رسالة أمريكية بالعربية والإنجليزية تحذر من اقتحام الجولان في سبتمبر 1996 كان الشعور السائد هو أننا نسير على حافة الهاوية باتجاه مواجهة عسكرية مع سوريا مما دفع بوزارة الدفاع لوضع خطط الاستعداد والتأهب, كذلك الحال في الهيئة العسكرية التي عقدت جلسة طارئة للمصادقة على بعض التوصيات لصد أي هجوم سوري قد يباغتنا, وهذه هي المرة الأولى منذ التسوية المؤقتة مع سوريا والتي تمت في أعقاب حرب أكتوبر التي تلجأ فيها سوريا لمحاولة تغيير الوضع القائم في الجولان, فطلبت إسرائيل من بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة نقل رسالة إلى دمشق, تصادف حينذاك أن رئيس الحكومة نتانياهو كان في زيارة عمل بواشنطن حيث أطلع الرئيس بيل كلينتون على مدى خطورة الوضع. وفي الثالث عشر من سبتمبر كان السفير الأمريكي في دمشق مبعوثاً من الرئيس كلينتون يقرأ للرئيس الأسد الرسالة مباشرة وبالعربية والإنجليزية. الرئيس الأسد من جانبه قرأ الرسالة جيداً, أما نحن وقد كنا على أبواب عيدي رأس السنة والغفران فقد اعترانا الشعور بأن هناك محاولة سورية لتكرار ما حدث في حرب أكتوبر 1973 مع أنه يتوجب علينا التذكر بأن الخيار العسكري مع سوريا ليس حتمياً بالضرورة وأن سبب الأزمة هو أن الأسد يفكر بالقيام بعملية خاطفة في الجولان تتيح له السيطرة على منطقة إسرائيلية وبالتالي إرغام الطرفين على التوصل إلى اتفاقية لوقف إطلاق النار فاقتطاع جزء من الجولان يجعل سوريا في موقف التفوق في المفاوضات السياسية. وفور انتهاء الأسد من قراءة رسالة كلينتون قام بتوجيه رسالة أولى لنتانياهو جاء فيها (أنه يعتقد بإمكانية إنجاز شيء ما في أعقاب ( الوديعة) مؤكداً أن سوريا لا تفكر بالشروع في حرب وإنما في الذهاب نحو السلام على المدى البعيد ولكن في حال عدم تحقيق سلام شامل فإن كل شيء ممكن الحدوث) . كانت هذه رسالة تطمين وتهديد وزالت الأزمة إلى حين, فقد عادت المخاوف من احتمالات مواجهة عسكرية مع سوريا إلى الظهور خلال فترة قصيرة إذ وصل دينس روس إلى القدس لدفع عملية المفاوضات الجارية حول الخليل, وقال لنا: (تصل إلينا إشارات مقلقة من سوريا وإشارات استخبارية تشير إلى استعدادات ونشاطات عسكرية من جانب سوريا كما أن لدينا تأكيدات محسوسة للقيام بإجراء ما خلال المستقبل القريب) . ورد رئيس الحكومة قائلاً (بناء على المعلومات المتوفرة لدينا فإن الرسالة التي بعثت بها الولايات المتحدة إلى سوريا كانت فعالة ويبدو بأن الرئيس الأسد لن يفعل شيئاً قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية في أول نوفمبر وما نريده هو تعزيز رسالتكم لسوريا) تدخل رئيس الأركان امنون شاحاك بالقول أن هناك معلومات متزايدة عن استعدادات عسكرية لشن هجوم في الجولان. وقد تم الاتفاق على تبادل المعلومات الاستخبارية بين إسرائيل والولايات المتحدة ليتقرر فيما بعد أمر نقل رسالة أخرى لسوريا وفي الوقت نفسه كان هناك تفكير حول إعادة العلاقات مع سوريا إلى مسار المبادرة السياسية, عندها أبدى السفير مارتن انديك ملاحظة فقال: (يتوجب علينا بعد الانتخابات بذل جهود من أجل استئناف المبادرة السياسية مع سوريا) . روسيا من جانبها تدخلت لإزالة الاحتقان إذ وصل سفير روسيا إلى إسرائيل في التاسع والعشرين من أكتوبر للقاء رئيس الحكومة في تل أبيب كي ينقل