سؤال يغرق في رمال المجهول ها نحن نستهل مناقشة الفصل الثامن من كتاب سيمون ريف, ولاحظ ان الكتاب كله أولا عن آخر يقع في اثني عشر فصلا تتوجها الخاتمة, من دون أن يصادفنا أي شيء بخلاف تحليل المؤلف لحياة رمزي يوسف وأعماله مع تطرق لا نستطيع وصفه بأنه مقنع تماما للمنطلقات الفكرية التي شكلت الأرضية التي انطلق منها في مسيرته العاصفة على امتداد العالم. هنا من حق القارئ التساؤل عن الرجل الآخر الذي يجعله أسامه بن لادن شريكا لرمزي يوسف في العنوان الفرعي للكتاب ويقدمهما باعتبارهما تجسيدا لجيل جديد من رجال الحركة السياسية يتبنى العنف المطلق أسلوبا لتحقيق أهدافه. صحيح, ماذا عن أسامة بن لادن؟ من المؤكد أن المؤلف قد وضع يده على شعور القارئ باليأس من أن يجد بين دفتي الكتاب أي تناول جاد وجدير بالتوقف عنده لأسامة بن لادن ولصلته برمزي يوسف. ولكن مهلا. هل هناك صلة بين الرجلين حقا؟ هل حدث أن التقيا أبدا؟ وهل هناك أساس موضوعي ولو في الحدود الدنيا لوضعهما معا في سلة واحدة على نحو ما يفعل مؤلف كتابنا بغير قليل من الجرأة والثقة بالنفس؟ لست أشك في أن القارئ يعرف, مثلما أعرف, أن طوفانا من الوثائق الصادرة عن مكتب النائب العام الأمريكي وعن مكتب التحقيقات الفيدرالية يربط الرجلين معا بقيد لا فكاك منه وهو اتهامهما بأنهما - معا - يقفان إلى جوار آخرين, بالطبع, وراء محاولة نسف مجمع المركز التجاري العالمي باسقاط أحد البرجين التوأم على الآخر للاطاحة بحياة ربع مليون نسمة في غمار الانفجار. الاتهام قائم وموثق ويمكنك بضغطة زر على أي موقع محترم معني بالمسألة على الانترنت أن تحصل على صورة لقرار الاتهام الصادر بحق المتهمين في هذه القضية. ولكن هل هناك أدلة تقنعنا, فيما يتجاوز أي شك, بحسب القانون الأمريكي نفسه بأن الرجلين يعرف أحدهما الآخر وانهما تحت مظلة هذه المعرفة تآمرا لتحقيق هذا الهدف المروع؟ لسنا نحاول هنا الوصول إلى رد على هذا السؤال, بالتأكيد أو النفي, ويكفينا أن ما يحيط بعلامة الاستفهام هذه من شك وغموض دفع سيمون ريف إلى أن يفتح ملف هذا الموضوع أخيرا, وبالتحديد في صفحة 156 من الكتاب. فماذا نجد في هذا الملف؟ الإبرة وكوم القش يصارحنا المؤلف بأن أجهزة المخابرات الغربية والآسيوية بعد أن اطمأنت إلى ايداع رمزي يوسف السجن شرعت في الانتباه إلى من ساندوا الرجل خلال مسيرته العملية العاصفة, وانه في هذا الاطار العام ثار التساؤل عن الصلة بين رمزي يوسف وبين بن دلان. ينقل سيمون ريف عن محققين باكستانيين, لا يحدد هويتهم بالطبع كعادته الأمر الذي يجعلنا نتساءل: أي صحافة تحقيق هذه بالله عليكم؟ - ينقل عنهم اعتقادهم بأن الصلة الأولى ذات الشأن بين رمزي يوسف وأسامة بن لادن تعود إلى المرحلة التي التقى فيها رمزي بعبدالرزاق أبو بكر الجنجلاني, مؤسس مجموعة (أبو سياف) العاملة في جنوب الفلبين, وذلك في بيشاور بباكستان في صيف 1991. والمحققون أنفسهم يقولون ان بن لادن كان في تلك الفترة يدفع الجماعات الإسلامية في جنوب الفلبين إلى الوصول إلى هدفها الكبير, وهو اقامة دولة إسلامية في ماندناو, يمكن أن يستغل بن لادن موقعها الفريد لتحقيق أهدافه على امتداد العالم. ومن حقك أن تقول إن هذا كلام عام لا يمكن الإمساك فيه بصلة كالتي يحاول المؤلف اقامتها بين الرجلين, وسيمون ريف يدرك ذلك, بالطبع, ويعي ان محاولة الوصول إلى برهان على الصلة المزعومة