تتحكم المصالح الحيوية المختلفة في العلاقات بين الدول بشكل عام, ولاتستثنى دول آسيا الوسطى من هذه القاعدة, فالصراعات العرقية والطائفية الدائرة الآن تغذيها دوائر المصالح في ثرواتها ونفط بحر قزوين, وهي تنطلق من المصالح الحيوية الاقتصادية والعقائدية. ويكاد يطغى مشروع انابيب الغاز والبترول لدول بحر قزوين وآسيا الوسطى على كل النزاعات لاهميته وتذكي هذا الصراع اضافة للدول ذات المصلحة والعلاقة في المنطقة شركات امريكية. والتغلغل الامريكي ليس جديدا, فمنطقة (دول آسيا الوسطى) تشكل البطن الرخوة لروسيا بينما تشكل دول القوقاز المتاخمة لها خاصرة روسيا الجنوبية, وهما معا (دول آسيا الوسطى والقوقاز) تحيطان ببحر قزوين, وعلى هذا فان لهما اهمية استراتيجية هي أكثر من كافية بالنسبة للولايات المتحدة لكي تضع هدف التغلغل في هذه المنطقة الحساسة بين اولويات استراتيجيتها. كان لظهور النفط في بحر قزوين مع استقلال دول اسيا الوسطى اهمية رأت امريكا انها ضرورية لمشاريع السلام او كما يحلو لامريكا تسميته ( المشاركة من أجل السلام), والذي انضمت اليه كل دول اسيا الوسطى والقوقاز باستثناء طاجيكستان التي لم تدخل في اطار هذا المشروع, وساهم تفجر النزاعات العرقية في خلق مناخ موات للتغلغل الامريكي في المنطقة. صعدت الخلافات حول اقتسام ثروات بحر قزوين, ازمة المنطقة, ووقفت دولها بقوة نحو الولايات المتحدة بل ونحو اسرائيل ايضا, خاصة اذربيجان احدى دول القوقاز التي اعطت الامريكان حصة الاسد في استغلال نفطها وعرضت عليها مؤخرا نقل قاعدة (انجيرلك) الجوية الى اراضيها. ويسعى المشروع الامريكي ـ مع دول المنطقة الى ايجاد طريق لنقل النفط الى الغرب لا يمر عبر الاراضي الروسية, فما قصة المشروع الامريكي وتأثيره على الصراعات في دول المنطقة, وما الدور الامريكي في المنطقة؟ وراء الكواليس تضافرت مجموعة من التطورات النوعية في منطقة اسيا الوسطى مع بعض الاحداث الداخلية والدولية لتعيد منطقة بحر قزوين وجمهوريات آسيا الوسطى المطلة عليه الى بؤرة الاهتمام الاقليمي والدولي. وليس خافيا ان الاذرع الامريكية التي فتتت الاتحاد السوفييتي مع اسرائيل, لها امتداداتها على ساحة دول كثيرة مثل افغانستان, وتركيا, وهما كافيتان لتقويض اي نظام اقليمي يمكن ان يجعلها تخرج خالية الوفاض. وتشير التقارير الصحفية الى ان الاهمية الاستراتيجية لدول اسيا الوسطى والقوقاز المحيطة ببحر قزوين لم تخفت اهميتها الاستراتيجية للحظة واحدة بالنسبة للغرب ولامريكا. لقد ارتبطت الاهمية الاستراتيجية لبحر قزوين في فترة الحرب الباردة, بالعلاقة بين ايران التي كانت على ارتباط بالمعسكر الغربي والاتحاد السوفييتي, وادى انهيار الاتحاد السوفييتي وبزوغ ثلاث دول جديدة غربه علاوة على خمس دول في آسيا الوسطى علاوة على ايران وروسيا, وما ارتبط بهذا التعدد من تنوع المصالح واختلاف في السياسات الخارجية, ناهيك عن ثروات البحر النفطية التي تقدر بما يعادل الاحتياطي السعودي, ادى كل ذلك الى وضع منطقة بحر قزوين كأحد الساحات الجديدة للتنافس الدولي وكيفية اقتسام ثرواته التي خلقت مشاكل كثيرة. والمعروف ان الحزام الجغرافي يمتد الى آسيا الوسطى بكل ما تشهده دولها من صراعات داخلية وخارجية دفع امريكا والغرب للتخطيط للمستقبل, فطرحت العديد من مراكز البحوث الغربية اهمية تطوير نفط بحر قزوين في السنوات المقبلة حتى يصبح بديلا فيما لو تهددت مصادر النفط في دول الخليج. وسلكت بعض دولها مسلكا فرديا للخروج من السيطرة الروسية والبحث عن منفذ لنقل النفط خارج روسيا, واعتبرت روسيا وايران هذا التحرك محققا لاهداف الولايات المتحدة في ايجاد مواقع اقدام لها في المنطقة, مما استعدى روسيا وايران ضد دول المنطقة. كانت اذربيجان اولى المغردات خارج السرب, فمنحت الشركات الامريكية نصيب الاسد من