يبدو ان الملك فاروق ملك مصر والسودان الأخير يتجه إلى ان يأخذ منحنى في التاريخ أقرب إلى شخصية الحاكم بأمر الله, حيث لا يتوقف الخلاف حوله, ولا تنتهي أسراره, ومع الخلاف وتعدد الأسرار تتكون الأساطير حول اسمه وشخصيته, وربما لا يمر عام دون أن يصدر كتاب أو كتابان عنه, وقليل من هذه الكتب هو الذي يستحق التوقف عنده, ومن بين هذه الكتب, كتاب (كريم ثابت) الذي صدر في جزئين مؤخرا في القاهرة عن دار الشروق بعنوان (فاروق كما عرفته) . كان كريم ثابت رئيس تحرير مجلة (المقطم) في الثلاثينيات والأربعينات.. والمقطم كانت من الصحف التي تعد تقليديا مناصرة للاحتلال الإنجليزي, وكانت أقدم عمرا من (الأهرام) غير انها توقفت بعد ثورة 23 يوليو 1952 وكان كريم ثابت على علاقة جيدة بعدد من الملوك والأمراء العرب في الأربعينيات, واختاره الملك فاروق مستشارا صحفيا له سنة ,1946 غير أن علاقته كانت وثيقة بالملك قبل ذلك بعدة أعوام, وتحديدا منذ سنة ,1942 بل إنه أصدر كتابا بعنوان (الملك فاروق) عام 1944 عن سلسلة اقرأ التي تصدرها دار المعارف. واختير كريم ثابت وزيرا في إحدى الحكومات قبل قيام الثورة مباشرة, وبعدها حوكم وسجن بتهمة إفساد الحياة السياسية, وخرج من السجن, وكتب هذين الكتابين, ونشرت بعض فصولهما في جريدة الجمهورية سنة 1955. ويمكن أن تكون المقارنة بين الكتاب الأول عن الملك سنة 44 وكتابيه الآخرين كاشفة عن مدى التحول الذي طرأ, فقد كتب الأول والملك فاروق لايزال يملك ويحكم, أما المرة الثانية فقد كتب والملك مطرود من الحكم ومن مصر, إضافة إلى تعرضه للمحاكمة والسجن, ولعله كان يدرك أنه يمكن أن يطلع أحد على ما كتب بدليل النشر في جريدة (الجمهورية) , لذا فإنه لم يذكر اسم الملك إلا مجردا من كل ألقابه وصفاته, فلم يقل عنه سوى (فاروق) .. كان فاروق.. وقلت لفاروق.. الخ, وسعى في الكتابين إلى تبرئة نفسه من أية مسئولية عما يمكن أن يكون قد حدث أيام الملك, ويبرر الكثير من تصرفاته, بل إنه نسب إلى نفسه الكثير من (إيجابيات) عهد الملك, مثل تأسيس جامعة الدول العربية وتأسيس ميثاق الدفاع العربي.. ورغم هذا وغيره من أي تحفظات فإن كتابيه, وقد اختار لهما الناشر عنوان (مذكرات كريم ثابت) يضيئان الكثير من الأمور السياسية التي شغلت المؤرخين حول سياسات الملك, وحول شخصيته وسلوكه الشخصي. وفي الأمور الشخصية تأتي شهادة كريم ثابت لتقطع بأن الملك فاروق لم يكن يتعاطى أي خمور على الإطلاق, برغم الظروف والمواقف التي فرضت عليه أن يشرب!! والأمر الآخر هو أن الملك على عكس كل ما روجه مصطفى أمين عنه في كتابه (ليالي فاروق) لم يكن زير نساء, بل كان إنساناً مغلوبا ومقهورا في هذا الإطار ومنذ الثمانينيات بدأ بعض الكتاب يراجعون أنفسهم في هذه القضية ـ راجع كتاب د. لطيفة سالم عن الملك فاروق ـ استنادا على أن الملك بعد حادث القصاصين سنة 1943 قد أصيب بضعف في قدراته الجنسية بسبب ما ألم بعموده الفقري من جراء الحادث ـ لاتزال دوافعه مجهولة إلى اليوم!!ـ و أكد ذلك حارس الملك فاروق الذي أصدر مذكراته العام قبل الماضي عن سلسلة (كتاب اليوم) وذكر فيها واقعة راقصة معروفة اصطحبها الملك إلى (ركن فاروق) بحلوان, وفي طريق خروجها داعبها أحدهم بكلمة فيها إيحاءات ذات مغزى فردت عليهم تنتقد (ملكهم) الذي لا قوة ولا قدرة له. ويؤكد كريم ثابت أن وصف الملك بأنه (زير نساء) قام بناء على مظاهر خادعة قدمها الملك شخصيا لكي يشاع عنه أنه (دون جوان) أو كأنه هارون الرشيد يعيش محاطا بالنساء ولا يظهر إلا وحوله العشرات من الفاتنات, من كل جنس ولون, السمراء والشقراء والبيضاء, الإنجليزية والفرنسية واليونانية والأمريكية واليهودية والمسلمة والمسيحية. والحقيقة أنه كان يمكن أن يكون دون جوان ولكن دون المظاهرة المحيطة به من الفتنة النسائية.. ترى هل نلجأ إلى نظرية (التحليل النفسي) لنقول ان تعمد الإظهار والإعلان إنما كان بقصد إخفاء والتستر على عجز كامن في أعماقه, وإحساس بالقصور والضعف به؟! هذا ما يقوله كريم ثابت: (كان فاروق كرجل يشكو مركب نقص لا يستريح منه أبداً لنشوئه عن علة جسمانية دائمة, فكان من الطبيعي والحالة هذه أن تكون العقدة النفسية دائمة كذلك مثلها, وكانت علته المادية تشعره دائما بأنه أقصر من سائر الرجال باعاً في دنيا النساء, وأضعف منهم بأساً في مباشرة أحداثها, وإن كان أسرع منهم عددا في بلوغ مراميها.. فالرجل الذي تكون هذه حالته وتلك علته, يستحيل عليه أن يكون (زير نساء) , لأن ظروفه لا تمكنه من السيطرة على الوقت إلا نادرا, وبعد جهد كبير, إذن كانت هناك استحالة مادية تحول دون أن يكون فاروق زير نساء في الحقيقة أو الواقع) . وكان يمكن أن يظل الأمر مكتوما ومحصورا في أضيق نطاق ولا ينتج عنه الأثر السلبي في حياة الملك ومسلكه الذي أدى إلى تآكل مصداقيته وتراجع حب الناس له, فقد تزوج في سن مبكرة دون أن تكون له مغامرات تكشف عجزه وضعفه وقصوره, ويبدو أن هذا الأمر كان واحدا من أسباب خلافه ومشكلاته مع زوجته الأولى الملكة فريدة, وكانت أول مغامرة له بعد ذلك مع (نبيلة) ـ تنتمي للعائلة المالكة ولكنها ليست أميرة ـ ولظروف ووضع هذه (النبيلة) وأيضا تربيتها وقيمها, لم يكن ممكنا أن تعلن عن علاقتها بالملك, ناهيك عن أن تتناول تفاصيل هذه العلاقة, وتتحدث عن عجزه كرجل, وهكذا