بين الرجلين أقرب ما تكون إلى محاولة العثور على ابرة في كوم من القش. ومع ذلك فإن هذا لا يردعه عن المحاولة, فهو ينقل عن مصدر أمريكي, لا يحدده بالطبع للمرة المليون, قوله إن بن لادن كان في تلك المرحلة ينتقل بشكل مكثف بين السعودية وباكستان ولندن والسودان وانه (كان لديه المئات من المقاتلين من العرب الأفغان الذين يتعين عليه الاهتمام بأمرهم... وربما لم يلتق يوسف قبل تفجير المركز التجاري.. وببساطة يقر المؤلف بأن مصادر المخابرات الأمريكية والباكستانية تظل أبعد ما تكون عن التأكد مما إذا كان بن لادن قد التقى رمزي يوسف مواجهة أبدا. من حقك هنا أن تهتف منفعلا يا مثبت العقل والدين! ما هذا التلاعب أيها المؤلف؟! انك مرة تقدم لنا الرجلين كنموذج للجيل الجديد من الارهابيين ومرة تقول إن أحدا في الدنيا لا يستطيع القطع بما إذا كانا قد التقيا أبدا؟ هل تريدنا أن نبتلع أن بن لادن إذا كان حتما مسئولا عن ذلك كان يمكن أن يعهد بمواد مشعة بالغة الخطورة وبعبوة ناسفة فريدة من نوعها في تاريخ الانفجارات إلى رجل لم يره أبدا؟ أليس الأقرب إلى العقل أن صلة الرجلين هي اختراع أمريكي من أصله؟ المؤلف يرد, ببرود, قائلا ان هناك أدلة (قوية) تشير إلى اتصال مباشر بين الرجلين حافظ عليه مؤيدو بن لادن المقربون منه ومعارف رمزي يوسف, وخاصة والي خان أمين شاه ومحمد جمال خليفة, وقد كان شاه يقيم قرب بيشاور في صيف 1991 وقد حارب مع بن لادن في أفغانستان, ودرب رمزي يوسف وعمل معه في العديد من حملات التفجير التي قام بها, وبدوره كان خليفة الذي يشبه بن لادن إلى حد خلط البعض بينهما متزوجا من إحدى أخوات أسامة بن لادن وكان من مخضرمي الحرب الأفغانية بدوره وأطلق عليه رفاقه لقب (الآسر) لشجاعته وبسالته في القتال, وتزعم مصادر أمريكية انه قد انطلق إلى جنوب الفلبين بتكليف من بن لادن لحث مقاتلي الجنوب الفلبيني على التطوع للقتال لطرد السوفييت من أفغانستان, وانه هو الذي قام بانشاء العديد من التنظيمات هناك ومن أبرزها مركز الإمام الشافعي المعروف بمعهد الإمام الشافعي في باتيكول وانه كان وراء انطلاق دفعة من أبناء أرخبيل سولو إلى أفغانستان للقتال هناك حيث استقبلتهم معسكرات التدريب التابعة لبن لادن ومنها إلى أفغانستان. وفي ذلك الوقت كان مقاتلو جبهة المورو للتحرير الوطني يقاتلون من أجل دولة إسلامية في جنوب الفلبين وان أسامة بن لادن ساندهم بالمال وبالكوادر وانه من المعتقد أن خليفة كان في بيشاور في صيف 1991 وبناء على تعليمات من بن لادن عرض على الجنجلاني تمويله لتطوير مجموعة (أبو سياف) ثم أقنع رمزي يوسف وشاه بالمضي إلى الفلبين لتدريب مقاتلي الجنجلاني. وما يعنينا هنا هو ان محمد جمال خليفة قد أنكر ما يقوله المؤلف في هذا الصدد جملة وتفصيلا. لكن ذلك لا يردع مؤلفنا, فهو يعود ليؤكد لنا ان رجال الأمن الفلبيني قد استجوبوا ادوين انجليز, وهو عضو بارز في حركة أبو سياف عندما وصل رمزي يوسف الى الفلبين, وان انجليز قد ذكر لهم ان رمزي لدى وصوله في صيف 1991 إلى الجنوب الفلبيني قدم نفسه على أنه مبعوث من بن لادن وان ذلك كان بداية علاقة مباشرة بين بن لادن والارهابيين الدوليين سوف تستمر على امتداد التسعينيات. مسلسل الأخطاء عند هذا المنعطف سيدخل المؤلف في الأرض الوعرة المتعلقة بالحديث المباشر عن أسامة بن لادن, وستعرف على الفور لماذا تجنب القيام بذلك حتى