواكب التطورات عملية السلام. لكن اندفاع تركيا تجاه الاتفاق يثير الشكوك لدى معدي الدراسة ويتوقعون أن يكون هذا الاندفاع بهدف استخدام منطقة التجارة الحرة العربية كوسيلة لإدخال الصادرات الإسرائيلية إلى الأسواق العربية التي تفرض سياسة المقاطعة على هذه المنتجات أو أن تكون منطقة التجارة الحرة مع مصر نواة لتجمع اقتصادي إقليمي يضم الأردن وفلسطين وإسرائيل في الأجل المتوسط والطويل! القاهرة ـ صبحي بحيري