منذ بداية شهر مارس الحالي, الذي شهد الثامن عشر منه الانتخابات الرئاسية في تايوان, وبالتزامن مع تصعيد الصين لتهديداتها الموجهة إلى تايوان, برز تحركان بارزان من جانب بكين باتجاه روسيا وكوريا الشمالية, فصباح الثاني من مارس خرجت صحيفة (الشعب) الصينية بعدة مقالات مطولة تمتدح الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا اللتين كانتا تتبادلان حينها زيارات مسئولين كبار استعدادا للقمة المرتقبة بين الدولتين. حتى ذلك الحين كانت العلاقات بين موسكو وبكين تبدو فاترة على نحو ملحوظ, حيث كان اهتمام الصين منصبا على عضوية منظمة التجارة العالمية, ولا تشكل روسيا دعماً حقيقيا لها في هذه المسألة. وفجأة, أخذت الحكومة الصينية تلفت انتباه شعبها لأهمية العلاقة مع روسيا, وتركز على عزم البلدين على تبني سياسة ترمي لتحقيق الاستقرار العالمي والأمن الاقليمي من خلال تعاونهما, وبغض النظر عن الفوائد المتبادلة من تعزيز الشراكة بين الدولتين, حيث تنتظر الصين الحصول على أسلحة متطورة من روسيا, فيما تنظر الأخيرة لهذه الصفقات كمصدر جيد للمال بهدف تطوير صناعاتها العسكرية, اضافة للتعاون الاقتصادي بينهما, إلا ان هذه الشراكة الاستراتيجية الآخذة في التطور ليست من نوع التحالف العسكري, بل هي ترتكز على حقيقة واضحة قوامها ان الصين وروسيا إذا نظر إليهما منفردتين تظلان دولتين ضعيفتين اقتصاديا وسياسيا وعسكريا مقارنة بالولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا وآسيا, لكنهما معا تشكلان منافسا عنيدا وشرسا للولايات المتحدة وحلفائها, فحتى اليوم لا تستطيع الصين ان تستخدم قوتها العسكرية خارج مياهها الاقليمية, لكن تزايد مواردها من السلاح سيمكنها من ذلك خلال العقد المقبل. ولذلك فإن التحرك الصيني الأخير تجاه روسيا لم يكن مفاجئا لأحد بل انه يصب في صميم البرنامج الصيني الرامي لاستعادة تايوان, فخلال سنوات لن تصبح الصين قادرة على تهديد تايوان فقط, بل وربما القوات الأمريكية في المنطقة إذا تدخلت بأية مواجهة عسكرية محتملة, والشيء نفسه ينطبق أيضا على روسيا ومشكلتها في الشيشان. وفي الخامس من مارس الحالي قام الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج بزيارة السفارة الصينية في بيونج يانج, أي في اليوم نفسه الذي هدد فيه نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الصينية زانج واينان بأن (استقلال تايوان يعني الحرب) . ولا يمكن للزيارة ولارتفاع لهجة التهديد في بكين ان يكونا أمرين لا صلة بينهما, فالصين تبحث عن كل السبل الممكنة للضغط على تايوان وإرسال رسائل التهديد إلى الولايات المتحدة من دون استفزاز ردة فعل دولية قوية, وفيما سيؤدي تكرار سيناريو اختبارات الصواريخ في مضيق تايوان التي أجريت في عام 1996 للاساءة إلى علاقات الصين الدولية الراهنة, فإن اجراءً من نوع ما بشكل منسق تقوم به الصين في مضيق تايوان وكوريا الشمالية في البحر الأصفر قد يرسل باشارات أكثر قوة وأقل مجازفة. ما تريده الصين هو ان تمنع تايبيه من اتخاذ خطوات أخرى نحو الاستقلال وان توضح للولايات المتحدة ان تايوان ستظل تابعة للسيادة الصينية وأي تدخل في هذا الشأن من جانب طرف ثالث لن يكون مقبولا, خصوصا إذا ما اشتمل على تزويد تايوان بالمزيد من السلاح, لكن الصين غير قادرة, لا سياسيا ولا عسكريا على المبادرة بمواجهة من هذا النوع وعلى هذا المستوى في الوقت الراهن, كما يبدو واضحا من مؤشرات عديدة. وليست المصالح الاقتصادية الصينية هي التي تفرض عليها ابقاء أبوابها مفتوحة حيال الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى, بل ان بكين لا تمتلك بعد الامكانيات العسكرية الكافية لهزيمة تايوان ومن يناصرها في مواجهة عسكرية مفتوحة, كما ان أي استفزاز