ظل الأمر خفيا ومكتوما. كانت فريدة قد علمت بأمر هذه العلاقة وقاطعته, رغم محاولات الصلح من جانبه لكنها ركبت رأسها, ومرات كثيرة حاول هو المصالحة وإعادة العلاقة لكنها هي التي أصرت, وتطوع عدد من المقربين للملك والملكة يهدئونها وينصحونها بالنصائح المصرية التقليدية من أنها الزوجة وأم أولاده, وأنه تزوج بدون خبرة وعليها أن تصبر وأن تتحمل, وفي النهاية ـ كعادة أي رجل ـ سوف يعود إلى بيته وزوجته أم أولاده.. ولكنها رفضت وتمسكت بكرامتها ووجدت من يغذي فيها هذه النزعة, وللتاريخ يمكن القول ان فريدة تصرفت كأنثى فقط ولم تتصرف كزوجة حريصة على بيتها, ولم تتصرف على أن هذا الزوج ملك وأنها بذلك تجرحه وتدمر مستقبله, ومن ثم فهي تتحمل جزءا من المسئولية عما آل إليه أمره فيما بعد.. وهل نضيف إلى ذلك أنها تعمدت أن تهينه حين كانت تذهب إلى قصر (وحيد يسري) وزوجته وكانت تتعمد أن تطول جلستها هناك رغم علمها أن الملك يغار من وحيد. باختصار لعبت فريدة بعنادها دورا مدمرا في حياته لأنها لم تكن فقط مجرد زوجة ولكنها كانت بالنسبة له الحب الأول ونستشف من كريم ثابت أنها كانت أيضا الحب الأخير. في سنة 1944 تمت القطيعة النهائية بين فاروق وفريدة وسعى أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي إلى إقناع الملكة بأن تتسامح وكاد أن ينجح لكن مراد محسن ناظر الخاصة الملكية نجح في إقناعها بالعكس. بعد هذه القطيعة ظهرت بعض العلاقات النسائية في حياة الملك لكن من حسن الحظ أنها كانت مع نساء أوروبيات وهؤلاء كن لا يتكلمن ولا يحكين في الأوساط المصرية فلم يصل أو يتسرب شيء إلى الرأي العام أو الشارع, حتى وقعت الواقعة وبدأ الملك يتعرف ببعض الأرتستات المقيمات في مصر والعاملات بالبارات والفنادق بالقاهرة والإسكندرية, وهؤلاء بلا أخلاق محافظة ولكن كل شيء عندهن مبسوط ومعلن, ويتلذذن بالحديث عن تجاربهن كل ليلة مع الرجال, فما بالنا إذا كان هذا الرجل الملك, وغير قادر على إشباعها يصبح الموضوع مادة للإعلان وإثبات أنها مطلوبة ومرغوبة حتى من ملك وأنها قادرة وقوية إلى حد يعجز هذا الملك.. انتقلت الحكايات والتعليقات إلى الأوساط الفنية والنوادي التي يتردد عليها الملك وحاشيته, وبسذاجته وقلة خبرته وجد الملك أن أبلغ رد على كل هذه الأحاديث هو التظاهر بأنه زير نساء.. وازداد ذلك معه أثناء الحرب العالمية الثانية, ولا يمكن أن نلتمس له الأعذار ـ كرجل لا كملك ـ ففي تلك السنوات هزم هزيمة ساحقة على كافة المستويات, الأولى: من زوجته الملكة فريدة التي اتسمت بالعناد حتى الغباء وهزمت زوجها في حياته الخاصة, فلم تنجب له ولي العهد في الوقت الذي كان عمه الأمير محمد علي توفيق وولي عهده يتحينان الفرصة لخلافته, ويعلن ذلك, ثم أخذت تحاسبه حساب الملكية عن كل تصرفاته, وانطلقت الصحف تمجدها على حسابه. الهزيمة الثانية: كانت حين اقتحم عليه (سير مايلز لامبسون) القصر بالدبابات في 4 فبراير 1942 وهدده بطرده من العرش ورغم أن الشعب المصري وقف إلى جواره وتعاطف معه وكذلك سانده ضباط الجيش فإنه في أعماقه رأى شبح الطرد وتعرض لإهانة بالغة في حداثة سنه آنذاك 22 عاما ولم يفارقه هذا الإحساس أبدا حتى رحيله عن الحكم. كانت هناك هزيمة ثالثة بدأت بوادرها من أمه الملكة نازلي التي بدأت تطلق العنان لشهواتها ونزواتها غير عابئة بأنها والدة الملك, وتركت سمعته ينهشها الجميع. تعمد الملك أن يخرج للسهرات في النوادي ويدعو إليه بعض السيدات الأمريكيات والإنجليزيات تحديدا, وبعضهن تأتي بأزواجهن وغير متزوجات يأتين بمفردهن مع صديق أو بدون.. ويتعمد الملك أن يخرج من المحل أثناء ازدحامه بالجمهور ويطلب إلى ثلاث أو أربع من السيدات أن يصطحبهن في سيارته وينطلق بهن بأقصى سرعة في شوارع العاصمة, وأمام الجميع يبدأ خيال الجلوس في التخمين, ولا شيء يمكن تخيله أو ترديده في هذه الحالة غير أن ليلة حمراء قانية سوف تكون في القصر طوال الليل, خاصة و المعروف أن الملك لا ينام نهائيا في الليل.. وتبدأ الصحف في التلميح والغمز, وهو سعيد بذلك, ويزداد الكلام واللفظ, وتكثر الحكايات وينشط الخيال الشعبي, والحقيقة هي أن الملك كان يصحب النساء في سيارته حتى مكان قريب من القصر ويدخل القصر وحيدا ليس معه غير فرد من الحاشية, وتعود النساء إلى بيوتهن, ومهما أقسمت هذه السيدات أنهن لم يدخلن القصر ولم.. ولم.. ولم.. فإن ذلك مدعاة أخرى لتصديق الشائعات والكلام. وفي بعض الليالي كان الملك يسهر في أحد المحلات, فيشعر بالملل من المكان ويطلب الذهاب إلى مكان آخر لاستكمال السهرة, كان عادة يسهر في أوبرج الأهرام أو بعض المحلات في مصر الجديدة, فيطلب إلى النساء أن يقسمن أنفسهن طبقا لعدد السيارات المتوفرة, ويختص عددا يصحبهن في سيارته وينطلق بهن, وهنا يعود خيال الجلوس إلى النشاط ولا يمكن لأحد على الإطلاق أن يصدق حكاية الانتقال إلى محل آخر, فتنطلق الحكايات عما دار في القصر ليلتها ويحسده الرجال الجالسون, وتشعر النساء بالغيرة من اللاتي ركبن سيارة الملك.. وتكثر الحكايات بين عامة الشعب عن فحولة الملك, ويتحدثون عن قدراته الجنسية الفائقة ويتساءلون في جلساته عن نوعية الغذاء والطعام الذي يتناوله ليمنحه هذه القدرة الفائقة, وتكتب الصحف وتتهمه المعارضة بالانحلال, ويهاجمه الإخوان المسلمون بأنه لا