هكذا سقط الطائر الصعب في الشبكة الامريكية ها نحن نصل الى نصف مشوارنا معا في هذه المناقشة لمسيرة رمزي يوسف, الذي يقدمه المؤلف لنا باعتباره تجسيدا لجيل جديد من رجال الحركة السياسية العاملين ضد الغرب على امتداد العالم, من دون ان يبدو لنا في الأفق ان هناك تأصيلا للعلاقة بينه وبين أسامة بن لادن. هذا البعد, في حقيقة الامر, لايثير انزعاج الكثير من القراء, ربما لانهم ادركوا ـ مثلي ـ منذ وقت جد مبكر ان المكتبة الغربية لاتملك مرجعا واحدا يجمع بين الاصالة في البحث والعمق في التناول والثراء في المعلومات. ولكن مايثير الانزعاج حقا هو انه على الرغم من ان سيمون ريف يقدم دفقا لاينتهي من الحكايات المثيرة التي تخطف تفاصيلها الابصار وتجعل الانفاس تتوالى الى حد اللهاث في غمار المتابعة الا انه في حقيقة الامر لايرد على الاسئلة الاكثر اهمية والتي تعنينا وتجعلنا نهتم بكتابه من أصله. على سبيل المثال فنحن لانعرف من هو بالضبط رمزي يوسف على الرغم من انه يطلعنا على اسمه الحقيقي وعلى جانب ليس باليسير من الاسماء المنتحلة الاربعين التي استخدمها عبر مسار حياته العملية العاصف. والامر لايقف عند هذا الحد وانما نحن لانعرف بأي درجة من درجات العمق الردود على الاسئلة التي تؤرقنا هنا: ماهو بالضبط العالم الفكري الذي ينطلق منه؟ ماهي آفاق رؤيته الايديولوجية؟ الى اي حد تتقاطع افكاره مع التيارات الاصولية التي تعاون معها؟ ما السر وراء هذا العداء للغرب وللمصالح الامريكية الذي لا يتردد معه في ان يحمل حياته على كفه ويخوض غمار التعرض للموت في كل لحظة بسهولة التنفس؟ الامر المؤكد هو ان المؤلف ابعد ما يكون عن ان يقدم لنا تحليلا قويا ومتماسكا للرجل ولعالمه الفكري ورؤيته الايديولوجية. ومشكلة المؤلف ـ او بالاحرى مشكلتنا معه ـ لا تقف عند هذا الحد, وانما تمتد الى طبيعة الصورة التي يقدمها لنا عن رمزي يوسف , فهو يتحدث عنه خلال وجوده في الفلبين باعتباره اقرب الى الفتى اللاهي او (البلاى بوي) اذا شئت وفي الوقت نفسه يؤكد لنا التزامه بخدمة اهداف جماعة ابو سياف الاصولية المشاركة في جهود المسلمين لاقامة دولة اسلامية في الجنوب الفلبيني. والتناقضات من هذا النوع التي يسوقها المؤلف لا اول لها ولكن بالتأكيد ليس لها اخر الامر الذي يفتح الباب امام سؤال محدد هو ما الحكاية بالضبط؟ دعنا نحمل هذا السؤال زادا في رحلتنا الصعبة مع المؤلف وهو يمضي بنا هذه المرة ليقطع الارض الشائكة بين افلات رمزي يوسف من مانيلا بعد فشل محاولة اغتيال البابا وبين القاء القبض على الرجل. الطائر يفلت في الساعات الاولى من فجر السابع من يناير 1995 دفع رمزي يوسف ثمانمئة وثمانية واربعين دولارا عدا ونقدا مقابل بطاقة سفر بالدرجة الاولى من مانيلا الى هونج كونج ومن هناك انطلق مواصلا السفر الى سنغافورة ومنها قفز الى رحلة منطلقة الى باكستان, حيث التف بستار من الاختفاء والغموض, تاركا مطارديه يضربون اخماسا في