رسالة وزير الخارجية الروسي بريماكوف الذي زار سوريا والتقى الرئيس الأسد وتنص على (أن سوريا وفق التقصي والبحث الروسي لا تنوي شن هجوم على إسرائيل) مضيفاً بأن بريماكوف في دمشق قال للأسد: (أي هجوم من جانبه لن يحظى بتأييد روسيا بل بمعارضتها) أراد بريماكوف تهدئة نتانياهو فقال: (لقد تم استيعاب الرسالة جيداً في سوريا) . حكاية الوديعة وربما كانت ردود الفعل السياسية السريعة من جانب حكومة إسرائيل إضافة للاستعدادات العسكرية وراء ردع الأسد عن القيام بعمل عسكري في الجولان فقبل ذلك بشهر ونصف كان الأسد في مباحثاته مع سفير الولايات المتحدة في دمشق كريس روس يقول بأنه سوف يعمل على إبقاء الأوضاع هادئة خلال الأسابيع المقبلة لإزالة التوتر, وظهر أيضاً أن هذه محاولة من الأسد لتحريك الأجواء بهدف ممارسة أو فرض ضغط أمريكي على نتانياهو لكي يتبنى المعادلات والصيغ السـياسـية لسابقيه, فليس من باب المصادقة أن يشير الأسد في رسالته لنتانياهو إلى الوديعة. لقد كان تقديري خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة بأن هناك احتمالاً وأن يكون الأسد قد اتخذ قراراً استراتيجياً بالتوصل إلى اتفاقية مع إسرائيل ولكن وفق شروطه هو وفي الوقت نفسه يظل الخيار العسكري قائماً كأداة لفرض أهداف سياسية من جانبه وعلى رأسها العودة إلـى النقطـة التي توقفت عنـدها المفاوضات مع حزب العمل بناء على مفهومه لهذه الوديعة فقد فهم السوريون من الولايات المتحدة من أن رابين وضع في جيبهم وعداً بأنه إذا وافق الأسد على سلام كامل مع إسرائيل توافق إسرائيل على انسحاب كامل هذا طبعاً وفقاً لفهم السوريين انسحاب حتى خطوط عام ,1967 وهذه الوديعة هي وثيقة التفاهم الأمني التي تم تلخيصها إبان محادثات واي بلانتيشن أيام حكومة رابين وقد أوضح نتانياهو بأنه غير مستعد لتلبية الطلب السوري باستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها وبالنسبة للرئيس السوري وعلى ضوء الوديعة فانه يتوجب استئناف المفاوضات من موافقة رابين على الانسحاب حتى حدود 67 وفي أعقاب اتصالات مع واشنطن بعث وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر توضيحات بهذا الشأن إلى القدس. وقد اخبرني أحد الضباط الكبار في جيش الدفاع والمشارك في المفاوضات مع سوريا أيام حكومة رابين بأن فرضية حزب العمل في حينه كانت هي أن رابين على استعداد لانسحاب كامل من الجولان وأضاف بأنه خلال المباحثات التي أجراها مندوبو رابين بعد إعطاء الوديعة أجرى السوريون مفاوضات بشأن الثمن بعد أن أصبحت (البضاعة) مضمونة لهم. ضربة المعلم بذل رئيس الحكومة نتانياهو جهوداً على طريق استئناف المفاوضات مع سوريا فقد أرسل بداية مسئول الموساد في حينه داني ياتوم إلى واشنطن لإجراء محادثات سرية مع السفير السوري في واشنطن وليد المعلم غير أن الأخير رفض إجراء حوار كما قام دينس روس بمحاولات للتقريب بينهما باءت بالفشل أيضاً وأصَّرت سوريا على استئناف المفاوضات من حيث توقفت وكانت رسالة الأسد التي رفضها نتانياهو تقول: (إذا وافقت على الانسحاب من الجولان فإن ما تبقى كله مفتوح للمفاوضات) . من جانب آخر كانت المفاوضات على الجانب الفلسطيني في مكانها دون حراك, وحاول نتانياهو البحث عن انطلاقة أخرى على المسار السوري فنقل إلى روس في الخامس عشر من يونيو 