يحترم تقاليد الدين الإسلامي ولا أحد يعرف الحقيقة غيره هو وعدد قليل من المحيطين به ولكن كما يقولون في مصر (الصيت ولا الغنى) لم يكتف الملك بذلك, ولكنه كان أحيانا يخرج للعشاء في ساعة متأخرة من الليل في أحد الأماكن العامة, وإذا وصل دعا إحدى الفتيات الموجودات هناك أو فتاتين لتناول الطعام معه, ولم يكن يسعد إلا حين يتم إعداد المائدة له في مكان منزو في المحل ويطلب أن تطفأ الأنوار في المكان المحيط به ويجلس ويطيل الجلسة وهو يستمع إلى حكايات مسلية من الفتاة أو الفتاتين اللاتي معه وكان يضحك باستمتاع وبصوت مرتفع, ويتصور الجلوس أن هناك ما هناك وأن وراء الجلسة توابع وذيولاً عديدة وتنطلق الحكايات والخيالات وتطور خيال الملك ليلهب ويثير الراغبين في الأحاديث وإطلاق الشائعات, فأوعز إلى صاحب أحد المطاعم كان يذهب إليه أن يخصص له مكانا وأن يفصله بستائر شفافة عن باقي المطعم فإذا دخل الملك ومعه فتاة أو فنانة وأسدلت الستارة وخفتت الأضواء بالداخل جلس رواد المطعم في حالة هياج وهم يتصورون ويتخيلون ما جرى, ويتم تسريب كل هذا إلى الصحف. وينفي كريم ثابت عن ملكه كل ما قيل من أنه كان يرغم أي امرأة يريدها على الجلوس والدخول في علاقة معه, وكان إذا رفضت امرأة لا يجبرها على ذلك إطلاقا, هو فقط كان يولع أكثر بمن لا تعيره اهتماما ولا تقع في غرامه, فإن اتسمت (بالتقل) ازداد هياما بها, أما إذا سعت هي إليه فلا يقترب منها, والحكايات في ذلك كثيرة, فقد حدث أن أحضر أحد رجال القصر (كلفوات) ثلاث من تركيا وكن شابات وحدث أن أعجب بإحداهن فغازلها فلم تأبه به فازداد تعلقا بها وازداد في غزله, ثم راودها عن نفسها فأبت وامتنعت تماما فلم يسعه أن يجبرها على شيء, ولكنه فقط أصدر تعليمات بالاستغناء عنها وإعادتها ثانية إلى تركيا. وحدث ذات مرة أن أعجب بسيدة أجنبية غاية في الجمال والرقة ولا تزال شابة وأخذ فاروق يلاطفها ويتقرب منها, فأدركت أن غرضه ليس بريئا, وقررت أن تردعه وتوقفه عند حده, بطريقة ذكية, حدث أن دعاها الملك إلى حفل عشاء هي وزوجها الذي تحبه ويحبها, وعدد من أصدقائها وصديقاتها, وما كان الخدم يملأون الكئوس بالشامبانيا حتى أخذ الملك كأسها وتظاهر أنه يشرب منه وهذا تصرف كان يقوم به كلما أراد التقرب من امرأة ودار بينهما الحوار التالي: * لقد شربت من كأسك لأعرف أسرارك ـ ليتك لم تفعل ذلك ياصاحب الجلالة * لماذا هل لديك أسرار لا تريدين أن أعرفها ـ كلا يا صاحب الجلالة ولكني حريصة على صحتك * لا أفهم ما تعنين؟ ـ فاقتربت منه وبصوت خافت لم يسمعه غيره (إني أشكو من مرض السل وقد عولجت في أوروبا ولكني لم أبلغ بعد مرحلة الشفاء التام) وسعلت سعالا خفيفا مفتعلا, وكررت ذلك عدة مرات. فابتعد الملك عن كأسها ثم ابتعد عنها وكف عن ملاحقتها نهائيا وكانت تلك آخر مرة يدعوها إلى العشاء أو حتى يراها. يمكن أن نجد العذر لفاروق الرجل في تصرفاته تلك لكن فاروق الملك كان ضحية فاروق الرجل, فالأول طغى على الثاني وجعله يهمل واجباته ودوره ويتجاوز حدوده كملك للبلاد, وكان فاروق مستهترا بالتقاليد والآداب الملكية, ربما لأنه جلس على كرسي العرش وهو حدث صغير, لم يتدرب ولم يتعلم بقدر كاف, وظل داخله هذا الفتى المستهتر.. لم يكبر ولم ينضج مع الأيام والأحداث.. ويذهب كريم ثابت إلى أن استهتار فاروق بالمظاهر العامة جاءه بالوراثة عن أمه الملكة نازلي, ويذكر واقعة ذات دلالة يمكن أن تلقي الضوء على نزواتها المعروفة بعد ذلك مع أحمد حسنين وغيره. كان محمد فوزي قنصلا عام لمصر في القدس, وحدث أن زارت الملكة نازلي القدس, ويبدو أنها أعجبت بالقنصل وقررت أن تخوض تجربة معه, فأخذت تطارده وهو يتهرب منها, وأخيرا استدعته هو وزوجته لزيارتها يوما واستقبلته في الصالون الخاص بها بالفندق, ورحبت بهما في بداية اللقاء, وبعد الحديث التقليدي خاطبت الزوجة قائلة لها تفضلي (بقى) واقعدي وظهرك لنا ثم اقتربت من محمد فوزي من المقعد الجالس عليه وبدأ ت تغازله بهيام وولع, فانتفض معتذرا بأن لديه موعدا رسميا لا يمكن أن يتأخر عنه, وطلب إجازة رسمية وجاء إلى مصر حتى تنهي نازلي زيارتها الرسمية. ومن أهم ما يذكره المستشار الصحفي للملك ـ في كتابه الذي صدر عن دار الشروق بالقاهرة ـ أن تذوق الملك للفنون كان ضعيفا, فقد كان لا يميل إلى الاستماع للموسيقى العربية والغناء العربي, ولم يستمع إلا إلى بعض الطقاطيق العربية من باب التسلية, وبعض الطقاطيق التي تقوم على تحيته والإشادة به والتي كانت تلقى في المناسبات والحفلات العامة التي يحضرها مثل عيد ميلاده أو عيد جلوسه على العرش. وبالتأكيد سوف يثور التساؤل حول ما قيل عن استماع الملك إلى أم كلثوم وإعجابه بصوتها إلى الحد الذي أقدم على منحها نيشان الكمال وأغضب بذلك بعض أميرات الأسرة العلوية, والحقيقة هي أنه حين توجه ذات يوم إلى النادي الأهلي ليستمع إلى الفنانة أم كلثوم, لم يكن ذلك حبا في الفن ولا في صوت مطربة العرب الأولى وكوكب الشرق. ولكن فعل ذلك لسبب سياسي بحت, وهو مواجهة حزب الوفد, فقد كان الوفد هو الذي يحكم آنذاك ـ وزارة 4 فبراير 1942 ـ وتعمدت هذه الحكومة أن تناوئ الملك وتضايقه, وكان الملك عاجزا عن إقالة النحاس طالما بقيت الحرب وبقي سير مايك لاميسون سفيرا لانجلترا في مصر, وتعمد الوفد إغاظة الملك بأن منع الإذاعة من أن