هذا الموضع من الكتاب. المسألة ببساطة, والعهدة على العبد الفقير كاتب هذه السطور, هي أن سيمون ريف يفتقر إلى الحد الأدنى الضروري من المعلومات من ناحية وإلى التحليل الأصيل والقوي والمتماسك حول العالم الخلفي لبن لادن من ناحية أخرى. والدليل على هذا هو أن أول القصيدة كفر, كما يقولون, فبمجرد بدء المؤلف الحديث عن أسامة بن لادن نراه يدخل في مسلسل مدهش من الأخطاء التي تبدو صارخة حتى بالنسبة لمن لديه الحد الأدنى من المعرفة بحياة بن لادن. مؤلف كتابنا, لافض فوه, سيتحفنا في بداية التعريف بأسامة بن لادن بالقول وهو يلقي الضوء على عائلة بن لادن أن والده الحاج محمد بن عوض بن لادن كان مهندسا ومعماريا, ونحن نعرف أن ذلك ليس صحيحا, وإنما كان الرجل عصاميا بدأ حياته كادحا رقيق الحال, وربما من ملامح عظمته أنه أبقى في قاعة الاستقبال بقصره المنيف على الجوال الذي كان يحمل عليه الأغراض عندما بدأ حياته العملية تحت الشمس في ميناء جدة حرصا منه على أن يعرف أبناؤه الدرس العظيم الكامن فيها ويدركوا الحكمة المطلقة في قول الحق جل شأنه: (وتلك الأيام نداولها بين الناس). البعض قد يرى ان ذلك خطأ في التفاصيل, وانه من الضروري التجاوز عنه, فلنفعل ذلك وأمرنا لله, ولكن مسلسل الأخطاء هذا يتوالى ويستمد خطورته من دلالته على افتقار الكاتب إلى الدقة فيما يقوله وينقله, فإذا كان يقع في مثل هذه الأخطاء في الهين من الأمور فما أدرانا أي أخطاء يقع فيها في العظيم منها؟ الخطأ التالي للمؤلف في الصفحة نفسها, أي صفحة 158 من الكتاب, حيث يشير في معرض القائه الضوء على نسب بن لادن انه ابن الحاج محمد عوض بن لادن من زوجة سورية هي زوجته الحادية عشرة, وغني عن البيان ان ذلك خطأ محض فأم أسامة بن لادن من الأصل نفسه الذي ينتمي إليه أبوه. ولست أرغب في أن أهدر وقت القارئ بتقديم مسرد لهذا النوع من الأخطاء, ولكنني أعد من يكترث من القراء بالرجوع إلى الكتاب بأن هذا المسرد لن يكون قصيرا بحال. أما من يريد أن (يقاوح) معنا من القراء ويطالبنا بنموذج آخر من مسرد الأخطاء هذا فإننا لا نملك إلا أن نقول والله المستعان: خذ عندك, يا سيدي, في صفحة 160 ينقل المؤلف عن نيل هرمان, رئيس فريق مطاردة رمزي يوسف في مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي قوله ان رمزي وبن لادن يشتركان في أمور كثيرة للغاية على نحو يثير الالتفات. وكل من له أدنى إلمام بالرجلين يعرف انه لا شيء يجمعهما على الاطلاق اللهم إلا وضع المحققين الأمريكيين لهما في قائمة اتهام واحدة في قضية المركز التجاري العالمي بنيويورك. ستينجر أيا كان الأمر فإن المؤلف سيمضي في القاء الضوء على قصة حياة أسامة بن لادن من منظوره, وسنلاحظ على الفور على هذه الرواية ما يلي: * انها لا تقدم للقارئ العربي شيئا جديدا على الاطلاق بل ان بوسع هذا القارئ أن يضيف من المعلومات أكثر بكثير مما يطرحه المؤلف. * ان هذه الرواية انتقائية إلى حد بعيد وتقدم بطريقة أقرب إلى ما نراه في المسلسلات الأمريكية الرديئة المعروفة باسم (الأوبرا الصابونية) حيث ينزلق المتابع من تفاصيل مجردة من المعنى والمغزى إلى تفاصيل أخرى أشد تجردا منهما. * انه حتى حين يفتح الله على المؤلف بمعلومة يمكن أن تتحول إلى مفتاح لفهم العالم الخلفي الحقيقي لبن لادن فإن المؤلف يهدرها لتمضي إلى جوار العديد من الفرص المعرفية الأخرى الضائعة, وان