لم تكن الولايات المتحدة مضطرة للاقرار بالذنب وبقصر النظر تجاه ايران بهذا الشكل العاطفي الصارخ ما لم تكن في طور مباشرة استراتيجية جديدة قد تتعدى اقليم الخليج لتشمل الشرق الاوسط ولا بد لتنفيذها من تحييد ايران سياسيا. ويبدو ان الولايات المتحدة ما كانت تنتظر صدى ايرانيا سريعا مساويا لوقع هذه المبادرة الامريكية النادرة بما يحول واشنطن من شيطان اكبر الى حليف اكبر بين ليلة وضحاها اذ ان الرد الايراني كان الترحيب بتحفظ شديد والنظر الى المبادرة كرسالة عاطفية اولى في طريق حب مستحيل على حد وصف احد المحللين. والمبادرة التي اعلنتها وزيرة الخارجية الامريكية ازاء ايران الجمعة لا تبدو ايضا موجهة حصرا لدعم الرئيس محمد خاتمي والتيار الاصلاحي في ايران كما تقول واشنطن, فهذا التيار اكتسح الانتخابات الاخيرة وليس بحاجة لاعلان انتصار اخر عبر البوابة الامريكية بل ان مثل هذا الدعم الامريكي المفاجىء قد يضر الاصلاحيين اكثر مما ينفعهم في علاقتهم الهشة مع المحافظين الذين يعتبرون الولايات المتحدة العدو الاكبر للجمهورية الاسلامية. وايران التي حافظت على وزنها كقوة اقليمية سياسية وعسكرية طوال عقدين من العلاقات المتوترة مع واشنطن ستستفيد دون شك من تحسن هذه العلاقات لكنها ترى ان ذلك سيعود بالنفع على واشنطن اكثر من عائده الاقتصادي في ايران, فالامر يتعدى مسألة السماح بدخول الفستق والكافيار والسجاد الايراني الى الولايات المتحدة. والسؤال الرئيسي هنا هو ماالذي تملكه ايران في هذه اللحظة بالذات وتحتاجه واشنطن بشدة, هل هو نفوذها في صفوف المعسكر المناهض للسلام مع اسرائيل وعلى منظمة حزب الله بشكل خاص ام هو موقعها الجغرافي والسياسي الذي يمنحها بالضرورة دورا في اي استراتيجية تطبق في اقليم الخليج. وعلى الرغم من ان الوزيرة الامريكية مادلين اولبرايت حرصت في ردها على تساؤلات الصحافيين عقب اعلانها المبادرة على التمييز بين ما تعتزمه واشنطن ازاء ايران وبين السياسة الامريكية تجاه العراق فان اي قارىء للوضع في الخليج سيشك حتما بارتباط ذلك بل انه قد يستنتج تطورات وسيناريوهات مقبلة في هذه المنطقة الهامة. اما فيما يتعلق بالشرق الاوسط واقرار السلام فيه يعتبر الشغل الشاغل للادارة الامريكية في الشهور القليلة المتبقية على ولايتها فان الامر لايحتاج الكثير من التحليل للتوصل الى ان بيد ايران احد اهم مفاتيح ذلك السلام لاسيما بعد ان بدأت سوريا التفاوض مع اسرائيل ولم يتبق من يعارض السلام علنا سوى طهران. وايران التي دعت مرارا الى حوار مع الولايات المتحدة لها شروط في مثل هذا الحوار ولايبدو كافيا لذلك الاعتراف الامريكى بخطأ الحسابات السياسية في دعم العراق في الثمانينيات اوالاطاحة بحكومة رئيس الحكومة الايرانية محمد مصدق عام 1953 ومن هذه الشروط الاعتراف بايران كقوة اقليمية لا غنى عنها لفرض الامن والاستقرار وكشريك لا يمكن تجاوزه في اي اتفاق سلام في الشرق الاوسط. ولم يكن حديث اولبرايت مشجعا في هذا الصدد اذ انها اقرت باقتران مصلحة البلدين بدعم اقامة سلطة معتدله في افغانستان وبضمان حرية تدفق البترول من منطقة الخليج ومحاربة تجارة المخدرات في المنطقة لكنها تحدث ايضا عن شروط امريكية للتطبيع الكامل من بينها وقف الارهاب والامتناع عن بناء ترسانة أسلحة دمار شامل والتوقف عن معارضة التسوية السلمية في الشرق الاوسط. وما ذهبت اليه أولبرايت من ان اعلان تخفيف العقوبات التجارية الامريكية على ايران لا يمثل سياسة جديدة ازاء طهران بل مجرد بداية مرحلة جديدة في العلاقات الامريكية الايرانية يبرر اعتبار كثير من المحللين ان المبادرة الامريكية برمتها ما هي الا تعبير عن نية حسنة لكنها تحتاج الى اثبات والى تدعيم من الجانبين معا. كونا