تذيع القرآن الكريم طوال شهر رمضان من قصر عابدين كما هي العادة السنوية, ولنتصور كيف تمنع الإذاعة القرآن من قصر الملك, وكان هذا معناه أن الإذاعة لا تذكر القصر ولا الملك إطلاقا. وفكر رجال السرايا ومعاونو الملك في الرد على تصرف الوفد, واهتدى رئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا إلى أن يفاجئ الملك الجمهور أثناء إذاعة حفلة أم كلثوم, فيحييه هؤلاء وتضطر الإذاعة لنقل التصفيق للملك وتحيته والهتاف له, وهكذا فعل الملك, ورددت الإذاعة التصفيق للملك والإعجاب به, ونجحت مناورة القصر, وسعد الملك بذلك, وقرر في تلك الليلة أن ينعم على أم كلثوم بوسام الكمال من الطبقة الثالثة.. وكانت بذلك أول فلاحة تنال هذا الوسام الذي أسسه الملك فؤاد. وكانت أم كلثوم لا تعرف شيئا عن التفاصيل الحقيقية لهذا المنح, وإلا لما ارتكبت فيما بعد ما أغضب الملك. فقد حدث بعد أربع سنوات من منح أم كلثوم نيشان الكمال أن نشرت إحدى المجلات صورة لأم كلثوم تجلس في فندق سان استيفانو على مائدة واحدة مع حرم مصطفى النحاس رئيس الوزراء, زينب الوكيل وكان النحاس لا يزال العدو اللدود للملك.. غضب فاروق من هذه الصورة وتصور لأول وهلة أنه يمكن أن تكون مفبركة ومدسوسة على أم كلثوم.. وانطلق جهاز الأمن الخاص بالملك شخصيا للبحث عن أصل هذه الصورة, و الفيلم الخاص بها, وظروف التقاطها, وتأكد له أن الصورة صحيحة وليست مفتعلة ولا مدسوسة. أرسل الملك أصل الصورة إلى مستشاره الصحفي ليعاتب أم كلثوم أنها جلست مع زوجة النحاس, وحاول مستشاره إقناعه بأن هذا صعب لأن أم كلثوم ليست موظفة يمكن أن تعطى أوامر وتلزم بها, وليست من العاملين بالقصر فتلتزم بعداوات الملك وخصوماته من ناحية وصداقاته من ناحية أخرى, ولكنه لم يقتنع, وغضب من أم كلثوم وظل غاضبا منها حتى ترك مصر..!! ولم تكن علاقة الملك بالموسيقى الغربية تختلف كثيرا عن علاقته بالموسيقى العربية, فقد كان يكره الموسيقى الكلاسيكية, وإذا حدث وجلس في مكان عام, كانت الموسيقى الكلاسيكية تعزف خاصة ساعة الأكل, تحية لوجوده, وطبقا لما تقتضيه الأعراف, لكنه كان ينادي كبير الخدم قائلا (هل تريد منا الموسيقى أن ننام؟) وعلى الفور تصل الرسالة الملكية فيتم تغيير الكلاسيك وتعزف الموسيقى الخفيفة والمرحة, وطوال سنوات حكمه لم يحضر حفلات الكونسير سوى مرتين فقط. ومع ذلك فقد راود الملك بعض الوقت إحساس بأنه كان يمكن أن يصبح (مغنيا) تارة وتارة أخرى عازفا, وتلك قصة أخرى, فقد كان يعتقد أن صوته جميلا وأن له نغمة لا يدركها الآخرون, وأنه يحسن الغناء, رغم أن صوته لم يكن جميلا ولم يكن يحسن الغناء, بل غير ملم بقواعده, وذات يوم قال لمستشاره الصحفي بعد أن أخذ يدندن بصوت مرتفع مع أغنية كان الراديو يذيعها ( هل تعرف يا كريم أنه لو لم أكن ملكا لأمكن أن أكون مغنيا ) فرد عليه (لأ معلش يا مولانا.. خليك ملك أحسن) . وذات يوم استدعى مستشاره الصحفي على وجه السرعة لموافاته في جناحه الخاص بكوبري القبة, واندفع المستشار وهو يضرب أخماسا في أسداس عما يمكن أن يكون قد حدث ودفعه لهذا الاستدعاء العاجل.. هل تكون أزمة سياسية جديدة تواجه البلاد, أم يكون قد واجه مأزقا ما, أم أن العرش تعرض لما يسوؤه.. أم.. أم..!! خابت كل توقعاته, فقد انتظر في الصالون الخاص عدة دقائق, حتى دخل عليه الملك بمنظر لم يتوقعه ولم يخطر بباله أبدأ, كان يحمل آلة موسيقية (الأكورديون) وكانت من الحجم الكبير, فعلقها في رقبته بحمالة من الجلد ليمكنه تحريكها بسرعة, وهو يعزف بها, واستمر يعزف دقيقتين, ثم طلب من مستشاره رأيه في معزوفته. فقال له: لم أكن أعلم أنك تعرف العزف على الأكورديون.. فرد عليه: من زمان طويل ـ ولكني أهملته فعدت إليه في هذين اليومين ـ والحقيقة أن الأكورديون كان واحدة من نزوات الملك, إذ تركه بعد يومين فقط, ونسيه, وكان استعماله طوال اليومين لعدة دقائق فقط. بعد الأكورديون قرر أن يتجه إلى (النفير) الذي يستعمله الجنود للنفخ به في المعسكرات في نوبات الصحيان والطوابير والتحية العسكرية.. وكان يطلب من المقربين إليه والمحيطين به أن يجربوا (أنفسهم) في النفير, وبالطبع كان هو الذي يفوز في تلك المسابقة, فقد كان الأقوى والأطول نفسا. ولم تكن علاقته بفنون الأوبرا والسينما والفن التشكيلي بأفضل حالا, ففي جناحه الخاص بقصر القبة, كانت هناك أربع لوحات, وكلها كانت تعبر عن مناظر إيطالية, وغالبا كانت من عهد والده الملك فؤاد.. وكانت لوحة منها تزين أحد جدران الصالون الداخلي وهذه الصورة كانت على الجدار المؤدي إلى باب غرفة نومه, وقطعا كان يمر بها كلما دخل غرفة نومه أو خرج منها, ولكنه لم يتوقف عند هذه اللوحة ولم يستوعب ما فيها, كانت اللوحة لرجل عجوز أطلق لحيته يقف أمام حديقة أحد القصور, والقصر كان في إيطاليا والرجل العجوز كان جده الخديوي إسماعيل بعد خلعه عن العرش, ولكن الحفيد لم يتأمل مغزى هذه الصورة أبدا..!!! أما علاقته باللغة العربية وغيرها من اللغات فتستحق التوقف.. لقد كان الملك فؤاد يعاني من عقدة وهو ملك من أنه لم يكن يعرف اللغة العربية, سواء الفصحى أو العامية, ولما تشكل البرلمان المصري سنة 1924 وكان هو ملك البلاد, كان عليه أن يلقي خطاب العرش في البرلمان, فأعد له الخطاب, وظل يحفظه ويردده دون جدوى, وخوفا من الكارثة أن يظهر