عسكري صيني سيدفع واشنطن لفتح ترسانتها الحربية أمام مطالب تايوان العسكرية. وبمقارنة الامكانيات العسكرية على جانبي مضيق تايوان فإننا نجد ان تايبيه قادرة على رد أي هجوم صيني, إذ انها تحتفظ بربع مليون جندي في جيشها, يدعمهم مليون ونصف من أفراد الاحتياط, بينما الصين ليست لديها المقدرة إلا على نقل 20 ألف جندي فقط بحرا عبر المضيق باتجاه الأراضي التايوانية في وقت واحد. أما فيما يتعلق بالصواريخ البالستية الصينية, فيشير المحللون إلى ان هذه الصواريخ لا تتمتع بالدقة الكافية لضرب الأهداف التايوانية الصغيرة, وإذا أرادت بكين استخدامها لضرب أنظمة الدفاع الجوي التايوانية, فإن هذه العملية لن تنجح بالنظر لكون تايبيه تمتلك عشرات من أنظمة الدفاع, مقارنة بضعف دقة الصواريخ المهاجمة. وإذا ما أرادت الصين التعويض من محدودية الدقة بغزارة استخدام نيران صواريخها البالستية ضد الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة وممرات المطارات, فإنه مخزونها من هذه الصواريخ سيتراجع بسرعة غير مقبولة في حال تنفيذ هجوم منهجي. وعلى الرغم من ان تقريرا للبنتاجون قد أفاد ان الصين ستتمكن من نشر 800 صاروخ بالستي قصير المدى في مضيق تايوان عام 2005, فهي قد تكون بحاجة لاستخدام هذه الترسانة بكاملها حتى تعطل المطارات الهدف عن العمل, لكن مثل هذا الضرر لن يكون دائما, بل يعد مؤقتا وقصير الأجل, إذ ان اصلاح مدارج الطائرات, ليس بالأمر الصعب في نهاية المطاف. كذلك فإن القوات الجوية الصينية لن تقوم بمهمة أفضل من مهمة الصواريخ, صحيح ان هذه القوات كبيرة من الناحية العددية, إلا انها ذات نوعية متواضعة, والقليل منها قادر على اسقاط قذائف موجهة بدقة, مقارنة بالمقاتلات التايوانية التي تضم بعضا من أفضل المقاتلات في العالم, مثل طائرات اف 16 وميراج 2000. لكن ذلك لا يمنع ان الصين, وعلى الرغم من عدم احتمال قيامها بمغامرة عسكرية, أو حتى اعادة تكرار سيناريو تجارب الصواريخ كما حدث عام 1996, فإنها لا تزال مصممة قطعا على معارضة أية خطوة استقلالية أخرى لتايوان, وبالتالي فإن الحكومة الصينية تبحث عن وسائل لا تتسبب في اشعال أزمة فورية, ومن هنا يمكن تبرير عودة بكين إلى ممارسة الخطاب المتشدد والتهديد بفرض برنامج زمني لاعادة التوحيد والحديث عن تحالف استراتيجي صيني ـ روسي لتأسيس نظام عالمي جديد. وتجديد العلاقات مع كوريا الجنوبية, كما توصي به زيارة كيم جونج تمثل فرصة كبيرة لبكين لزيادة مصداقية تهديداتها, في الوقت الذي تقلل من عنصر المخاطرة, ويذكر ان الصين وكوريا الشمالية, خلال الأزمة السابقة حينما طالب الرئيس التايواني بكين بالتعامل بمبدأ دولة لدولة, قد أعادتا التأكيد على علاقتهما العسكرية, وأخذتا تعدان سلسلة من الزيارات المهمة بينهما, بما فيها زيارة كيم إلى بكين. وبالتأكيد فإن وجود علاقات قوية بين الصين وكوريا الشمالية تعني محاولة لايجاد أرضية يمكن انطلاقا منها ارباك الولايات المتحدة, فإضافة إلى مضيق تايوان, تواجه واشنطن مزيداً من المصاعب في البحر الاصفر, وكان قائد البحرية الكورية الشمالية قد أعلن في الثالث من مارس ان بلاده لم تعد تعترف بخط الحدود الشمالية, وهو الامتداد البحري للمنطقة المنزعة السلاح على السواحل الغربية لشبه الجزيرة الكورية, وبعد هذا الاعلان قامت البحرية الكورية الشمالية بتدريبات على شن هجوم خاطف في البحر الأصفر. وحتى هذه اللحظة تبدو الصين وكأنها ليست بسبيلها إلى التصعيد أكثر من ذلك, لكن إذا ما خطت تايوان خطوة أخرى نحو الاستقلال, فإن بكين وبيونج يانج قد تنسقان معا تنفيذ مسلسل استفزازات متزامنة للولايات المتحدة في البحر الأصفر ومضيق تايوان من دون ان تكون شديدة المخاطر أيضا, خصوصا وان لدى كوريا الشمالية دوافعها لتتجاوب مع الصين.