1997 أثناء زيارة روس للقدس ما مفاده أنه يحمل اقتراحاً لدمشق بإجراء مفاوضات سرية من أجل التوصل إلى موافقة مبدئية تتعلق بالمسائل الرئيسية مؤكداً التزام إسرائيل بالإصغاء جيداً لمواقف سوريا كما أنها تتوقع الشيء نفسه من جانب سوريا فيما يتعلق بمطالب إسرائيل) . بدا روس متحمساً وسجل ملاحظاته وقال: (هذه صيغة إبداعية وكلي أمل بأن تتحرك الأمور لدى الأسد في نهاية الأمر(أما أنا فقد قدمت لنتانياهو توصية قبلها على الفور وبدون تردد وتنص على عدم الموافقة على مطالب سوريا بالانسحاب من الجولان, ولم يتأخر الرد السوري أيضاً بواسطة روس والذي يتضمن وجوب موافقة إسرائيل على استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها وأن سوريا لن توافق على التفاوض بشأن هذا الأمر, وهكذا تبددت الفرحة في حدوث انطلاقة على هذا المسار. استمرت الولايات المتحدة وإسرائيل في إجراء حوارات متواصلة فيما يتعلق بالآثار الأمنية على التسوية مع سوريا وكانت الولايات المتحدة من جانبها تعرض لإسرائيل الحلول والوسائل في مجال الإنذار بشأن إمكانية انسحاب إسرائيل من الجولان, لم تنته هذه المحادثات ولم تستكمل كما أنها لم تلق ارتياحاً لدى أجهزتنا الاستخبارية. وخلال حديث لي مع روس في مارس 1998 أوضحت له باسم رئيس الحكومة حديثنا إزاء كل ما يتعلق بالتفاوض مع السوريين فسألني روس فيما إذا كنا ننقل رسائل إلى دمشق عبر قنوات خاصة فأجبت بأننا لا نفعل ذلك ولا أي شيء غير الذي تعرفونه, فالقناة الخاصة للحوار بين نتانياهو والأسد جاءت في مرحلة متأخرة, دينس روس كان ينقل للسفير السوري في واشنطن وليد المعلم ما يجري, وقال لي روس: (بودي القول للمعلم بأن المحادثات التي نجريها مع إسرائيل تشكل إٍشارة لجدية إسرائيل وأوضح له أيضاً بأن إسرائيل لن تعود إلى شاطئ بحيرة طبريا) وراودني الشك الكبير في إمكانية أن يكون الرد السوري إيجابيا هذه المرة, وهذا ما حصل فعلاً حيث استمر الجمود في أمر استئناف المفاوضات مع سوريا. وكان واضحاً أن أية اتفاقية بين إسرائيل وسوريا يلزمها التدخل والدعم الأمريكي المكثفان. فقد بادر نتنياه وإلى مفاتحة نائب الرئيس الأمريكي آل جور أثناء مشاركته في احتفال اليوبيل الخمسين لقيام إسرائيل في 30 ابريل 1998 باستعداده للقيام بعملية سياسية مع سوريا ولكن هذا يتطلب دعماً كبيراً لإسرائيل في المجالين الأمني والاستخباري كما نحتاج إلى تمويل هائل بمليارات الدولارات (كان جواب آل جور:) من المحتمل أن يواجه الأمر صعوبات داخل الكونجرس(وكان صادقا فعلاً إذ لا يعقل أن تكون هناك تسوية مع سوريا بدون تدخل الولايات المتحدة في جميع دوائرها الحكومية وحتى لو توصلت إسرائيل مستقبلاً إلى تفاهم مع دمشق يؤدي إلى اتفاقية بينهما فبدون تفاهم مع الولايات المتحدة إزاء الدعم الأمني والاقتصادي الشامل لإسرائيل وتعويضها عن تبعات وآثار الاتفاقية لا يمكن لإسرائيل وحدها مواجهة أبعاد هذه الاتفاقية. وفي أغسطس 1997 وصلت لمستشار رئيس الحكومة دوري جولد معلومات تفيد بأن (زعيم المعارضة ايهود باراك حاول ترتيب لقاء له مع وليد المعلم لكن الأخير رفض فقرار الأسد هو ألا يتحدث إلا مع حكومة منتخبة في إسرائيل) , وطلب المعلم نقل الرسالة التالية لنتانياهو (ليعلم أن هذا هو موقف سوريا) وحملت الرسالة أيضاً رغبة السوريين في وصول