في البرلمان ويخاطب ممثلي الأمة وهو ولا يجيد لغة شعبه, لذا تقرر أن يلقي الخطاب رئيس الوزراء, وصار تقليدا أن يلقي خطاب العرش رئيس الحكومة وليس الملك. ويبدو أن تلك المشكلة جعلت الملك فؤاد يهتم بابنه فاروق وبأن يجيد اللغة العربية, فأحضر له أفضل المعلمين, كان د. مهدي علام أستاذ اللغة العربية المعروف ونائب رئيس مجمع اللغة العربية الذي توفي منذ عقد من الزمان فقط ـ هو معلمه في اللغة العربية, لكن لا نعرف هل فشل المعلم أم أن الأمير الصغير لم يتابعه جيدا ـ فالذي حدث أن مربية الملك كانت إنجليزية فنشأ يجيد الإنجليزية قراءة ونطقا.. بعكس اللغة العربية التي اختلف موقفه منها بين الفصحى والعامية, فقد نشأ الملك وهو يجيد العامية المصرية إجادة تامة, ويحفظ الكثير من الأمثال العامية والنكات, ويعرف مفردات الحرفيين مثل الجزارين والميكانيكية وكأنه تربى في حارة مصرية بمنطقة شعبية وليس في قصر عابدين, وأجاد العامية المصرية نطقا وتعبيرا بشكل لم يسبقه إليه أي من أبناء الأسرة العلوية, وليس معروفا سر هذه الإجادة إلى اليوم, وهو أيضا الوحيد من بين حكام أسرة محمد علي الذي لم يجد اللغة التركية, فلم يكن بحاجة إليها, وصلة مصر بتركيا كانت قد انقطعت بسقوط الخلافة العثمانية, ولكن الطريف أن ظل في قصر عابدين القسم التركي في الديوان, وكان الموظفون المصريون به من أصول تركية وما كانوا يتكلمون بغير التركية حتى في تعاملاتهم اليومية مع بعض, فلما ارتقى العرش أوقف هذا كله, أوقف المكاتبات والمراسلات بالتركية والتعامل بها. أما إجادته للفصحى فكانت أقل كثيرا من إجادته للعامية, كان يمكن له أن يقرأ الفصحى ويستوعبها, ولكن الفصحى الأقرب إلى العامية, فصحى الصحف والمجلات المصرية, ولكنه كان يخطئ في نطق الفصحى, إذا قرأها بصوت مرتفع, يخطئ في التشكيل والرفع والنصب والجر.. أما الكتابة بالفصحى فكان أمر أقرب إلى المستحيل بل هو المستحيل نفسه, ولذا فإنه كان يترك للشمشرجية أن يكتبوا هم ردوده على المكاتبات والأوراق التي تعرض عليه, ورغم أن عربيتهم كانت (مكسرة) إلا أنها كانت أفضل منه, وفي الأمور التي كان يقتضي أن يرد عليها بنفسه, كان يكتب كلمتين فقط أو ثلاث.. وفي أرشيف قصر عابدين الآن فإن كل المكاتبات التي تحمل ردا من كلمتين فقط, هي من خط الملك, أما إذا زاد عن ذلك فإنه خط الشمشرجية, وكان خطه بالعربية أقرب إلى خط المبتدئين في التعليم. ولهذا السبب فإنه حين تولى العرش طلب استمرار تقليد أن يلقي رئيس الحكومة خطاب العرش نيابة عن الملك, وذكر وقتها أن الملك قرر ذلك احتراما لذكرى والده الراحل, ولكن الحقيقة أن خطاب العرش كان لابد أن يكتب بلغة رصينة وبفصحى عميقة, يمكن أن يستشهد فيها بآيات من القرآن الكريم أو أبيات من عيون الشعر العربي وكان هو في ذلك ضعيفا. ورغم ضعفه هذا فإنه حين كانت تعرض عليه مسودة رسالة أو بيان أو خطبة أشار بدقة إلى تعديل ما يريد, وإن كان لا يجري هو التعديل, ومن هذه الكلمات الكلمة التي أحدثت دويا في العالم العربي أثناء حرب فلسطين الأولى, فقد استقبل ممثلي الدول العربية.. وكان تصريحه.. (إن كل أرض فلسطينية يحتلها بلد عربي ستكون أمانة في يده إلى أن تعاد إلى أصحابها يوم تحرير فلسطين..) ولم يكن هو الذي كتبها, بل طلب أن تكتب إليه, وتخوف من أن ينطقها هو فيحدث أي خطأ أو التباس ولذا طلب إلى رئيس الديوان الملكي إبراهيم باشا عبد الهادي أن يتلوها هو.. ولما أعجبت الكلمة الجميع, قال الملك لهم ولرئيس ديوانه أنه هو الذي كتبها!! ويمكن القول إن تعليم فاروق لم يتجاوز تعليم تلميذ حتى السادسة عشرة من عمره فقط ويبدو أن والده الملك فؤاد قد ارتاب في صدق التقارير التي كان يبعث بها أحمد حسنين عن سير ولي العهد في التعليم, ولذا فإنه أوعز إلى أحد كبار الموظفين في القصر أن يعهد إلى أحد أفراد حاشية ولي العهد أن يرسل إليه بتقارير أخرى حقيقية عن سلوك الأمير فاروق ورائده أحمد حسنين باشا, وطوال العامين الأخيرين من حياة فؤاد كانت التقارير الحقيقية تصل, ولكن يبدوا أن الظروف الصحية التي مر بها فؤاد وكذلك الظروف السياسية حالت دون أن يتخذ إجراء صحيحا, ولما مات الملك فؤاد, وعاد ابنه وتولى العرش وفتح الخزينة الخاصة بوالده فوجد بها كل الرسائل والتقارير الأخرى عنه وعن تعليمه, وعرف بالأمر كله, فظل طوال ملكه غاضبا من الاثنين الذين نفذا هذه الفكرة, رغم أنها كانت فكرة والده. ولما تولى الملك الحكم كان التساؤل لدى الشعب هل يتم تعليمه وكيف.. أم يكتف بذلك؟!! كانت تلك مشكلة سياسية, وكان رأي النحاس باشا رئيس الحكومة أن يتم الملك تعليمه, ولكن الملك فاجأ الجميع بأن صرف معلميه شاكرا لهم, وأخذ يقرأ, وكانت قراءاته بالإنجليزية, وكان سريع الاستيعاب وسريع القراءة ويمتلك ذاكرة حافظة, وكان يقرأ في مختلف الموضوعات السياسية والتاريخية, وزار عدة مرات مدير المتحف المصري (دربتون) ليحاضره في تاريخ مصر القديم, ثم انقطعت زياراته وقلت قراءاته بعد سنوات من الحكم, وروي عنه أنه كلما جاءه معاونوه بخبر جديد يقول لهم (أنا عارف.. أنا عارف) وإذا شرحوا له موضوعا يرد (عارف.. عارف) رغم أنهم كانوا متأكدين أن الخبر لم يصل إليه من قبل, ولذا فإن أفراد الحاشية كانوا إذا نقلوا إليه أمرا وقال لهم (عارف.. عارف) استمروا في الشرح وكأنه لم يقل شيئا