اجمالي الاستثمارات تلتها روسيا فبريطانيا خالقة بذلك بذور التنافس بين ايران وروسيا. وفي المقابل اتفقت روسيا مع كازاخستان على تقسيم القطاع الشمالي من بحر قزوين مما اثار ردود فعل اقليمية كثيرة ابرزها تفاقم القلق الايراني خشية ان تخرج الاخيرة خالية الوفاض من تقسيم ثروات المنطقة, خاصة وقد أصبح لدى الادارة الامريكية اكثر من ورقة في حوض بحر قزوين فأحكمت قبضتها على اقتصاد وأمن كازاخستان واذربيجان وتركمانستان وربما روسيا التي بدت على درجة عالية من الهشاشة السياسية وفي مواجهة جملة من التحديات. نجحت واشنطن في مساعيها للسيطرة على المنطقة في تقويض اتفاقات سابقة توصلت اليها هذه الدول مع ايران, وحرك ذلك المواجع لدى طهران, فهي وحدها الطرف المتضرر من تغيير المعادلة التقليدية السابقة. وبرأي بعض المحللين ان ايران تدرك الاهداف البعيدة للمناورات والمساومات الامريكية, لذلك عندما اعلنت تركمانستان عدم جواز الرجوع عن مبدأ الاجماع بين الدول الخمس المطلة على بحر قزوين في جميع القرارات المتعلقة بالوضع القانوني للبحر فان الايرانيين وضعوا بين الاسطر ما يمكن فهمه من قبل واشنطن على ان طهران ستقاوم نقل المعركة من الخليج العربي الى بحر قزوين. اشكالية بحر قزوين تتلخص هذه الاشكالية بين الدول المطلة على بحر قزوين في المطالبة بتقسيم البحر الى حصص متساوية لكل بلد من البلدان الخمسة, وهي اشكالية استمرت فترة طويلة بين شد وجذب لدى معظم دول المنطقة وحدثت حولها خلافات وتجاذبات كثيرة القت بظلالها على آليات تنفيذ الكثير من المشاريع المقترحة. وفي ضوء هذه الاستنتاجات يرى بعض المراقبين لشئون اسيا الوسطى وروسيا ان استغلال موارد بحر قزوين يجب ان يكون من خلال ادارة مشتركة من جانب الدول الساحلية المطلة على البحر على ان يسمح للشركات بالعمل في اجواء تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار, وتكون اقاليم اسيا الوسطى المتنازع عليها منزوعة السلاح. ويشير هؤلاء ان تأسيس هذه الادارة قد يكون ممكنا في ظل التقارب الحاصل والتقليدي بين موسكو وطهران, وضرورة حتمية في ظل حقيقة سعي اذربيجان الى عقد صفقات مع (كونسورتيوم) مكون من شركات بترول دولية للكشف عن النفط في بحر قزوين. وقد كانت ايران شريكا في (الكونسورتيوم) بنسبة 5% لكن حكومة باكو ألغت في ابريل 1995 الاتفاق بضغط ملحوظ من واشنطن بينما ضاعفت في نفس الوقت من حصة تركيا مما اشعل غضب الايرانيين. ايران لم تتوقف عن السعي, فتوصلت الى اتفاق مع تركمانستان لتشييد خط انابيب غاز تقدر كلفته بـ 190 مليون دولار بطول اربعة آلاف كليومتر لنقل الغاز الطبيعي من تركمانستان الى اوروبا عبر ايران وتركيا. واثار هذا الاتفاق بدوره حفيظة واشنطن فعارضته لتعمل على التمهيد لنقل البترول والغاز الطبيعي من تركمانستان عبر بحر قزوين من خلال جورجيا والشيشان. من الواضح, كما ترى, ان هناك مصالح مشتركة ايرانية روسية في اضعاف العلاقة المتنامية بين انقرة وجمهوريات اسيا الوسطى, لكن اتفاق روسيا مع كازاخستان وعدم وضوح الملامح النهائية لاتفاق طهران مع موسكو حول هياكل تقسيم ثروات بحر قزوين اثارا الشكوك الايرانية بشكل كبير نحو روسيا التي بدت وكأنها تتبع سياسة براجماتية عالية افصح عنها مسئولوها بمواقفهم وتصريحاتهم. وما يقلق ايران ان الضغوط الامريكية المتواصلة قد تبدل قناعات روسيا المعروفة حيال ايران, فتخسر الاخيرة شراكة قد تتيح لها استفادة اكبر من دول آسيا الوسطى والقوقاز. وبينما يتوقع الخبراء في الشئون الايرانية حدوث تحولات نوعية في علاقة طهران بواشنطن في فضاء اسيا الوسطى, تعزز روسيا من امكانية احكام قبضتها على القوقاز, سواء بحرب الشيشان او سواء بسيناريوهات معارضة قوى الناتو, او حماية الدول الضعيفة من التأثيرات الايرانية والافغانية وحتى التركية والامريكية.