اسداس. عندما اكتشفت الشرطة الوطنية الفلبينية المواد الكيماوية بادر المسئولون فيها الى اخطار نظرائهم في واشنطن كما هو معتاد بصفة روتينية, تماما كما ابلغوا (الانتربول) وسكوتلانديارد واجهزة المخابرات في الدول المجاورة غير ان مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي هو وحده الذي ابدى اهتماما فائقا لانظير له لدى اي جهاز اخر. لأن رجاله أزعجهم أشد الازعاج تعقيد القنبلة الدقيقة التي انفجرت على متن طائرة الخطوط الفلبينية المتجهة إلى طوكيو قبل شهر. ويقول نيل هرمان قائد فريق المطاردة في مكتب التحقيقات الأمريكي: كانت لدينا معلومات تربط يوسف بمانيلا, وقد مضينا إلى هناك للتحقيق, ولكن بمجرد العثور على بصمات أصابعه تم اخطارنا على الفور تقريبا فبعثنا بفريق من المحققين إلى هناك. لم تؤكد شقة مانيلا المشتعلة وجود رمزي يوسف على قيد الحياة والنشاط فحسب, وإنما أرشدت إلى العديد من رفاقه كذلك, فقد تم اعتقال مراد فيها. وفي صبيحة 11 يناير 1995 خرج معاون رمزي المدعى ولي خان أمين شاه من شقته وعلى الفور ألقى ثلاثة من رجال الأمن الفلبيني القبض عليه, وبتفتيش الحقيبة التي كان يحملها وجدت معه أربعة جوازات سفر ثلاثة منها تحمل صورته. والمدهش انه بعد أربعة أيام أفلح شاه في الهرب في ظروف غامضة من الاحتجاز لدى الشرطة الفلبينية لم تعرف ملابساتها حتى اليوم, وشق طريقه إلى ماليزيا لكن ضباط الشرطة ألقوا القبض عليه هناك وأعادوه إلى السلطات الأمريكية. في غضون ذلك استعان رجال مكتب التحقيقات الاتحادية الأمريكي بديفيد شوار تزندروبر, وهو خبير في التحقيقات الاجرامية بشركة ميكروسوفت أمضى ثلاثة وعشرين عاما في خدمة القانون, حيث قدم له ما يعرف بـ (نسخة عن صقال مرآة) للهارد درايف الموجود في كمبيوتر رمزي يوسف الذي تم العثور عليه في شقة مانيلا. والذي مضى بهذه النسخة إلى جهاز يعرف بكمبيوتر السيطرة لا يستخدم إلا في التحقيقات الجنائية الخطرة, حيث بدأ عمليات فحص شاقة ومعقدة إلى أبعد الحدود. ويلقي المؤلف الأضواء على جانب من تقنيات عمليات الفحص هذه, والتي أسفرت عن الحصول على ملفات كان رمزي قد ألقاها بالفعل من ذاكرة الجهاز, ويصفها بأنها قدمت ثروة مذهلة من المعلومات, فقد امتلأت هذه الملفات بمواعيد اقلاع رحلات طائرات مستهدفة, وتوقيتات تفجير, ومعادلات كيماوية, إلى جوار ما يصفه سيمون ريف بأنه ملف صوتي يتضمن حوارا عاطفيا بين رمزي وبين امرأة ذات لكنة آسيوية. وكانت هناك كذلك رسالة يهدد فيها (الفيلق الخامس من جيش التحرير بقيادة لفتنانت جنرال أبو بكر المكي) بشن المزيد من الهجمات على أهداف أمريكية وذلك (ردا على المساعدة الأمريكية المالية والسياسية والعسكرية المقدمة للدولة اليهودية في فلسطين المحتلة من جانب الحكومة الأمريكية) . وكانت هناك بطاقة عمل تحدد هوية رمزي يوسف باعتباره (ارهابيا دوليا) . ويقول محقق أمريكي تعقيبا على ذلك: أوشكت على السقوط أرضا