أكد عمر عزيمان وزير العدل المغربي ان وزارته ماضية في الاصلاحات الهيكلية لمؤسسة القضاء بما في ذلك اصلاح مجلس القضاء الاعلى باعتباره الهيئة الاساسية في كل ما يتعلق بالقضاة. وأقر عزيمان في حواره مع (البيان) بأن اغلب السجون يشوبها بعض السلبيات التي تصل الى حد الاوضاع المأساوية, مشيرا الى ان هذا الواقع لا يعالج بفتح سجون جديدة ولكن من خلال ادخال برامج رياضية واجتماعية وتربوية في هذه المؤسسة العقابية وهو ما تم بحثه مع عدد من الوزارات والهيئات المعنية مثل الشبيبة والرياضة والثقافة والشئون الاجتماعية. وتطرق عزيمان الى الجهود التي تبذلها بلاده في مجال مكافحة المخدرات والمتواصلة منذ عشر سنوات منبها الى التشريعات الرادعة والصارمة التي سُنت في هذا المجال. كذلك تعاون بلاده مع الاتحاد الأوروبي وطبيعة الظروف الصعبة المحيطة بهذه الآفة التي يزداد الطلب عليها في السوق الأوروبي. وفيما يلي نص الحوار. * لقد أصبحت العدالة الساحة الجديدة للديمقراطية التي يزداد الضغط عليها يوما بعد يوم, كيف تستشعرون هذا الضغط؟ ـ انني مسرور بذلك لأنه علامة على الوعي الذي يعتبر ظاهرة صحية. حاليا, توجد العدالة في ملتقى جميع طرق التقدم, وهي أحد اعمدة سلطة الدولة واحد العناصر المهمة في الانسجام الاجتماعي, كما انها من أسس الامن القانوني الذي يحدد الثقة, باعتبارها القاعدة الاساسية للاشتغال الجيد لآلية الاقتصاد. والعدالة, من جهة اخرى, افضل (بارومتر) مقياس لدولة الحق والقانون, وعند هذا المستوى نشعر بمعنى دولة الحق والقانون, كما ان العدالة هي (بارومتر) الدمقرطة العميقة للمجتمع, فمن خلال المؤسسات ولعبة الاحزاب, وعبر عمل القاضي يمكننا معرفة ما اذا كانت القاعدة وكرامة المواطنين محترمتين, وما اذا كان بمقدورنا الثقة في النظام. * يكثر الحديث عن اصلاح الادارة, كيف يتم التعامل في وزارتكم مع هذا الموضوع, وهل تحركت آلة الاصلاح بالفعل؟ ـ عندما وصلت الى الوزارة لم تكن الوضعية مرضية ابدا, فقد كان توزيع المهام غامضا وتنقصه الشفافية, كما كان هناك تداخل كثير وضياع للطاقات وتحولت بعض الجزر الى حصون محصنة. وكان أحد اولى انشغالاتي هو الأخذ بزمام تنظيم الادارة المركزية بتغيير الاشخاص على رأس المصالح المهمة وعبر النصوص. وأحد وجوه الاصلاح هو اعادة الاعتبار والتقويم, والأمر يتعلق بشكل اجمالي بوضع قطار العدالة على السكة وضمان سيره السليم. فعندما ننظر الى الوضعية الحالية, وعندما نقيس الآمال العريضة ونشاهد ما هو مطلوب منا, ندرك ان المهمة هائلة, لكن لكي تكون كذلك لابد ان تكون ضمن نطاق القابل للانجاز مع الوسائل ولا سيما الارادة السياسية التي تأكدت بقوة من طرف الملك. وقد حصلنا على موافقة المجلس الوزاري للقيام بالهيكلة الجديدة للوزارة والتي تطمح الى جعل الادارة المركزية وسيلة في خدمة اصلاح العدالة. ونواصل العمل الذي بدأناه لايجاد الاشخاص اللازمين لادارة الآلة الجديدة. فكرتان للاصلاح * ما استراتيجيتكم في تحديث وتطهير العدالة؟ ـ ان الاصلاح قائم على فكرتين اساسيتين: الأولى, وضع القطار على مساره, والثانية تحديث العدالة. والتقويم واعادة الاعتبار, هو اعادة النظر في العلاقات بين الادارة المركزية والمحاكم, وهنا نلمس الوتر الأكثر حساسية. وبالفعل, علينا وضع الادارة المركزية للانصات لمشاكل المحاكم, غير ان هذا يعني كذلك السماح لها بضمان وظيفة المراقب والتأطير التي هي وظيفتها. ويجب ان تتم المراقبة انطلاقا من الادارة المركزية, والمراقبة الهرمية تتم من طرف رؤساء محاكم الاستئناف والنواب العامين في المحاكم