شئت فانظر إلى اشارة المؤلف في صفحة 162 إلى صلة بن لادن بدكتور عبدالله عزام, وهو الخيط الذي يفلته المؤلف من يده ليضيع منداحا إلى العدم وقد كان يمكن أن يفصل القول في مدى عمق تأثير رجل الفكر والحركة الفلسطيني على بن لادن. * ان الأحداث تأخذ في بعض الأحيان طابعا يوحي بأن المؤلف أبعد ما يكون عن طبيعة العلاقات في العالمين العربي والإسلامي, ويبدو ذلك كأوضح ما يكون في تصويره للقاء بين بن لادن وبين الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزير الدفاع السعودي عندما لاح في الأفق خطر تحرك القطاعات المدرعة العراقية جنوبا. أيا كان الأمر فإن المؤلف يمضي مسرعا في هذه الأرض الوعرة, ربما لانه لا يستطيع سبر غورها بأي درجة من الأصالة البحثية أو الاقتدار المعرفي, وهكذا نراه يقفز إلى المرحلة السودانية من مسيرة بن لادن, وبالطبع فنحن لن نقرأ أي مقدمات منطقية يمكن أن تفضي بنا إلى ما تزعمه المصادر الأمريكية عن تورط بن لادن في انفجاري شرق افريقيا. ولكن ألا نلاحظ اننا في غمار هذا السرد قد اختفى من أفقنا تماما أي اشارة إلى رمزي يوسف؟ ألا يؤكد ذلك انه ليس هناك أساس للربط التعسفي بين الرجلين؟ يبدو ان المؤلف يدرك ان أسئلة من هذا النوع لابد من أن تطرح ولذلك فإنه يدفع إلى ساحة السرد بعلي محمد وهو ضابط مصري سابق تحيط به حشود من علامات الاستفهام, لكن المؤلف يقول لنا انه كان شخصية مهمة في (القاعدة) في أفغانستان وهو ينقل لنا عن ممدوح محمد سالم, الذي كان على صلة بأسامة بن لادن واعتقله رجال الأمن الألماني في سبتمبر 1998 خلال ما تردد انه محاولة لشراء قنبلة نووية تكتيكية لحساب بن لادن - ينقل لنا قوله ان أعضاء القاعدة الذين انتقلوا إلى السودان ليكونوا بصحبة بن لادن انقسموا إلى ثلاث فئات هي على حد تفسيره (أناس لم يحرزوا نجاحا في الحياة وليس هناك شيء في رؤوسهم وأرادوا الانضمام للمسيرة حتى لا يسقطوا على أنوفهم... وأناس أحبوب الدين, ولكنهم لا يدركون الجوهر الحق لدينهم, وأناس ليس في رؤوسهم شيء إلا القتال وحل كل مشكلات العالم بالمعارك. وهناك محور جوهري يعجز المؤلف تماما عن ان يضع أيدينا عليه بأي حد أدنى يمكننا ابتلاعه من المصداقية, وهو طبيعة علاقة أسامة بن لادن بالأمريكيين في المرحلة الأفغانية. إننا نعرف ان أسامة بن لادن نفسه رفض من أصله الحديث عن أي علاقة ربطته بالأمريكيين حتى في المرحلة الأفغانية وأكد ان السلاح الذي وصل إلى المجاهدين كان من مصادر عربية وان الصلة الأمريكية كانت عبئا احتمله المجاهدون على مضض. أما سيمون ريف فإنه بقدرة قادر يحدثنا في صفحة 167 من الكتاب عن علاقة بين الطرفين يصفها بأنها (مدهشة) ولكنه لا يستطيع بحال أن يفصل في اطار هذه العلاقة ما هو أمريكي صرف, وهو هامشي بحسب تأكيد مصادر المجاهدين وتشديد أسامة بن لادن نفسه, وبين ما هو آت من الدول العربية. ولا ينسى المؤلف في اطار حرصه على تأكيد الطابع (المدهش) لهذه العلاقة التي يحدثنا عنها أن يقول ان إدارة ريجان عندما أمدت المجاهدين بصواريخ ستينجر كان ذلك جزءا من الجهود الأمريكية للتصدي للقوات السوفييتية في هذا الجزء من الهضبة الآسيوية عن طريق دعم المجاهدين. وهو لا ينسى أن يذكرنا بأن صواريخ ستينجر المضادة للطائرات هذه كان لها تأثير كبير على مجرى القتال في أفغانستان حيث أدى استخدامها إلى اسقاط 270 طائرة سوفييتية وإلى المزيد من