عندما رأيت هذه البطاقة. وينقل المؤلف عن نيل هرمان قوله: كان هناك الكثير من المواد في ذلك الكمبيوتر, العديد منها مكتوب بشكل مشفر, كان أقرب إلى يوميات, وتاريخ واستراتيجية لما كانوا يخططون للقيام به. وعندما نظرنا إلى القرص المنقول عن الجهاز اكتشفنا المشروع الذي كان عاكفا على الاشتغال عليه, وتمكنا من ربط الفيلق الخامس بقضيتنا وعرفنا انهم الناس عينهم الذين نطاردهم وبمجرد تحليل محتويات الشقة عرفنا انه رجلنا. كان مناط اهتمام هرمان وأعضاء فريق مكافحة الارهاب المشترك الذي يقوده هو ما يعتزم رمزي يوسف القيام به بعد ذلك ويقول هرمان في هذا الصدد: كان يتطلع إلى تنفيذ عمليات أخرى يخطط لها بما في ذلك اغتيال الرئيس, عندما كان يرتحل هناك, وعرفنا ان هذا الرجل قنبلة متحركة. الخطأ القاتل راحت الضغوط على رمزي يوسف تتعاظم, فقد عرف ان الشرطة الفلبينية وضعت يدها على جهاز الكمبيوتر الخاص به, وانها سوف تبعث به لا محالة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي, غير ان ما لم يتوقعه هو السرعة التي سوف يكتشف بها رجال المكتب خطط التفجير التي أعدها, ويرجع ذلك إلى اعتقاده بأنه قد أزال بنجاح من ذاكرة الجهاز كل الملفات التي يمكن أن تدينه. وكان مناط اهتمامه فيما يبدو هو اطلاق سراح صديقه وزميله القديم عبدالحكيم مراد. كان بحاجة ماسة إلى مراد لتنفيذ الهجوم الجوي على مقر قيادة السي. آي. ايه في لانجلي, ولذا بدأ في التحرك للضغط بقوة بما يكفل الافراج عنه. وتختلف المصادر حول المكان الذي لاذ به رمزي يوسف خلال الأيام التي أعقبت حريق شقة مانيلا, ويقول أحد كبار ضباط المخابرات الباكستانية حسبما ينقله المؤلف ان رمزي استقر في اسلام أباد, بينما يقول محقق أمريكي انه استقر في (دار آمنة) قدمها له أصدقاؤه في كراتشي من أعضاء جماعة (سباع الصحابة) الأصولية. في 23 يناير 1995 تحرك رمزي يوسف باتجاه ما وصفه المؤلف بأنه الخطأ القاتل. حيث اتصل بصديقه من جنوب افريقيا اشتياق باركر وقابله في اسلام أباد وأبلغه بأنه يعد مع أصدقاء له لاختطاف السفير الفلبيني في بانكوك للضغط به على مانيلا للافراج عن عبدالحكيم مراد. وبتوجيهات من رمزي مضى باركر في 30 يناير 1995 من اسلام أباد إلى بانكوك حاملا حقائب تضم نسخة طبق الأصل من المعدات التي سيحملها رمزي عبر الطريق نفسه, ربما لاختبار ما إذا كانت السلطات ستحظر نقل السوائل, حيث ضمت الحقائب ساعتين وبطاريات وقطنا حارقا وكبسولات تضم مادة غامضة في شكل ذرور يعتقد انها تي. ان. تي وسائل النتروجلسرين في زجاجات عدسات لاصقة. في اليوم التالي مضى باركر إلى مطار بانكوك حيث استقبل رمزي الذي وصل بالطريقة ذاتها التي اختبرها باركر وبرهنت على انها آمنة, واستقر الرجلان في غرفة باركر بفندق جريس للاستعداد للمرحلة التالية. هنا لا ينسى المؤلف أن يذكرنا بأنه في ضوء مطاردة ال(سي. آي. ايه) ومكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي والمخابرات الباكستانية والانتربول ومعظم أجهزة مخابرات آسيا لرمزي يوسف فإن سلوكه في بانكوك لا يمكن إلا أن يكون مذهلا. ويفسر المؤلف هذا السلوك بأنه راجع إلى الايمان الملئ بالصلف والغرور من جانب رمزي بعبقريته وهو ما جعل غريزة الحفاظ على النفس تتآكل لديه إلى حد التلاشي. من منظور المؤلف ان الخطأ القاتل الذي ارتكبه رمزي يوسف وأدى به إلى الوقوع في قبضة - أو بالأحرى قبضات مطارديه - هو انه ضغط على باركر للمشاركة في مشروعاته بشدة في الوقت الذي كان الرجل واقعا من ناحية أخرى تحت ضغط مقابل هائل هو مبلغ المليوني دولار والوعد بالاقامة في الولايات المتحدة وبهوية جديدة ضمن برنامج حماية الشهود الأمريكي. ويرى المؤلف انه كان ينبغي على رمزي يوسف, وهو عبقري المتفجرات بحسب اجماع كل من يعرفه, ان يدرك ان هذا المزيج من الضغوط لا يمكن إلا ان يكون متفجرا, وان رمزي نفسه سيذهب ضحية الانفجار هذه المرة. الاسرائيليون يفلتون بجلودهم هنا, عند هذا المنعطف الشائك من مسار رمزي يوسف يحدثنا المؤلف, نقلا عن محققين باكستانيين بأن الرجل خطط لارسال اثنين من مساعديه الباكستانيين وشاب تايلاندي كان قد قابله في بانكوك لنسف مقر السفارة الاسرائيلية في نيودلهي والقنصلية الاسرائيلية في بومباي. غير ان المؤلف لا يحدد لنا بالضبط كيف أفلت الاسرائيليون بجلودهم من هذين الانفجارين. وبالمقابل فإن سيمون ريف يحدثنا بالتفصيل عن تردد اشتياق باركر في تنفيذ تعليمات رمزي يوسف الذي أمره بشحن حقائب على متن طائرات أمريكية تضم متفجرات تم توقيتها للانفجار في الجو لكن باركر فيما يبدو خشي من القاء القبض عليه فعاد ليبلغ رمزي بأن شركات النقل تطلب جوازات السفر وبصمات الأيدي كجزء من معاملات الشحن فأعفاه رمزي من المهمة. وينقل المؤلف عن اشتياق باركر ما يبدو لنا تبريرا لقبلة يهوذا التي كان يوشك ان يطبعها على رمزي يوسف فهو يقول: لم تعجبني الحقيقة القائلة انه كان يرغمني على القيام بما لا أريد فعله, وعندما رفضت أبلغني بأنني يتعين علي تنفيذ ما يكلفني به من مهام لأنني جزء من منظمة وضالع في أنشطة تخريبية في هذا العالم. يصف المؤلف قول رمزي هذا بالابتزاز الأحمق الذي قضى عليه, لكن المؤلف لا يلقي ما يكفي من الضوء على حقيقة ان المكافأة البالغة مليوني دولار هي التي جعلت باركر يلتقط سماعة الهاتف في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والاربعين ويتصل بالسفارة الأمريكية في اسلام اباد ويبلغ عامل المقسم فيها بأن لديه معلومات مهمة عن (ارهابي) وعلى الفور حولت المكالمة إلى جيف راينر, العميل بالخدمة السرية الدبلوماسية التابعة للخارجية الأمريكية والذي أبلغه باركر بأنه يعرف رمزي يوسف أكثر رجل مطلوب في العالم والذي يرسم لعملية نيويورك, وبالطبع لم ينس ذكر مكافأة المليوني دولار التي قرأ عنها في مجلة (نيوز ويك) . وسرعان ما جاءت التعليمات من واشنطن إلى راينر وزميله بيلي ميللر