عندما بدأ اجتماع قادة سبع وستين دولة إفريقية وأوروبية بالقاهرة في أول لقاء قمة بينهم على الاطلاق كان من الطبيعي أن يسبق ذلك تبادل الاتهامات بشأن الاسباب وراء الاوضاع البائسة التي تعاني منها القارة السمراء واذا كانت القمة مناسبة لبحث شراكة المستقبل فقد كانت ايضا مناسبة لنبش ملفات الماضي. فأفريقيا التي تضم اثنتين وخمسين دولة تعاني من العديد من الحروب والصراعات والمجاعة والاوبئة والجفاف وأعلى معدل للاجئين في العالم وكذلك أعلى معدل من الدين الخارجي. وبالرغم من المحاولات الجدية والناجحة أحيانا التي قامت بها بعض الدول الافريقية في السنوات الاخيرة لبدء عملية الاصلاح الاقتصادي والسياسي الصعبة, إلا أن الفقر وتدهور الاوضاع المعيشية مازالا هما السمة الاساسية والمشتركة في معظم الدول الافريقية. وفي أروقة المركز الدولي للمؤتمرات بالقاهرة حيث يعقد المؤتمر أدلى الوزراء والدبلوماسيون الافارقة بتصريحات وبيانات لتذكير القادة الاوروبيين بماضيهم الاستعماري, وصل الامر إلى مطالبة البعض لهؤلاء القادة بتقديم اعتذار عن هذا الماضي. ولدى سؤاله عما إذا كان القادة الافارقة سيطالبون أوروبا بالفعل بالاعتذار, قال سالم أحمد سالم سكرتير عام منظمة الوحدة الافريقية: (إن القادة الافارقة لن يطلبوا من أوروبا خلال القمة دفع فاتورة عقود من الاستعمار, وذلك برغم ارتباط هذه القضية بالكثير من المشاكل التي تعاني منها أفريقيا الان) وفي نفس الوقت فإن المسئولين الاوروبيين يلقون بجزء كبير من المسئولية على المفسدين من القادة الافارقة الذين لم يستطيعوا إدارة بلادهم بالصورة الملائمة بعد حصولها على الاستقلال في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات. هؤلاء القادة هم الذين ورطوا أفريقيا على مدى طويل, في حروب لا طائل منها, وهم الذين اضطهدوا شعوبهم من أجل الامساك على السلطة بقبضة لا تلين. وكنتيجة لذلك يمكن القول ان أفريقيا وأوروبا يدخلان مؤتمر القاهرة بجدولي عمل مختلفين إلى حد ما. فمن جانبهم سيطالب الافارقة بالالغاء الكامل للديون الخارجية التي تشل حركتهم وباستثمارات أوروبية مباشرة وبالمزيد من اتفاقات المساعدات وإعادة الآثار التي نقلها المستعمرون الاوروبيون إلى بلادهم, إلى المالك الاصلي وتعويضه عن ذلك وكذلك إعادة الاموال التي حولها الفاسدون من الحكام الافارقة إلى الخارج واحتفظوا بها في بنوك أوروبية. وصرح سكرتير عام منظمة الوحدة الافريقية بأن القادة الافارقة سوف يصرون خلال محادثاتهم مع القادة الاوروبيين على مطلبهم بضرورة الالغاء الكامل للديون الخارجية وذكر (إن أفريقيا لا يمكنها تحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي وأن تصبح شريكا في النظام العالمي إلا إذا تغلبنا على مشكلة الديون مع شركائنا الاوروبيين) ) . ويذكر أن إجمالي الديون الافريقية تقدر بحوالي 350 مليار دولار, ومعظم الدول الافريقية ليس باستطاعتها ولو مجرد دفع فوائد هذه الديون التي تأكل, وفقا لارقام منظمة الوحدة الافريقية, نسبة تصل إلى أربعين بالمئة من موازناتها السنوية. وعلى الجانب الاخر فإن أوروبا تريد مناقشة قضايا حقوق الانسان والمبادئ الديمقراطية وإقامة المؤسسات والحكومات الصالحة وحكم القانون. وتشكل أيضا مشكلة الحد من الهجرة من أفريقيا إلى أوروبا عنصر قلق رئيسي آخر للقارة الاوروبية الغنية والتي تتخذ المزيد من الاجراءات الوقائية والحمائية. ولالزام القادة الاوروبيين بالتعاون الجدي مع أفريقيا يضغط قادة القارة السوداء أيضا, من أجل عقد مثل هذه القمة مرة كل ثلاث سنوات وبضرورة أن تكون آلية المتابعة مع أفريقيا شبيهة بتلك القائمة في برنامج المشاركة الاوروبية مع آسيا ومع دول أمريكا اللاتينية. وفي الوقت ذاته يسعى الاتحاد الاوروبي إلى الاحتفاظ ببعض المرونة في آلية المتابعة واقترح ضرورة عقد قمة ثانية في أوروبا وتردد في هذا الاطار اسم اليونان لتستضيف القمة الثانية عام 2003م. ويؤكد دبلوماسيون أوروبيون أن المشاركة مع اقتصاديات قوية وسليمة كتلك القائمة مع عدة دول في آسيا وأمريكا اللاتينية, لا يمكن تخيلها مع أفريقيا الاكثر تخلفا بدرجة كبيرة. وكان المسئولون الاوروبيون واضحين في تصريحاتهم للصحفيين, بأنه يتعين عدم توقع صدور تعهدات مالية جديدة أو تقديم تنازلات كبيرة في قضية تخفيف الديون, خلال قمة القاهرة. ومن المحتمل أن تتم مطالبة الدول الافريقية بالعمل على منع الصراعات وتسويتها وتعزيز التعاون الاقليمي بينها وتطوير القطاع الخاص وإقامة مؤسسات ديمقراطية. وكان وزير الخارجية المصري عمرو موسى واقعيا في اعترافه بأن القمة الافريقية الاوروبية لا يمكنها تسوية كافة الخلافات القائمة بين الجانبين . وقال أمام وزراء الخارجية الافارقة في بداية اجتماعهم التحضيري للقمة, أمس الاول (إننا نسعى لانشاء مشاركة حقيقية مع أوروبا وإن قمة القاهرة ليست سوى بداية لهذه المشاركة الجديدة) . ومن جانبه صرح محمد صالح النضيف وزير خارجية تشاد, التي تعتبر واحدة من أفقر الدول الافريقية, بأنه لا يستبعد أن يكون قبول أوروبا بعقد قمة القاهرة, جزءا من تنافسها المتزايد مع الولايات المتحدة حول أفريقيا. وذكر النضيف للصحفيين (إن معظم العالم قد وصل الان إلى قناعة بأن أفريقيا هي قارة المستقبل. وهذا هو السبب وراء احتمال نشوب خلاف. ومن جانبنا فإننا نأمل في أن يفيد هذا الخلاف أفريقيا وتنميتها) . وأعرب الوزير التشادي أيضا عن اعتقاده بأنه يتعين على أفريقيا ألا تتحمل اللوم والمسئولية وحدها بشأن الصراعات المدنية الجارية حاليا في القارة. وقال (إننا نعترف بمسئوليتنا, إلا أنه يتعين علينا ألا ننسى أن أفريقيا لا تصنع أسلحة. وإذا ما أوقفت أوروبا بعض تدخلاتها وتوقفت عن بيع الاسلحة واستغلال هذا الموقف, لما وصلنا إلى تلك المرحلة) .د.ب.أ