دعم صورة بن لادن في ساحة القتال في أفغانستان. ويجد المؤلف ان من الطريف الذي يستحق أن يذكر ان ملف أسامة بن لادن في الخارجية الأمريكية يضم صورة تعود إلى عام 1986 تم العثور عليها لدى مهاجمة دار خال رمزي يوسف على يد رجال المخابرات الباكستانية وفيها يظهر بن لادن وقد حمل صاروخا من طراز ستينجر الذي يطلق من الكتف وقد بدا عليه الاعتزاز البالغ. نهاية المرحلة السودانية يمضي سيمون ريف في القاء الضوء على المرحلة السودانية من مسيرة أسامة بن لادن, ويغرقنا بتفاصيل لا تخدم ارساء فهم واضح للرجل لا على صعيد الفكر ولا الحركة السياسية, ونراه يحشد دفقا من التفاصيل ليتوجه في صفحة 181 بالقول ان ترسيخ بن لادن لصورته كرجل أعمال في السودان لم يكن إلا محاولة لصرف من يحاول رصده عن الاهتمام الرئيسي للرجل وهو شن حرب بالمعنى الحقيقي للكلمة على الغربيين الذين اتهمهم بأنهم وسعوا اطار احتلالهم للعالمين العربي والإسلامي بدلا من تقليصه كما تقتضي كل الظروف الموضوعية والأعراف وقواعد العمل الدولي. ويصل المؤلف في متابعته المليئة بالتناقضات تلك لمسيرة بن لادن إلى المرحلة التي اقتضت خروجه من السودان وبدء المرحلة الأفغانية الثانية, وهو يصيبنا بخيبة أمل حقيقية لانه لا يقدم لنا الحد الأدنى من الاضاءة لما نعرف انه (صفقة) بين واشنطن والدكتور حسن الترابي دفع بن لادن ثمنها في صورة الاضطرار إلى المغادرة. وصمت المؤلف هنا مفهوم, فهو راجع إلى انه ليس لديه ما يقدمه, ربما لان أسرار هذه (الصفقة) ستظل إلى وقت لا يعلم أحد مداه سرا لا تعرف عنه شيئا. ويعوض سيمون ريف هذا الاخفاق في القاء الضوء على نهاية المرحلة السودانية بتقديم متابعة نشطة لمسيرة بن لادن في بداية المرحلة الأفغانية الثانية, فهو يلقي الضوء أو بالأحرى يحاول ذلك على محاولة بن لادن اجراء اتصالات لتأمين أرض الظهر في باكستان حتى لا تتحول إلى أرض اختراق يتعرض عبرها لمحاولات اغتيال أو خطف. ومن ناحية أخرى سيوثق بن لادن علاقته بالملا محمد عمر, زعيم حركة طالبان التي فرضت حضورها القوي على حوالي 90% من أرض أفغانستان, وهو يشير في هذا الصدد, ولسنا نعرف مدى دقة هذه الاشارة إلى ان العلاقة بين الرجلين لم تكن وليدة اليوم, فقد دعم بن لادن الملا محمد عمر منذ عشر سنوات واشترى له دارا في كراتشي, والمعلومة لا تزال للمؤلف, وينقل سيمون ريف عن مصادر ان توثق الصلة بين الرجلين وصل إلى حد المصاهرة حيث تزوج الملا محمد عمر إحدى بنات أسامة بن لادن. هنا لابد أن القارئ سيقف مع نفسه ليطرح سؤالا محددا: ما الجديد في ذلك كله؟ هذا السؤال سيقود إلى غيره. فهل قدم سيمون ريف اضافة إلى ما سبق أن قدمه يوسف بودانسكي من قبله؟ وهل استطاع أن يربط بين بن لادن وبين رمزي يوسف بشكل يمكننا الاقتناع به؟ وهل أطروحته الرئيسية تظل على تماسكها حتى نهاية الكتاب؟ في واقع الأمر سنجد أنفسنا قاب قوسين أو أدنى من صفحة 198 من الكتاب أي في مستهل الفصل العاشر من دون أن نستطيع الاجابة عن هذه الأسئلة بشكل يعكس تقويما منصفا للمؤلف والكتاب معا. ولكن هل لدى سيمون ريف في كمه من الكروت ما يخفيه ويستطيع وقت اللزوم أن يعيد قلب الأمور رأسا على عقب؟ هل لديه جديد حول ظاهرة الارهاب ذاتها التي يشغل الغرب نفسه بها على هذا النحو الاستحواذي؟ وهل هناك ما يمكن أن يربط بن لادن لدى المؤلف أو غيره بهذه الظاهرة ربطا محكما لا فكاك معه؟