بلقاء باركر والتدقيق في الموضوع بحذر, فرتبا لقاء معه في منطقة آمنة غير بعيد من السفارة وسرعان ما اقتنعا بأن معلومات باركر يمكن تصديقها وقد تؤدي إلى وقوع الطير الهارب في الشبكة الأمريكية. بنازير على الخط يصف سيمون ريف فيما يمكن اعتباره نزولا للقافية مع القارئ ـ معلومات باركر بأنها كانت بمثابة شحنة ديناميت, فقد أبلغ الأمريكيين بأن رمزي بالتأكيد لا يزال في اسلام أباد, ولكنه لا يدري اين بالضبط وان لم يكن من الصعب عليه في وقت لاحق. وأخيرا اتصل باركر في 6 فبراير 1995 بـ (أصدقائه) الأمريكيين وقال للعميل ميللر ان رمزي تم رصده في المدينة لكنه يوشك على المغادرة بالحافلة إلى بيشاور في شمال غرب باكستان, والتي تعد بوابة لأفغانستان, وينقل المؤلف عن مصادر مخابرات لم يحددها اعتقادها بأن رمزي يوسف كان يعتزم الانطلاق من بيشاور عبر ممر خيبر إلى أفغانستان فقد يمر أسبوعان أو ثلاثة قبل ان يطل في الأفق من جديد, وفي غضون ذلك ستكون أخبار خيانة باركر له قد ترسبت, فيعرف ان البيوت الآمنة التابعة لأصدقائه في اسلام اباد تحت المراقبة, وعندئذ ربما يختفي إلى الأبد. هنا بالضبط تظهر رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو على الخط, فقد وجد الأمريكيون انه ليس هناك من الوقت ما يتيح لهم انتظار فريق العشرين رجلا الذي تشكل خصيصا لهذا الغرض في الولايات المتحدة, وبالتالي تم تشكيل فريق أمريكي على طريقة (بمن حضر) وكان لابد لهذا الفريق من ان يحظى بتعاون رسمي باكستاني على أعلى المستويات. وينقل سيمون ريف في صفحة 103 من كتابه قوله ان بنازير بوتو لم يساورها الكثير من الشكوك حول أهمية التعاون مع الأمريكيين في القاء القبض على رمزي يوسف, وهو يقتطف نقلا عنها ما نصه حرفيا: (لقد اعتقدت ان الاسلاميين في باكستان خطر على باكستان وعلى العالم الاسلامي وشعرت بأن ما يتعرض للخطر ليس ازدهار باكستان, وانما ازدهار العالم الاسلامي بأسره, وأحسست بذلك بقوة, واعتقد ان رمزي يوسف كان ارهابيا مهما, ولكنه كان جنديا في مجموعة أوسع نطاقا, وما كان يمكن ان نسمح لجماعات هامشية بأن تملي علينا برنامج عملنا) . لم يكن الأمريكيون هم وحدهم الذين يخططون, فقد كان على رمزي يوسف ان يعالج بعض القضايا قبل ان يستطيع الانطلاق إلى بيشاور, ولذا قرر البقاء ليلة أخرى في اسلام أباد. وكانت تلك ـ كما يقولون ـ هي الليلة الحاسمة. صباح الفل يا عسل! في حوالي الرابعة والنصف عصرا وصل رمزي يوسف في السادس من فبراير إلى لوكاندة سوكاسا المتواضعة المؤلفة من طابقين في اسلام أباد حاملا حقيبتين, ودفع لموظف الاستقبال المنوب عشرين جنيها استرلينيا لقضاء ليلة في غرفة بالطابق الثاني وعلى الرغم من ارهاقه الواضح إلا انه رفض بتهذيب ان يحمل أحد غيره حقائبه إلى الغرفة التي سينزل بها. وأمضى الساعات الخمس التالية في الغرفة وأجرى اتصالين هاتفيين ببيشاور والعديد من الاتصالات الهاتفية مع أشخاص في اسلام