رجال أعمال أمريكيين إلى دمشق لفتح أبواب الاقتصاد السوري في وجه الاستثمار, وأن موضوع رجال الأعمال يسهل جداً ظروف الشروع في المفاوضات بين إسرائيل وسوريا. لقد تم استيعاب الرسالة جيداً ووصل رجال الأعمال إلى دمشق ومن ضمنهم رون لاودر وبدأوا بدراسة إمكانيات القيام بصفقات وأعمال اقتصادية في سوريا, لاودر التقى رئيس الحكومة في منزله بالقدس في ساعة متأخرة من الليل وأطلعه على نتائج زيارته لدمشق وفي أول حديث له مع الرئيس السوري قال: (لقد اهتم الأسد كثيرا باقتراحك) وكان نتانياهو مرتاحاً لهذا الرد فهذه هي المرة الأولى التي ينشأ فيها حوار مباشر بينه وبين الرئيس السوري وإن ما كان يوصف بمحاولة جامحة وربما لا أمل منها في إجراء مفاوضات شبه مباشرة بينه وبين الأسد تحول إلى واقع وحقيقة فلقد تحدث الاثنان لأسابيع طويلة عبر لاودر رجل الأعمال الأمريكي الذي يعمل اليوم رئيساً لمؤتمر الاتحادات اليهودية ويحظى بثقة نتانياهو كما كسب ثقة الرئيس الأسد أيضاً وقد نجح حيث فشل كثيرون قبله, فقد حاول قبل ذلك ميجال مواتينوس مبعوث المجموعة الأوروبية ومسئول طاقم المفاوضات الأمريكي دينس روس ووزير خارجية عُمان والسفير البريطاني في إسرائيل وآخرون كثر وكل هذه المحاولات كانت تتوقف عند بدايتها أما لاودر فقد حطم الحواجز. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأسد ولأول مرة لم يضع شروطاً مسبقة للحوار مع إسرائيل وقد ساعد في إجراء هذا الاتصال جورج نادر وهو لبناني الأصل يسكن واشنطن ويتمتع بالقدرة على الحديث مع الرئيس الأسد, وقد استطاع لاودر إجراء الحوار مع الرئيس السوري بدون وسطاء, حتى تلك المرحلة كان السفير السوري وليد المعلم هو رجل الاتصال الوحيد مع دمشق, والمرة الأولى والأخيرة التي أَجرى فيها المعلم اتصالاً مباشراً مع ممثل حكومة إسرائيل برئاسة نتانياهو كانت في واشنطن في يونيو 1996 أثناء زيارة نتانياهو لواشنطن, فقد التقى دوري جولد للتوقيع على مذكرة تفاهم ابريل ويشار إلى أن هذه الاتفاقية تبلورت في عهد بيريز وطلب من نتانياهو التوقيع عليها أي لم يكن أمام نتانياهو في الواقع أي خيار لرفضه للتوقيع عليها قد يكون سبباُ في اندلاع مواجهات كبرى في لبنان وهو في بداية رئاسته للحكومة. التقى جولد مع المعلم برعاية روس في وزارة الخارجية فتم الإعلان عن اللقاء مما أثار غضب المعلم الذي رفض فيما بعد عقد أي لقاء مباشر مع مندوبين إسرائيليين. وقد سعى نتانياهو إلى حوار مباشر ومبكر مع الرئيس الأسد عن غير طريق المعلم وأيضاً بدون تدخل الولايات المتحدة فقد كان واضحاً بأن أي اتصال عن طريق السفير السوري يصل على الفور إلى الإدارة الأمريكية مباشرة أو بواسطة وكالة المخابرات الأمريكية, وقد قام لاودر برحلاته إلى دمشق بطائرته الخاصة وكان جورج نادر منسقاً لمواعيد الوصول كما أن لاودر كان يحط في القدس ليتلقى التوجيهات من نتانياهو ثم يتابع إلى قبرص ومنها إلى دمشق والعودة إلى القدس. وأحياناً كان يسافر من دمشق إلى القدس مرتين في اليوم وحظيت جميع لقاءات لاودر نتانياهو بالسرية التامة. وكان واضحاً لنتانياهو أن هذه الاتصالات لن تؤدي إلى اتفاقية مع سوريا كما كان يرغب ولكنه كان يبذل الجهود الجبارة لأحداث انطلاقة على المسار السوري الإسرائيلي ورفض ضرورة تنفيذ الانسحابات مع الفلسطينيين