بالمرة, وكان هو يستمع بإمعان, أما أفراد أسرته فقد تهكموا عليه وأطلقوا عليه مصطلح الرجل الذي يعرف كل شيء. وحدث أن عاد مستشاره الصحفي من باريس بحكاية حدثت وعلى حد تعبيره.. لم تكن قد عبرت بعض البحر المتوسط.. وما كاد يبدأ في حكايتها حتى فاجأه الملك (عارف.. عارف) فداعبه مستشاره قائلا: في هذه الحالة تكون جلالتك أقدر مني على روايتها. فرد عليه: لا.. لا أروها أنت. * ولم أزعج جلالتك بتكرار أشياء تعرفها. ـ إن الآخرين لا يعرفونها * سأرويها لهم في فرصة أخرى. وألح الملك على مستشاره أن يكمل الحكاية وتابع باهتمام كافة تفاصيلها التي كان يسمعها لأول مرة رغم أنه (عارف.. عارف) . ولما لاحظ أفراد الحاشية أن الملك انقطع عن القراءة وعن مصادر المعرفة فكروا في أن يثيروا اهتمامه بالسينما, حتى يشاهد أفلاما تزيد من معارفه السياسية والتاريخية والاجتماعية, ولعل ذلك يجعله يقلل من سهراته خارج القصر التي بدأت تتسرب حكايتها ونظامها إلى الشارع المصري, وكان بالقصر قاعة فخمة للعرض السينمائي, مجهزة بأحدث الآلات والإمكانيات الفنية وأغروه بأنه يمكن أن يدعو أخصاءه ليشاهدوا معه فلا يكون وحيدا, ولكنه لم يشاهد سوى فيلمين فقط, وبعد ذلك كان يتابع بعض مشاهد من الأفلام بطريقة تجعله لا يستفيد منها شيئا. وكان يعرض بالقصر أفلام لبناته الصغيرات تناسب أعمارهن وثقافتهن فكان يجلس ويتابع هذه الأفلام, وكان آخر فيلم شاهده في قاعة عرض (قصر القبة) فقد دخل القصر هو وصديق له ـ إلياس أندراوس باشا مستشاره الاقتصادي والمالي ـ فكانت ناريمان وأسرتها يشاهدون فيلما فجلس معهم قليلا ثم صرفهم, وأمر بتغيير الفيلم واستبداله بفيلم (ميكي ماوس) وشاهده كاملا ثم انصرف هو وصديقه. في كل هذا ترى هل كان الملك فاروق المذنب أم الضحية؟!! الواقع أنه كان الاثنين معا, كان ضحية ظروف إعداد وتربوية غير سليمة, في قصر والده حيث أن والده ووالدته يتكلمان ويتعاملان بالفرنسية, ولكن الإنجليز فرضوا على والده أن تكون تربية ولي العهد (إنجليزية) ولأنه كان سيحكم شعبا عربيا كان عليه أن يتلقى أيضا تعليما عربيا, ثم إن خدم القصر والذين يتعاملون معهم كانوا من الطليان, وهكذا خرج متمزقا بين هؤلاء جميعا, ولما سافر إلى لندن للتعليم ابتلى برائده المفسد أحمد حسنين, تلك اللعنة التي أصابت فاروق, فقد أفسده وهو صبي ثم وهو ملك ثم دمره بعد ذلك حين تزوج أمه عرفيا!! ولما توفي والده مبكرا لم يتح له أن يتدرب على فنون الحكم, وحوصر في القصر بالمنافقين والاحتلال والانتهازيين, واستسلم لهم جميعا, فضاع وضيع العرش والحكم الذي ورثه ورغم أنه كان مفتونا بجده الخديوي إسماعيل وبرأس العائلة محمد علي, إلا أنه لم يحذو حذو اي منهما, ولم يقدم لمصر ما قدمه أيهما. صورة كاذبة اصبح في حكم السائد والمعروف لدى كثيرين بيننا أن الملك فاروق كان سكيرا وعربيدا, وكم من وقائع رويت عن طريقته في السكر, وعما يرتكبه من فظائع حين يشرب. لكن كريم ثابت المستشار الصحفي للملك فاروق في مذكراته (فاروق كما عرفته) ينفي تماما أن الملك كان يشرب, ويؤكد أنه لم يقرب الخمر أو أيا من المشروبات الروحية الأخرى, ويقطع بأن الملك لم يشرب على الأقل طوال السنوات العشر التي اقترب منه فيها, ـ تعرف به سنة 1941 ـ ولكنه يستدرك بأنه استمع ذات مرة من رئيس الوزراء حسين سري أن الملك كان يشرب الخمور في بداية حياته, ولكنه أقلع عنها. ويعلل كريم إقلاع الملك عن الشراب بأنه لا يعود لاعتبار أخلاقي أو قيمي, ولكن ربما لسبب يمكن أن نسميه (عمليا) , وهو أن الملك جرب الشراب في أيام زوجته الأولى فريدة عن وهم ساد وقتها ربما إلى اليوم أن السكر يزيد الحيوية وقدرات الرجل مع زوجته, ولكن فيما يبدو ثبت له أن ذلك غير دقيق, بل وغير صحيح بالمرة, فتوقف. كان الملك يحضر حفلات مهمة, من بينها حفلات تخصه هو شخصيا, مثل عيد ميلاده أو عيد جلوسه على العرش, وفي مثل هذه الحالات كانت المشروبات المختلفة توزع, وكان لابد أن يشرب الجميع نخب المحتفى به, ولا يمكن لأحد أن يفتح الشراب قبل الملك في وجوده, فما بالك إذا كان موضوع الحفلة هو شخصيا, وكان فاروق يتصرف بقدر من الحيلة والذكاء في مثل هذه المواقف بأن يدني الكأس من فمه, ليبدو وكأنه يرتشف منه بضع قطرات, ولكن الحقيقة أنه كان (يمثل) فقط, وكان المحيطون به يعرفون ذلك عنه, ولذا فإن الحفلات التي كان يحضرها الملك كانت تخصص مائدة بعيدة توضع عليها الزجاجات, ويجلس حولها من يريد أن يشرب, أما حول مائدته هو شخصيا, فلم يكن مسموحا للخدم أن يقدموا غير العصائر. وكان بعض الجالسون معه على المائدة يتحايلون على تلك الأوامر الصارمة للملك, بأن أوعزوا إلى الخدم بأن يفرغوا زجاجات الكوكاكولا من محتوياتها, ثم يعبئونها بالمشروبات والخمور التي يريدونها, ويقدمونها لهم كأنهم يشربون الكوكا.. ولم يكن يمنع أيا من المحيطين به أن يشرب, ولكن الويل له إذا سكر وانتشى, كان يصبح موضع انتقاد الملك وسخريته الشديدة. وقد أدرك الملك بعد فترة حيلة زجاجات الكولا, ولكنه غض الطرف, وأدعى عدم المعرفة اعتمادا على أن أي إنسان لن يسعه أن يطلب في جلسة أكثر من زجاجة كولا أو أثنتين على الأكثر, وهما لا تحدثان السكر. وقد تعرض فاروق لضغوط عديدة كي يشرب, وأهمها تلك التي كانت تمارسها بعض السيدات من معارفه, فكان يحدث أن يتودد إلى