أباد, وفي الثامنة والنصف وصل صديق عربي له وخرجا معا, واختفيا لمدة ساعة, وعاد رمزي يوسف في التاسعة والنصف ومضى إلى غرفته مباشرة ومكث فيها حتى الصباح. راقب عملاء المبنى الأبيض الصغير المؤلف من طابقين تحسبا لاحتمال خروج رمزي يوسف مبكرا, وصدرت لهم الأوامر باستخدام كل الوسائل, بما في ذلك القوة لالقاء القبض عليه إذا حاول مغادرة المكان. كان برادلي جاريت, وهو عميل خاص في مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي يحمل درجة الدكتوراه في علم الاجرام, قد وصل إلى اسلام أباد في صبيحة السابع من فبراير, وانطلق مع اشتياق باركر والتعزيزات التي أمدته بها السفارة الأمريكية واقترب من اللوكاندة في سيارة فان في التاسعة والربع من صباح ذلك اليوم, فقد حان الوقت ليبرهن باركر على استحقاقه للمليوني دولار اللذين ينتظرانه, حيث كانت الخطة تقضي بأن يمضي باركر إلى اللوكاندة للتأكد من ان رمزي يوسف موجود هناك بالفعل. وهذا ما فعله باركر فقد مضى إلى الغرفة رقم 16 وتحدث قليلا مع رمزي يوسف وعاد لعبور الشارع ولم يقم بأي شيء إلا نزع قبعته وتمرير أصابعه في شعره, تلك بالضبط كانت الاشارة المتفق عليها مسبقا بينه وبين الفريق الأمريكي المطعم برجال المخابرات والشرطة الباكستانية. انطلق الفريق ومعاونوه صاعدين على الدرج إلى الغرفة رقم 16 وهناك جثموا في البهو المظلم أمام غرفة رمزي يوسف وطرق أحد الجنود على باب الغرفة الملون, ونظر رجال الفريق أحدهم إلى الآخر في قلق وهم لاي عرفون ما الذي يتعين عليهم توقعه على وجه الدقة في اللحظات المقبلة. خلافا لما عودتنا عليه الأفلام الأمريكية من قيام (البطل) الأمريكي من القاء تحية ساخرة على ضحيته من نوعية (صباح الفل يا عسل!) وما إلى ذلك من أقوال فإن كل ما حدث هو ان رمزي يوسف الذي كان جالسا على أحد السريرين حافيا قد نهض إلى الباب وهو بالكاد مستيقظ ولا يكاد يرى ما أمامه وفتحه, فدفعه أعضاء الفريق إلى الداخل وانقض عليه رجلان دفعا بوجهه إلى الأرض واجتذبا يديه وراء ظهره بينما صرخ به باقي أعضاء الفريق الذين تزاحموا في الغرفة (امكث حيث أنت! لا تتحرك لا تتحرك!) ووجهت ترسانة أسلحة بكاملها إلى رأسه وباقي بدنه, ودفع ضابط باكستاني بالقيد الحديدي ليحكم تطويق يدي رمزي به, ويرفعه عاليا ويلطمه بعنف بجدار الغرفة. دوى صوت الضابط الباكستاني وهو يقول لراينر: (هل هذا هو الرجل الذي تريده؟) . انتزع راينر صورة لرمزي من جيبه وأمسكها إلى جوار وجه الرجل المقيد الذي تسطح من جراء لطمه بالأرض والجدار, وحدق فيه ومركزا على شفتيه وأذنيه, ثم دقق في أصابعه التي أحرقتها الأحماض, وآثار الاحتراق حول عينيه, لم يكن هناك شك في ان الطير قد وقع, أخيرا, في الشبكة التي راوغها طويلا. ولكن ما هي جذور هذا الرجل حقا؟ من أين جاء؟ أين تعلم؟ ما هي خلفيته العقيدية,؟ كيف شق طريقه إلى أمريكا؟ ولماذا اختار طريقه حياة تجعله مطاردا من أشد الأجهزة عتوا وشراسة.