وخطته تقضي بإحراز لقاء مع الأسد ومن ثم تنفيذ أحد أمرين: إجراء انتخابات مبكرة وتحقيق فوز ساحق على ضوء هذا الإنجاز السياسي أو التوجه بعد إنجاز الاتفاقية إلى باراك مقترحاً عليه تشكيل حكومة وحدة وطنية وكان نتانياهو واثقاً من أن باراك لا يستطيع رفض توجهاته إزاء المشاركة السياسية بينهما والدخول في مفاوضات التسوية الدائمة مع الفلسطينيين حيث يكون عرفات ضعيفاً معزولاً بعد الاتفاق مع سوريا, قام لاودر بتوصيل رسالة من نتانياهو للرئيس السوري أثارت فضول الأخير وتضمنت التالي: (جدية رئيس حكومة إسرائيل في استئناف المفاوضات ورغبته في الحصول على أكثر مما كان مطروحاً على رابين وإلا لن تكون اتفاقية, ثم أن القوة السياسية التي يتمتع بها رئيس الحكومة لدى الجمهور في إسرائيل وداخل حزبه تؤهله لإنجاز الاتفاقية وأخيراً يتوجب بذل جهود مشتركة للتوصل إلى بيان مبادئ مشترك) . لحظة الحقيقة اهتم الرئيس السوري بالرسالة وبدأت المفاوضات, كل شيء كان شفوياُ في مفاوضات فعلية يخوضها الطرفان لإنجاز مسودات بيان مبادئ مشترك, على الجانب الآخر كانت المفاوضات مع الفلسطينيين تجري ببطء شديد عن طريق روس دون أن تعلم الولايات المتحدة بأمر القناة السرية بين نتانياهو والأسد. وفي أعقاب سلسلة من اللقاءات في دمشق والقدس جاءت لحظة الحقيقة في رسالة الأسد الموجهة لنتانياهو عبر لاودر فقد قال له: (قل لنتانياهو بأنني أريد رؤية خريطة الانسحاب ضمن حدود الرابع من يونيو وبدون هذا لا جدوى من الاستمرار) ورفض نتانياهو, كما كانت توصيتي الواضحة له في السابق, من ناحية ثانية أراد نتانياهو الحصول على جواب سوري إزاء حجم المساحة داخل العمق السوري الذي يبدي الأسد من خلاله موافقته على تخفيف ونزع قواته ولكنه لم يحصل على الجواب الشافي بهذا الشأن فقد رفضت سوريا عرض خرائط تحرك قواتها قبل الحصول على خريطة الانسحاب. وفي حال استئناف المفاوضات مع سوريا ستبقى هذه النقطة مركزية وبحاجة إلى النقاش والتوضيح. صحيح أن الاتصالات بين ن تنياهو والأسد أسهمت في تليين الموقف السوري تجاه الوديعة أو فيما يتعلق بالتبادلية المتجانسة على جانبي الحدود ونزع وتخفيف القوات إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لترجمة هذا كله إلى لغة الخريطة. وهكذا نجح نتانياهو حيث فشل رابين من قبله, إذ أنه حتى اتصالات لاود ر رفض السوريون أي وجود إسرائيلي في محطات الإنذار بالجولان وعلى رأسها جبل الشيخ والتي تشكل ذخراً استراتيجياً من الدرجة الأولى حتى في أزمنة السلام لأن أي موقع لا يمكن الجيش الإسرائيلي من مراقبة دمشق وبدون معلومات استخبارية يتم استخلاصها في جبل الشيخ لن يمكن إسرائيل من التمتع بمساحة إنذار كافية في وجه أي هجوم سوري مباغت كما أن أية اتفاقية أو عملية تطبيع على هذا المستوى أو ذاك مع سوريا لن تشكل بديلاً عن احتياجات إسرائيل الأمنية. وهذا يعني أن الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى وقت إنذار كاف وفعال في حال أي سيناريو يقوم بسبب انهيار اتفاقية السلام وسيكون لزمن الإنذار مفعول وقيمة إذا تحقق شرطان: إبعاد الجيش السوري داخل عمق سوريا إلى ما بعد ضواحي دمشق واستمرار إسرائيل في الحصول على معلومات استخبارية إنذارية من محطات الإنذار وعلى رأسها جبل الشيخ. كان السوريون بداية يرفضون