يبدو ان الأرقام الأولية عن الجريمة الروسية المنظمة تفصح عما فيه الكفاية عن هذه الظاهرة. وحتى وفقا لاحصاءات الكرملين, فإن المافيا تسيطر على 40% من الاقتصاد الروسي, وتفيد التقديرات بأن ما يتراوح بين 70-80% من دوائر أنشطة الأعمال تدفع ما بين 10-20% من أرباحها للحماية وهو ما يعني ان هذه النسبة تصب في يد المافيا. وتتحدث مصادر روسية أيضا بانتظام, ولكن بشكل مضلل, عن الاف العصابات المرتبطة بالجريمة المنظمة أو المافيا. وهذا يعكس, في جانب منه, التعريف الأقل تمييزا الذي تتبناه الشرطة الروسية لما يشكل (الجريمة المنظمة) مقابل أي شكل من أشكال الجريمة التي يتورط فيها أكثر من شخص واحد, وتكون عن سابق اصرار وتعمد. والأهم من ذلك, ومع الأخذ بعين الاعتبار التركيبة الفضفاضة والمستندة إلى التنظيم الشبكي للمافيا, فإن هذه الأرقام تميل إلى حساب كل كيان يدخل في التوليفة بدلا من حساب الشبكات فقط. وعوضا عن ذلك, فإن روسيا تضم ما بين 12 إلى 15 تنظيما رئيسيا للمافيا, وهو نظير منطقي بشكل أكبر للثلاثيات الست الصينية, أو للمنظمات الاجرامية الرئيسية في ايطاليا, التي يتراوح عددها بين أربع منظمات إلى خمس منظمات. لقد مالت المحاولات الأولى لرسم هيكليات رسمية لجماعات المافيا إلى تقديمها على شكل أهرام كلاسيكية, لديها عرابوها في القمة وعدد أكبر من العمداء تحتهم ثم يأتي في القاعدة العاملين في الشوارع. ويقترح البعض حتى ان يكون هناك تقسيم رسمي أكبر إلى أجزاء مستقلة بحيث يكون هناك أقسام للارتباط والاسناد والأمن. غير ان محاولات تطبيق ذلك عمليا قد باءت بالفشل. لا يوجد هناك تسلسل ثابت للقيادة. وهناك بالتأكيد شخصيات بارزة في المافيا بما في ذلك (لصوص في نطاق القانون) الذين قد تكون لهم سلطة مباشرة أقل ولكنهم يتمتعون بصلاحية واحترام أكبر, والذين يتصرفون في العادة كوسطاء ومحكمين, بالاضافة إلى ما يسمون بـ (السلطات) الذين يعتبرون زعماء اجرام أكثر تقليدية. غير انه حتى صاحب السلطة من غير المتوقع أن تكون لديه عصابة شخصية خاصة به. وعوضا عن ذلك, فإنه يكون مجرد عضو قوي وغني وذي نفوذ في الشبكة. وفي مواجهة أي تحد خارجي للشبكة, فإن صاحب السلطة يتوقع أن يطاع بينما يحشد قواه ردا على ذلك التحدي. وبخلاف ذلك, وعلى الرغم من انه يتمتع بالسلطة والنفوذ, إلا انه إذا عامل الآخرين في الشبكة بتعال, وبالغ في معاملتهم على انهم أدنى منه درجة, فإنه يجازف بإثارة عدائهم. إن الخيارات المتاحة أمامهم تتراوح بين تجاهله إلى التحول نحو شبكة منافسة لتدبير عملية اغتيال له, وفي أغلب الأحيان, فإنهم يلتمسون لدى صاحب سلطة آخر في الشبكة أو (لص في اطار القانون) الفرصة للحفاظ على استقلاليتهم. بل ان هذا الأمر يلاحظ في عصابات سميت باسم زعيمها. وبينما يظلون صغارا, فإن الزعيم قد يظل قويا, ولكن ما ان يتوسعوا ويصبحوا بشكل عملي, شبكات قائمة بذاتها, داخل شبكات أكبر في الغالب, حتى تتفكك السيطرة الشخصية. إن معظم شخصيات المافيا وطواقمها لها مصالح اجرامية, وحتى قانونية, واسعة جدا. فهناك متخصصون تتراوح مهماتهم بين أعمال الاغتيال والتخريب عبر أجهزة الكمبيوتر وغسيل الأموال والتزييف. ولكن هؤلاء يميلون للعمل بشكل كبير في محيط الشبكات كمقدمي خدمات مستقلين. غير ان المجرمين الرئيسيين يسعون لترسيخ نطاق واسع من المهمات في نطاق الشبكة وأنشطة الأعمال وبالنسبة لمجرم جديد أو غير متطور نسبيا, فإن هذه المهمات قد تكون بسيطة في البداية, مثل جمع اتاوات الحماية من تجار السوق, أو بيع السلع المزيفة, أو نقل رسائل شفهية لمجرم أكثر رسوخا. وبغضون عشرة أعوام, قد يعتبر ذلك الشخص (عميدا) قائما بذاته, له زبائنه الذين لا يتعاملون إلا معه. وربما يكون قد مرّر (حلبته) في السوق إلى شخص آخر مقابل نسبة مناسبة وقد يحصل الآن على طلب الحماية من المصانع المحلية على هيئة توفير الأمن الخاص. وفي غضون ذلك, قد يملك عددا من الشركات التي تبدو قانونية, وينتقل إلى ممارسة نشاطات أكثر اغراء, كالمخدرات. وحتى مبادئ التنظيم القديمة المتعلقة بالروابط العرقية أو مكان الأصل أخذت بالتفكك. وترتبط أسماء العديد من العصابات أو الشبكات بمكان تشكلها في البداية او المكان الذي