أمرأة يبغي وصالها, فتلح عليه في الشراب لكنه يأبى ويمتنع, رغم أنه لو شرب لأقتربت منه أكثر, وحدث أن سألته أكثر من مرة سيدة أجنبية عن سر امتناعه عن الشراب, فكان يجيب بعبارة واحدة ووحيدة (أن الناس يشربون عادة إما لينسوا أو ليمرحوا.. وأنا ليس عندي شيء أريد أن أنساه, أما من حيث المرح فإنني أستطيع أن أمرح بدون أن أشرب) . ورغم أن الملك لم تكن لديه أي فكرة عن الخمور وطبيعتها فإنه كان يدعي إلمامه الشديد بها خاصة إذا كان أمام سيدة أجنبية, يريد أن يدخل معها في علاقة. حدث أن أقام إلهامي حسين باشا زوج الأميرة شويكار في وقت ما, حفلة للملك دعا فيها أغا خان وزوجته البيجوم, وأوصى الملك بأن تدعى سيدة أرجنتينية كانت في طريقها من آسيا إلى أوروبا, وتوقفت بعض الوقت في مصر, وكان الملك قد تعرف بها واستضافها, وأراد أن تكون إلى جواره في تلك الليلة. وكانت حفلات إلهامي حسين عادة من أفخر الحفلات, تقدم فيها الخمور الممتازة والتي تستورد من باريس رأسا, ولما وزعت الكؤوس, ولم يفرغ الخادم كأسا للملك كما هي العادة, قال الملك للأرجنتينية سوف أتذوق كأسك, وأخذ الكأس ولكن حينما قربه, قال ان هذا الخمر سيء, فأسقط في يد المضيف, وطلب إلى الخدم سحب الكؤوس, واستعمال صندوق جديد تماما, رغم أنه تذوق الخمر وتأكد من جودتها, وجاء الخدم بكؤوس الصندوق الجديد وقال الملك للسيدة هذا الخمر غير صالح للشرب, فتذوقه إلهامي وتأكد من جودته, ولكنه لم يكن له أن يجادل الملك في (خبرته الواسعة) , أما السيدة فقالت (نعم أنه لا يصلح للشراب.. لكنه فاخر وممتاز) .. وكان ذلك حكمها على خبرة الملك, والمؤكد أنه لاحظت أنه لم يتذوق أيا من الكأسين, وأبدت له السيدة باللغة الفرنسية إعجابها الشديد من قدرته العجيبة على إدراك جودة الخمور وطعمها, رغم أنه لا يحتسيها, فأنتشى الملك من هذا الذي فهمه إطراء, وقال أن مهنتي تقتضي مني معرفة شيء ولو يسير عن كل شيء . فردت عليه السيدة: (جلالتك على حق) . قال هذا في جمع من الذين يتذوقون الخمور, ويعرفون أن ما قدم إليهم هو من أجود أنواع النبيذ الفرنسي, وصحيح أنه أفسد عليهم ليلتهم, وشرابهم, لكنه خسر الكثير, فليس مطلوب من الملك أن يعرف طعم ومذاق أنواع الخمور لأنه (مفروض) ألا يتذوقها ولا يتعاطاها أصلا, ولكن هكذا كان فاروق, يضع نفسه في المواقف الحرجة, أو لنقل في المواقف الصغيرة, مواقف صبية ومراهقين لا أكثر أن لم يكن أقل. لكن الملك كان خبيرا بالفعل في العصائر, وكانت لديه دائما كميات كبيرة من مختلف العصائر في كل قصر من قصوره, وكانت بعض هذه العصائر تعد خصيصا له, وكان مديرو المحلات والمطاعم التي يتردد عليها يعرفون ذلك, ويحتفظون بكميات كبيرة من هذه العصائر استعدادا لأي لحظة يحل فيها الملك عليهم. وحدث أن ظهر في الأسواق نوع جديد من العصائر, فذهب إلى أحد المحلات وطلب هذا النوع, فاعتذر مدير المحل بأنه لا يعرف هذا النوع, فأرسل الملك على الفور إلى القصر يطلب صندوقا, و شرب منه زجاجة, وترك باقي الصندوق للمحل إلى أن يتمكن من الحصول عليه. وفي رحلاته إلى أوروبا كان يهوى شراء أنواع العصائر التي يجدها هناك, وعموما حبه للعصائر يتوقف على مدى حلاوتها, إلى حد أن أحد العصائر التي كانت تعد له خصيصا كانت حلاوتها تبلغ ضعف النسبة المعتادة وكان يشرب منها كميات, ولعل إفراطه في شرب هذه العصائر, ليلا ونهارا, كان السبب في الزيادة المفرطة بوزنه وجسمه, خاصة في السنوات الأخيرة من حكمه. والتساؤل الذي يمكن أن يبرز هنا, إذا كان فاروق لم يتعاط الخمور, وكان ينفر منها إلى هذا الحد, ويفضل عليها العصائر مرتفعة الحلاوة, مثل الصعايدة.. فلماذا أحاطت به تلك السمعة السيئة حول تعاطيه الخمور بشتى أنواعها؟ الملك نفسه هو المسئول الأول, وهو الفاعل والضحية, لقد كان حاله مع الخمور مثل حاله مع النساء, فقد كان يفضل الإقتراب من الشبهات, رغم أن القواعد الأخلاقية نصحتنا بتجنب الشبهات, لكنه كان يتقرب منها, بل أكثر من ذلك كان يضع نفسه في قلبها وفي محورها, قاصدا أو متعمدا, فقد كان يتصرف بطريقة توحي لمن يراه أنه سكران, مثلا كان لا يحلو له الضحك إلا بصوت مرتفع, ويقهقه بصوت عال, والمحيطون به يعرفون أن تلك ضحكته, لكن الذين لا يعرفون, يتصورون أن الملك لا يمكن أن يضحك بهذه الطريقة إلا إذا كان قد سكر تماما, كذلك فإنه كان يحلو له أن يصفر متتبعاً اللحن الذي تعزفه فرقة المحل الذي يجلس به, أو يغني بصوت خافت, لكن هذا الصوت الخافت كان ينتقل حوله لعدة أمتار, ولا يمكن لأحد ممن يرى ذلك إلا أن يؤكد أنه رأى الملك وقد أصابه السكر. وكانت له طريقة سخيفة في مداعبة بعض المحيطين به, حيث كان يحلو له أن ينفض رماد سيجاره الفاخر في رقبة أحدهم, وهذا كله (كوم) , وما فعله ذات ليلة في أوبرج الأهرام (كوم آخر) فقد رأى الملك بعض الحضور رجالا ونساء يطلقون بندقيات الصيد على أهداف مثبتة على جدار أمامهم, وكانت اللعبة أنه إذا أصاب أحدهم الهدف, فاز ببعض الهدايا من المحلات التجارية. وأعجبته اللعبة فتقدم وشارك معهم, وأصاب معظم الأهداف, فقد كان راميا ماهرا, فصفقوا له إعجابا وتحية, إلى هنا كان يمكن للموقف أن يمر, وقد كسب الملك إعجاب وحب الموجودين, لكنه يأبى ألا أن يفسد الأمر, متصورا أنه سوف ينال المزيد من الأعجاب, فقد أراد أن يريهم براعته الفائقة في