بقلم: كارل بيلت ، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى البلقان قبل عام, تصاعدت الحرب حول كوسوفو بوتيرة سريعة. والآن عادت كوسوفو لتتصدر عناوين الصحف. لكن على الرغم من جميع عقباتها, الا ان كوسوفو ماهي الا جانب صغير من قصة اكبر بكثير. فقبل عقد من الزمان تقريبا كان من الواضح ان يوغسلافيا السابقة لن تبقى كما هي, وكان يتعين تشكيل نظام يضمن استقراره من داخله في جنوب شرق اوروبا. ومنذ ذلك الحين, كانت حالات الفشل التي واجهتنا اكثر من حالات النجاح, فقد فشلنا في تجنب نشوب الحرب في كرواتيا وفي البوسنة,وحول كوسوفو. وكانت الخسائر البشرية مذهلة والخسائر الاقتصادية هائلة واليوم, لا نزال بعيدين عن تحقيق هدفنا المتمثل في ارساء دعائم استقرار تكفل فعالياته الذاتية استمراره في المنطقة. وفي كوسوفو, تحتاج الامم المتحدة والناتو الى المزيد من الموارد للتعامل مع التحديات الملحة, وبعد قضاء قرابة خمسة اعوام وانفاق اكثر من خمسة مليارات دولار على اعادة البناء, فان البوسنة لا تزال غير جاهزة لتحمل المسئولية بنفسها. ومع ان تعهدنا المشترك بتقديم موارد دبلوماسية ومالية وعسكرية للمنطقة لم يكن على الارجح اكبر من ذلك على الاطلاق, الا ان الحقيقة الصارخة هي انه اذا تم سحب الموارد اليوم, فاننا سنواجه حروبا جديدة غدا. علينا ان نتعلم دروس العقد الماضي اذا اردنا تجنب تكرار الاخطاء التي ارتكبت فيه خلال العقد التالي, ليست هناك حلول محلية وانما هناك حلول اقليمية ولا يمكننا ان ننجح ابدا في كوسوفو او البوسنة اذا فشلنا في المنطقة ككل, وعلينا تجنب الوقوع في مصيدة الانجرار الى حل في جزء واحد من المنطقة من شأنه ان يؤدي الى تدمير اي امكانية للحل في جزء آخر. وبينما بذلت جهود في مستهل العقد لصياغة استراتيجية اقليمية, فان المجتمع الدولي انساق في حينه الى تبني نهج تدريجي يفضي الى السياسة, وكان ينظر في الغالب الى البوسنة على انها تعيش حالة من العزلة. ولم تكن هناك استراتيجية متماسكة للتعامل مع تحدي كوسوفو قبل ان تصبح الحرب حقيقية واقعة. والآن, هناك دلائل مهمة على وجود التزام جديد ازاء المنطقة فميثاق الاستقرار لجنوب شرق اوروبا يعد تعبيرا عن فهم متجدد للحقائق الاقليمية . والاتحاد الاروبي يعمل على تطوير الادوات المطلوبة لتبني سياسة حقيقية للسلام والامن في المنطقة. غير ان هذا لن يكون كافيا. وينبغي معالجة القضايا السياسية الجوهرية في المنطقة وهذا يمكن تحقيقه من خلال سياسة عامة للسلام فقط يجري تطبيقها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا مجتمعة. وهنا, تعتبر دروس الماضي واضحة, ونحن لم ننجح سوى في تأمين اتفاقيات بين الاطراف في المنطقة عندما كان هناك اجماع واضح بين هذه الاعمدة الرئيسية الثلاثة للجهود الدولية, واي اجماع اقل درجة من ذلك, يحكم عليه حتى الآن بالفشل. وليس من الصعب ادراك السبب في ذلك فلماذا يتعين على الاطراف المحلية ان تكون قادرة على الاتفاق على شكل السلام في الوقت الذي يستطيع المجتمع الدولي القيام بذلك؟ وعندما يكون هناك خلاف في المجتمع الدولي, فان احد الاطراف المتحاربة يتشجع على العناد على امل الحصول على صفقة افضل في المستقبل ولقد كان هذا هو النمط المأساوي لحالات الفشل السابقة. وهذا الامر ينطبق على كوسوفو ايضا. فنحن لا يمكننا تحقيق السلام على الارض هناك اذا كنا لا نستطيع حتى الاتفاق على المستوى الدولي بشأن كيفية القيام بذلك, وطالما ان القضايا الاساسية للصراع مفتوحة على مصراعيها, فان الحلقة المفرغة من التوقعات من جهة والخوف من الجهة الاخرى سيجعلان من المستحيل عمليا التحرك نحو استقرار قائم بذاته. وبدلا من ذلك, هنالك خطر من اننا سنشهد تزايدا في التوترات ليس في كوسوفو فحسب وانما ايضا في المنطقة الاوسع نطاقا, واشارات التحذير قائمة بالفعل. ان الوضع في بلجراد يعد احد مفاتيح الحل. والاشخاص المتنفذون في القيادة السياسية والعسكرية الصربية حرموا من اجراء اي نوع من الحوار مع المجتمع الدولي على خلفية ادانتهم من المحكمة في لاهاي لارتكابهم جرائم ضد الانسانية. لا يمكننا ابدا ان نتعامل مع هؤلاء الاشخاص. ولكن علينا ان نتعامل مع صربيا, فالاستقرار والسلام الاقليميين بدون صربيا امران مستحيلان, وفي غياب التغيير في بلجراد, فان الجهود الدولية في المنطقة يمكن وصفها, بلغة السياسة بأنها عملية احتجاز عملاقة. قد تكون هناك فرصة سانحة للتغيير الآن فهناك رئيس جديد في روسيا, والرسالة التي يرسلها عبر كلماته وافعاله, ستؤثر حتما على توازن القوى دخل اركان النظام في بلجراد, وينبغي حمل كل جزء صغير في النظام على الفهم بانه يقف في وجه مجتمع دولي موحد وان هناك حلا واحدا لبقاء صربيا, وهو الاطاحة بأولئك الذين ادينوا بارتكاب جرائم ضد الانسانية. ومن اجل صياغة سياسة مشتركة للسلام من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا, فان الأمر يتطلب بالضرورة حلولا وسطا, ويتعين عليها ان توازن بين جميع المصالح المختلفة في المنطقة وينبغي ان تكون استراتيجية للتوصل الى حل سياسي يلبي الحد الادنى من مطالب الجميع ولا يلبي الحد الاقصى من مطالب اي طرف. وليس هناك من طريق آخر, اذا كنا نريد تجنب الانزلاق الى صراعات جديدة, وربما الى حروب جديدة, فلا تزال قوى التفكك اقوى من قوى التوحيد, في المنطقة وينبغي علينا ان لا نقلل من مخاطر الحروب الجديدة الكامنة في هذه الحقيقة.