جاء منه قادتها الاصليون لكن هذه الامور عادة ما يكون لها تأثير ضئيل على موقعها الراهن او عملها, وقد سميت مجموعة (تامبوف) المهيمنة في مدينة سانت بطرسبرج باسم المدينة التي عاش فيها اعضاؤها الاوائل, تماما مثلم لايزال عدد قليل من اعضاء مجموعة سولنتسيفو يعيشون او يعملون في الضاحية التي سميت العصابة باسمها في موسكو. اما فيما يتعلق بالروابط العرقية, فان مايزعم انه (المافيا الشيشانية) يضم الان جورجيين وداغستانيين وكازاخستانيين حتى سلافيين, ونتيجة لذلك, فان معظم هذه الشبكات قد فقدت الولاء الشخصي او الاقليمي الذي يبقي على وحدة العصابات الاصغر, وهذه العصابات لم تكتسب ابدا نوعية التقاليد او الميثولوجيا التي تلعب دورا مهما في التجمعات الاجرامية, مثل (الياكوزا) اليابانية او المافيا الايطالية. وفي ظل وجود القليل مما يربطها معا غير المصلحة الذاتية والخوف من عمليات الانتقام في حالة الخيانة, فان هذه العصابات معرضة للانقسام واعادة التعريف مع اختيار العناصر المؤلفة للعصابة للانتقال الى شبكة اخرى كلما بدا ان توازن الفرص سيتغير وهذا يساعد في تفسير عدم الاستقرار النسبي الذي تعاني منه المافيا وميلها نحو اراقة الدماء داخليا. ولاتزال التركيبة الاجرامية المعقدة في موسكو تحكمها مجموعة سولنتسيفو مع انها هي وحلفاؤها وزباؤنها يجدون مايوازنهم في قوة العصابات الشيشانية وعصابات شمال القوقاز ومجموعات روسيا العرقية الاخرى, بحيث تشكل حاليا مثلثا متوازنا من الارهاب, وهناك توازن مماثل في مدينة سانت بطرسبرج بين عصابة (تامبوف) المهيمنة بشكل خاص على صناعات الوقود في المدينة ونشاط الحماية, والعصابات التي تركز في نشاطها على التهريب والمخدرات على التوالي. وفي اقصى شرق روسيا, فان عاصمة الجريمة السييرية هي بلاشك مدينة ايكاترنبرج مقر عصابة اورالماش التي تستمد اسمها من اسم المصانع التي شكلت قاعدتها في البداية وعصابة تسينتر النايا التي برزت في مركز المدينة وهذه تعتبر منطقة وحشية وخطيرة, وبينما تمتلك كلا المجموعتين الان مصالحهما الخاصة في مجال الاعمال, فانهما مرتبطتان بالعديد من العصابات الصغيرة التي تركز على نشاط اجرامي واضح, ولاتزال صناعات المنطقة وخاصة الالمنيوم والفحم الحجري تثير صراعات تتحول في الغالب من الامور المادية الى اعمال العنف الدموية. ولايزال الشرق الاقصى الروسي يخضع لسيطرة الشبكة المتقلقة المعروفة باسم (اتحاد لصوص الشرق الاقصى) الذي يشرف عليه يفجيني فازين, وعلى الرغم من ذلك, فان هذه المنطقة مميزة بعدد وتنوع عصاباتها بما في ذلك اعداد متزايدة من الجماعات العرقية الصينية داخل مجتمع المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين وفي جنوبي روسيا, غالبا ما ينفجر الخليط غير المريح من العصابات السلافية وعصابات شمال القوقاز مؤديا الى صراعات محلية, ويسيطر على السلافيين عصابات تتمركز في بلدات ومدن بعينها وعصابات اخرى داخل مجتمع الكوزاك وتضم عصابات شمال القوقاز مجموعة واسعة من القوميات من بينها بالدرجة الاولى العصابات الشيشانية والانجوشية والداغستانية والاذربيجانية غير ان هذه العصابات عادة ما تتعاون فيما بينها في وجه العداء السلافي على الرغم من الاختلافات العملية والتاريخية العديدة. ومع ذلك, لايزال هذا عالم سفلي ديناميكي جدا ففي حين تم على سبيل المثال, تحقيق درجة معينة من الاستقرار في موسكو وسانت بطرسبرج بحلول عام 1995 الا انه لايزال هناك مجال واسع للقلاقل والتغير. وشأن اي مفترس قدير, فان المافيا تعتبر حساسة جدا للتغيرات في البيئة السياسية والاقتصادية فانهيار الاقتصاد الروسي في اغسطس عام 1998 ادى الى زيادة بنسبة 300% في الجرائم المالية في روسيا في الاشهر الاثنى عشر التالية وشملا عودة استخدام القتل المأجور كتكيك في مجال الاعمال ان المجموعات الاجرامية قد تبرز وتخبو, لكن انتشار الشبكات الاكبر عبر البحار يؤكد على انها ستبقى مهما يحدث في روسيا, قد يتلاشى دور (اللص في نطاق القانون) حيث ان التقليد يحتل مكانة ثانوية بعد المصلحة غير انه من الواضح انه خلال العشر سنوات المقبلة او يزيد, فان المافيا ستظل ظاهرة خطيرة ذات نفوذ كبير في الحياة الروسية.