الرماية, فقد استدبر جدار الأهداف, وأنحنى وهو مرتدي نظارته حتى صارت عينيه في مستوى ركبتيه, وأدخل البندقية بينهما وأمكنه إصابة الأهداف الجيدة, وجاء تفسير هذا التصرف على أن الملك كان شاربا.. وصار الأمر حديث مجالس ومنتديات القاهرة ومنها إلى باقي الأقاليم, والحكاية كلها أن الرجل تصرف بمنطق شاب شرقي يريد أن يمرح, لا بمنطق رجل مسئول, ناهيك عن أن يكون ملك البلاد. ولم تكن أسوأ تصرفاته إليه, ففي الحفلات الراقصة بالفنادق والمحلات التي كان يتردد عليها كانت الفنادق توزع كرات صغيرة ملونة ليتقاذف بها الحضور كنوع من المداعبة, وكان الملك يهوى أن يجمع كميات من تلك الكرات ويغمسها في الماء ويضعها بجواره ثم يبدأ في رشق الجميع بها, متصورا أنه بذلك سوف يكون ملكا ديمقراطيا, ولكن المسألة فهمت على غير ذلك, خاصة أن تلك الكرات الملونة والمبللة كانت تصيب فساتين وملابس السيدات والفتيات وتفسدها تماما, خاصة إذا كانت بيضاء اللون أو زاهية, ولم يكن ممكنا أن يحمل هذا التصرف على غير السكر البين. وكان للملك عادة غريبة عند احتساء العصائر, فقد كان يفضل أن يصب الزجاجة بنفسه, ويضع إصبعه على حافة الزجاجة ويرفعها مسافة عن الكوب, فتنتشر الفقاقيع والرغاوي ويتصور البعض أن ذلك لا يمكن إلا أن يكون (شريب) محترف. وقد نبهه البعض مرارا إلى أنه لا يليق أن يصب لنفسه كوب عصير, فهناك خدم وعمال, تلك وظيفتهم ومهنتهم, وطبقا للبروتوكولات وآداب الموائد, ولا يجب أن يفعل ذلك, وإذا حاول خادم أن يصب له زجاجته ينهره بشدة, كان الخادم يكتفي بوضعها إلى جوار الملك. وأكثر من مرة كان أحد الجالسين إلى جوار الملك, يصاب بالحرج, فيتقدم ليصب للملك, فيلحقه الأخير قائلا (شكرا.. أنا أحب أن أفرغها بنفسي) .. أما إذا لم يدركه الملك وصب الزجاجة ينهال عليه لوما وتقريعا (مين طلب منك يا سيدي أن تفرغها وليه بس الشطارة دي) .. فيتلعثم صاحب الفعلة متصورا أنه أرتكب خطأ كبيرا. ولم يكن يتساوى مع كراهية الملك للخمور إلى كراهيته للحم الخنزير, ولذا فإن المآدب والحفلات التي كان يدعى إليها من الأجانب, كان القائمون على الحفل يضعون شرائح الخنزير في مكان خفي, وإذا وقعت عيناه عليه انتقدهم بشدة, أما إذا رأى أحد الحضور من المسلمين يقترب من هذا اللحم, يوبخه بشدة وبضراوة, وفي أحد الحفلات رأى سيدة مسلمة تمسك بالشوكة بشريحة لحم الخنزير فانهال عليها توبيخا وصل حد الشتم, وأندهش الجميع لأن هذه السيدة كانت واحدة من خليلاته. كان فاروق بسيطا في مأكله, وكان الأكل الذي يعد له في القصر لا يزيد عن طعام أي بيت متوسط, فقد كان لابد من طبق أرز ومكرونة في كل وجبة من وجبتي الغذاء والعشاء, مع لحوم أو طيور, وكان يكره الفواكه ويفضل عليها الحلويات, ولم يكن يفضل أن يتناول طعاما في غرفة الطعام بالقصر إلا إذا كانت هناك مأدبة رسمية بالقصر, أما غير ذلك فقد كانت هناك مائدة صغيرة يحملها إلى جناحه اثنين من الخدم, ولم يكن يحب الطريقة الملكية والارستقراطية في تقديم الطعام, حيث يبدأ الأمر بالمشهيات ثم أصناف الطعام, صنفا تلو الآخر, ثم الفواكه أو الحلو, فقد كان يفضل أن توضع أمامه جميع الأطباق مرة واحدة, ويتناول منها كما يحلو له, حتى لو بدأ بالحلو. وكانت له عادات خاصة في الأكل, حيث يكره أن يعصر الليمون او يوضع على السمك والكافيار, ومن يفعل ذلك فهو في نظره لا يفهم في الأكل, وكان إذا حضر مأدبة وبها سمك أو كافيار, منع السفرجية الليمون نهائيا, وفي بعض الوقت وذات مرة أقنعه أحد العاملين في القصر (بترو) أن أكل الثوم نيئ مفيد جدا للصحة, وهو اعتقاد شائع بين عامة المصريين, إذ يرون أنه يحافظ على القلب ويقتل الاسكارس وسائر الديدان الطفيلية بالأمعاء, وقد يكون العامة على حق في ذلك, لأنهم معرضون للإصابة بديدان الترع, ولكن ما شأن الملك بذلك.. هو اقتنع بذلك.. وبعدها ظهر الثوم النيئ بكميات على مائدته, وكان يلتهمه كله, ثم أقنع كل المحيطين بضرورة تناوله, وسواء أقتنعوا أم لم يقتنعوا فإنهم احتراما له أو نفاقا التزموا بما قال.. واكتشف الملك مطعما في مصر الجديدة تخصص في طبق واحدا هو المكرونة بالثوم والأنشوجة, وكان الملك معظم الليالي يصطحب رفاقه إلى ذلك المطعم زاعما أن هذا الطبق يعجب فلانا, فيأكلون مضطرين, أما هو فقد يمكن أن يأكل طبقين متتالين. وفي الحلويات كان يفضل الشيكولاته فإذا قدمت إليه واحدة لم تعجبه أعادها ثانية بلا حرج, أما إذا أعجبته فإنه يأخذ العلبة كلها ويلتهمها التهاما. غير الشيكولاته كان يعشق الدندرمة, وهو نوع من الحلوى الصيفية, كانت موجودة في الريف المصري حتى سنوات الانفتاح, وله فيها نوادر, ففي مرة كان عائدا من الهرم, فمر على محل (دندرمة) شعبي في الجيزة, وأمامه مقاعد وحشائش فأوقف الركب أمام المحل وبعث أحد أفراد الحاشية لشراء (دندرمة) للجميع, وبينما العامل يعدها فوجئ بالملك شخصيا واقفا, أمامه فجاء مدير المحل وألتف حوله المشترون وأكل داخل المحل وانصرف سعيدا, وفي مرة أخرى ذهب إلى أحد الفنادق الكبرى وجاء مدير المحل شخصيا بالدندرمة, وما كاد يمد الملعقة فيها استخرج قصاصة صغيرة لصحيفة يونانية من داخلها, فارتبك المدير, لكن الملك مر على الموقف بسرعة, وقال إذا أردتم وضع جرائد, فالأفضل تكون بلغة أعرفها, ولاطف العامل الذي جاء بها. القاهرة مكتب البيان