أي حديث عن محطات الإنذار ولكن ليناً طرأ على موقفهم بعد مدة فقد وافقوا في البداية على وجود فرنسي في المحطة لمدة زمنية يتم فيها الانسحاب الإسرائيلي ثم وافقوا في نهاية الأمر على محطة فرنسية أمريكية وغض الطرف عن وجود إسرائيلي فيها ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق حول المدة الزمنية التي تستطيع المحطات فيها العمل ضمن هذا الإطار مع أن التوجه القائم يحدد هذه المدة من خمس إلى عشر سنوات. الاتصالات التاريخية بين نتانياهو والأسد استنفدت نفسها وبقي رئيس الحكومة على موقفه في التمسك بعدم الموافقة على عرض خريطة الانسحاب الإسرائيلي حتى حدود يونيو 67 كما كنت دائماً اعزز هذه المسألة من جانبي لاعتقادي بأن هذا ثمن لا ينبغي على إسرائيل دفعه أبداً كما أن أي اتفاقية سلام مع سوريا يجب أن تقوم على المبادئ الأمنية التالية: ضمان ترتيبات أمنية تقف على رأسها مسألة إبعاد الجيش السوري بقدر كافٍ ووجود إسرائيلي في محطات الإنذار وعلى رأسها جبل الشيخ وخطر الانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان وضمان ترتيبات أمنية في لبنان, للحيلولة دون وقوع اعتداءات على إسرائيل أيا كان نوعها عبر هذه الحدود. من هنا فإن أية اتفاقية مع سوريا لا تحمل هذه المضامين تضر كثيراً بمصالح إسرائيل الأمنية والحيوية وهذا ما جعل نتانياهو يرفض إغراء التوصل إلى اتفاقية مع الأسد دونما استجابة لاحتياجات إسرائيل, وكلنا أمل في أن يواصل باراك السير على الدرب نفسه. تعقيب على المفارقات تحدث داني نافيه مطولاً في هذه الحلقة عن اتصالات واسعة أجرتها إسرائيل والإدارة الأمريكية وروسيا من خلال وزير خارجيتها بريماكوف لمنع سوريا من القيام بعملية عسكرية خاطفة لاستعادة أجزاء من الجولان وفرض أمر واقع جديد يسمح بتحريك المفاوضات السياسية, وتناسى نافيه ما تحدثت به كافة وسائل الإعلام, و قبل أن يدفع بكتابه للمطبعة بوقت طويل, وهو وجود رجل استخبارات إسرائيل في موقع متقدم مسئول عن الملف السوري اعترف صراحة أنه ضلل الأجهزة الاستخبارية وقدم معلومات لا أساس لها من الصحة حول وجود استعدادات وهمية للجيش السوري للقيام بعملية عسكرية كبيرة وكان هدفه, كما تحدث صراحة, الحصول على المال مقابل هذه المعلومات (الثمينة) وربما كان من واجب نافيه ذكر هذه الحادثة واستخلاص الاستنتاجات المطلوبة, إذ كيف يتصرف رجل استخبارات في موقع متقدم بمثل هذه الاستهانة بما يعتبره مصالح بلاده, وكيف تصدق دوائر صنع القرار في إسرائيل, أن سوريا بوضعها الحالي وبعد أن سكتت المدافع على كل الجبهات العربية, تفكر بالقيام بعمل عسكري تعرف كيف تبدأ به لكنها لن تكون قادرة على وقفه بالطريقة التي تريدها. وفي هذه الحلقة يركز نافيه على موضوع مهم, يتصرف إزاءه ايهود باراك بالطريقة نفسها ويقول صرا حة إن حكومة نتانياهو كانت تريد التوصل لاتفاق مع دمشق سواء أكان اتفاقاً كاملاً أم إعلان مبادئ, لعزل عرفات وإضعافه وإجباره على قبول بما يمكننا عرضه عليه, وكان يريد الذهاب لانتخابات مبكرة وبيده اتفاق مبادئ مع دمشق بما يمكنه من العودة بقوة كبيرة لسدة الرئاسة أربع سنوات أخرى, أو يذهب لايهود باراك لتشكيل حكومة ما يسمى بالوحدة الوطنية الشبيهة بحكومة العمل الليكود عام 4891م والتي استمرت خمسين شهراً كاملاً في تلك الفترة. والمفارقة