التابعة لمقاطعتهم, ويوجد في صلب الاصلاح المجلس الأعلى للقضاء الذي يعتبر الهيئة الأساسية ذات الأسس الدستورية في كل ما يتعلق بالقضاة وتوظيفهم وترقيتهم.. وقد وضع هذا المجلس لخدمة الاصلاح. ويبقى الشطر الثاني من الاصلاح. وهنا نذكر ان عدالتنا عاشت بعيدة عن كل التطورات التي حصلت منذ عقدين, وتعتبر في الأذهان كفرامل أكثر مما هي عامل تنمية وتطور. وعليه, لابد من اعادة تقويم الأمور وتحديث الادارة المركزية واشتغال المحاكم والتحديث بمعنى العقلنة والمحاسبة لجعل العمل اكثر شفافية عبر تحسين الاستقبال والتوجيه وسيكون المجلس والعدالة اكثر قربا من المواطنين الذين سيستقبلون بطريقة افضل. * ولكن هل تعتقدون ان كادر القضاء يضم قضاة مؤهلين لانجاز العمل بهذه المعايير؟ ـ هذه احدى المشاكل الحادة والعويصة, اذ يجب اعادة تكوين القضاة, والمعهد الوطني للدراسات القضائية حاليا ورشة حقيقية, اذ ننكب على القواعد التي تضبطه لتحديث شروط جديدة لدخوله فيما يتعلق بالكفاءات والاستعدادات النفسية والأخلاقية, ونحن نعيد النظر بشكل تام في مضمون الدروس التي يجب ان تواكب التطورات والتقنيات التي يجب ان تكون متفاعلة وعملية. وننظر كذلك في انفتاح المعهد الوطني للدراسات القضائية على الخارج, وقد وقعنا اتفاقيات مع فرنسا واسبانيا والبرتغال ومع المنظمات الدولية. اما القضاة العاملون في هذا المعهد, فستكون لديهم امكانية اعادة التكوين وتحسينه في هذا المجال أو ذاك. ويتم تنفيذ الاجراءات الاولى مع العام الجامعي الحالي. * هل تتوفرون على الوسائل اللازمة لتحقيق طموحاتكم في التحديث؟ ـ يجب ايجاد الوسائل. لقد بدأت آثار التغيير في المجال المالي والتجاري مع انشاء المحاكم التجارية. هذه المحاكم تضم قضاة لهم تجربة في المجال التجاري وتلقوا تكوينا اضافيا في القانون التجاري سيسمح لهم باستباق التغييرات المقبلة. وهذه المحاكم ستطمئن الفاعلين الاقتصاديين وتعيد الثقة بالقضاء, ومن ثم السماح للعدالة بالمساهمة في التنمية الاقتصادية لبلادنا, ونريد ان تساعدنا المحاكم التجارية والمحاكم الادارية لرفع الجهاز القضائي عاليا بطريقة تسمح لنا بتفادي عدالة بمستويين, مستوى خاص بالفاعلين الاقتصاديين وذوي النزاعات مع الادارة ومستوى خاص بالمواطنين. العدالة وتخليق الادارة * لقد أثير في السنوات الأخيرة موضوع العلاقة بين العدالة وتخليق الادارة. كيف تنظرون الى هذه الاشكالية؟ ـ من ناحية المبدأ, يجب استئصال هذا الورم الذي ينخر اقتصادنا ومجتمعنا وسلم قيمنا. ما يمكننا قوله هو انه منذ توليت مهمة هذه الوزارة احيلت على محكمة العدل الخاصة, المختصة في محاربة الرشوة واستغلال النفوذ ملفات مهمة. وأذكر هنا قضية المطاعم المدرسية وقضية القرض الفلاحي وقضايا أخرى. وفي كل مرة أجد نفسي أمام وقائع جدية, يتم اخطار محكمة العدل الخاصة ويقوم القضاة بعملهم, وأنا اتفق معك في القول ان هناك الكثير يلزم القيام به فيما يخص الجهاز الاداري والقطاع الخاص معا. * هناك بطء في العدالة, وقد اقامت المنظمات النسائية محكمة وهمية للاستماع لشهادات حية وواقعية خرج الحضور منها متأثرا للغاية, وفي المغرب تشكل النساء اكثر من نصف السكان, فكيف يمكن الحديث عن الديمقراطية مع وجود هذا البطء غير المحتمل؟ ـ البعض يشكو من بطء التحقيقات وهذا حق وضمانة لحقوق الدفاع المتقاضين والاشخاص المتابعين امام المحاكم, ولا اريد اعطاء الانطباع بأنني ادافع عن حالات البطء لكنني اقول ان العدالة الردعية, الجنائية, تحتاج الى الهدوء والوقت لكي تعمل كما يجب, والمشكلة المثارة حقيقة ان كل ما يمت الى قانون العائلة ينقصه الكثير لماذا؟ لان هناك نصوص وقواعد تستوجب اعادة النظر, وهناك كذلك ممارسة قضائية محافظة لا تعطي حتى للاصلاحات المنجزة عام 1993 بعدها الحقيقي. فيما يتعلق بنا, نحن في طور العمل لكي تطبق هذه الاصلاحات, في كل ابعادها وحمولاتها, نأمل فتح حوار مع القضاة المهتمين بهذه المشاكل, وقد تابعت بعض محاكمات الجمعيات النسائية التي عرفت شهادات قاسية جدا. مكافحة المخدرات * رغم قيام المغرب بحملة مشددة لمكافحة زراعة المخدرات, والاتجار بها, الا ان هناك من يوجه الاتهام اليه من جديد كبلد منتج لها, ما مدى صحة هذا الاتهام؟ ـ انها مشكلة حساسة ودقيقة, وقد بذل المغرب مجهودات مهمة منذ عشر سنوات, كما جرت محاكمات لم تمس مهربي المخدرات وكبار البارونات فقط, بل مست كذلك السلطات المتورطة في هذا التهريب. وقد توفر المغرب على تشريع رادع وصارم جدا في هذا المجال الذي تبدي فيه المحاكم الصرامة والقسوة, وقد قمنا بذلك بمشاركة مع الاتحاد الاوروبي الذي كان يطالبنا بالمساهمة في مكافحة المخدرات التي تجتاز حدود المغرب, ومن جهة اخرى, نجد ان المفارقة هي كون بعض دول الاتحاد الاوروبي تسمح باستهلاك المخدرات, وتسمح احيانا بتجارتها الصغرى, وما فتئت الاسواق الاوروبية تزداد انفتاحا والطلب يتزايد, وعليه فان مهمتنا في هذه الظروف تصبح اصعب لأنه لا يمكننا ان نستأصل الانتاج ما دام هناك سوق وطلب, واقل ما يمكن قوله هو ان الاتحاد الاوروبي لا يساعدنا ماديا وتقنيا لمكافحة المخدرات ولم يف بوعوده بهذا الصدد. نحن نواصل عملنا في مكافحة المخدرات, لاننا نعرف الاثار التي تسببها هذه الآفة, لكن يجب ان يفهم الناس ان هناك من يجعل مهمتنا اصعب, سواء بعدم تجريم الاستهلاك او بالتدخل لاطلاق سراح المهربين وتجار المخدرات الاوروبيين الذين اعتقلوا في المغرب, والذين حوكموا محاكمة عادلة. التربية اولا * ماذا بشأن تحسين الاوضاع المزرية بالسجون؟ ـ لقد انجزت بعض الامور, لكن يظل امامنا الكثير للقيام به, فقد شكلت الحكومة بعد حريق سجن عكاشة في الدار البيضاء لجنة وزارية للاهتمام بالسجون, وقد بذلت اللجنة عدة جهود جعلت وزارة الزراعة تسمح بوضع عدة ضياع ستقدم الى سجون للزراعة, وسيبقى السجناء بالقرب من عائلاتهم وسيحظون بظروف السجون في المدن, وقد قبلت وزارة الصحة اعتبار مصحات السجون مستوصفات وبالتالي منحتها الادوية والموظفين, وهذا يعني العلاج, لكنه يعني كذلك خلق اجواء افضل في السجون, ونفس الشيء مع وزارة التربية فيما يتعلق بمحاربة الامية, وكذلك وزارة الأوقاف والشئون الاسلامية فيما يخص التربية الدينية, ونفس الشيء حدث مع وزارة التكوين المهني لاقامة ورشات تقدم تكوينا مقابل الحصول على شهادات متكافئة, وقد تم بناء سجون جديدة, وبذلت مجهودات على مستوى تغذية السجناء, لكن يبقى ان الظروف في اغلب السجون جد مأساوية. * مع تزايد عدد السجناء, الا ترون ضرورة العمل لتفادي الانفجار داخل السجون؟ ـ ان هذا التزايد جد قوي, وقد ارتفع العدد من 48 الفا الى 52 الفا حاليا خلال بضعة اشهر, واذا استمر هذا الامر لن نستطيع ابدا مواجهة المشكلة, ولا يتعلق الامر بالمواجهة عبر بناء سجون جديدة, فنحن نعمل مع الوزارات المعنية مثل الشبيبة والرياضة والثقافة والشئون الاجتماعية والتربية على برامج للتكفل بالشباب لكي يتفادوا طرق الجريمة. لابد من توفير انشطة واهتمامات لتفادي تزايد الانحراف, ويجب كذلك جعل السجون اماكن لاعادة التربية والتكوين لتسهيل اندماج الذين قضوا عقوبتهم, وهذه افضل وسيلة للمساعدة على الاندماج الاجتماعي. الرباط البيان