أن شمعون بيريز في فترة استلامه رئاسة الحكومة بعد رحيل اسحق رابين فكّر بالأسلوب نفسه وهو الحصول على اتفاق مع دمشق والذهاب لانتخابات مبكرة لكنه ذهب في نهاية المطاف لانتخابات مبكرة وليس بيده ورقة اتفاق مع سوريا أو لقاء مع رئيسها حافظ الأسد. هذه حقيقة كبرى يتجاهلها القادة الفلسطينيون وهي أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة, من العمل والليكود تريد الاستفراد بالفلسطينيين الذين يطالبون باقتسام الأرض معهم ويعيشون داخل البيت, وهي لذلك مستعدة لإعطاء العرب أرضهم المحتلة إذا قبلوا بفك ارتباطهم مع القضية الفلسطينية وإذا تخلوا عن موقفهم التقليدي الرافض لذلك كانت سوريا تقول طوال الوقت أن إعادة واستعادة الجولان مطروحة عليهم منذ زمن طويل, إذا قبلوا بالتخلي عن القضية الفلسطينية. القيادة الفلسطينية لا بد أنها تعرف كل هذه الحقائق وتعرف أن الطريق لمنع انعزالها وعزلتها ومنع الاستنفراد بها يمر عبر إعادة المياه لمجاريها مع دمشق وعبر إعادة ربط المسارات. هل هذا الأمر مستحيل؟ ومن هو الطرف المسئول عن تعطيله؟ موضوع شائك ومعقد لا يدخل في إطار التعليق على هذه الحلقات ويحتاج دراسة منفصلة ومتكاملة. السوريون رفضوا المفاوضات السرية, خلافاً للشائعات التي تحدثت عن وجود مثل هذه المفاوضات طوال الوقت, في عواصم الغرب, إذ لو كان هناك شيء من ذلك لكان سكرتير العام لحكومة نتانياهو أول من يعرف به. لكن القيادة السورية أبدت رغبتها لمجيء رجال أعمال أمريكيين لدمشق لبحث إمكانات الاستثمار وقبل الرئيس الأسد أن يتحاور مطولاً ولعدد غير قليل من المرات مع رجل الأعمال اليهودي الأمريكي رون لادر الذي كان صلة الوصل مع حكومة نتانياهو, وفي مثل هذا الاستقبال لرجال الأعمال الأمريكيين إشارة سورية إلى أنها تربط بين السلام المقبل وبين ضرورة تدفق الاستثمارات لذلك البلد القادر على استيعاب هذه الاستثمارات بما يمكنه من إحداث نقله نوعية متميزة في الاقتصاد السوري. والإسرائيليون حسب رواية نافيه يريدون محادثات مع دمشق دون علم واشنطن, ولهذا أخفوا مفاوضات لاودر عن الجانب الأمريكي طوال الوقت, لأنهم يريدون أن يأخذ ميزان القوى بين الطرفين ودون تدخل من أحد, مداه لرسم نتائج المفاوضات, وقد احتاط السوريون لذلك فرفضوا أية محادثات علنية في واشنطن لا تشارك بها الولايات المتحدة الأمريكية على أعلى المستويات, وذلك ما تحقق في شبردزناون حيث شارك الرئيس بيل كلنتون مباشرة في العديد من اللقاءات في إطار تلك المفاوضات. وعلى الرغم من أن نتانياهو استخدم مع الطرفين الفلسطيني والسوري تكتيكه الذي يقول إن أي اتفاق معه سيحظى بدعم واسع في الكنيست وفي الشارع الإسرائيلي, لأن حزب العمل وحلفاءه سيؤيدون أي اتفاق سلام, إلا أنه لم يتمكن من إنجاز أي تقدم على المسار السوري حين اصطدمت المفاوضات, طبقاً لرواية داني نافيه, بالإصرار السوري على الانسحاب حتى حدود الرابع من يونيو 1967م, ولم يتحقق أي تقدم على المسار الفلسطيني أيضاً, باستثناء اتفاق الخليل الذي فرضته ظروف عديدة, واتفاق واي ريفر الذي لم ينفذ منه إلا أقل القليل وأسقط بيبي في نهاية الأمر حين انسحب من حكومته عتاة المتشددين وقرروا الذهاب لانتخابات مبكرة خرج مها نتانياهو مهزوماً وانكفأ في منزله معلناً اعتزاله السياسة, ولو إلى حين.