تأليف: سيمون ريف عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين يستهل المؤلف سيمون ريف كتابه بايضاح فكرته الرئيسية التي تشكل العمود الفقري لهذا العمل, والتي سيتصدى على امتداده لتفسيرها ومحاولة البرهنة عليها, فمن وجهة نظره من العبث أن تحاول أمريكا اعتقال أسامة بن لادن, على نحو ما حاولت ونجحت في اعتقال رمزي يوسف, وذلك لان آخرين سيمضون على دربهما, فهما ليسا إلا أول رجلين من نوعية جديدة من رجال الحركة السياسية أطلقت في مواجهة الغرب. وهو لا يتردد في وصف هؤلاء الرجال بالارهابيين الذين سممهم الحقد السياسي, ويضفي عليهم لقب (أبناء آوى الجدد) الذي اختاره عنوانا لكتابه, مستلهما وصف كارلوس بابن آوي. ويشير إلى انهم لا يزعجهم اللجوء إلى القتل الجماعي فهم خطرون وملتزمون بما عقدوا العزم عليه شأن أي مجموعة من الارهابيين واجهها العالم. ومن الواضح ان هذا الطرح ينبع من حكم قيمي اعتمده المؤلف وجعله بمثابة الحقيقة المطلقة التي تبزغ كشمس تضىء العالم الذي يمضي بنا إليه. ولكن كيف يقنعنا المؤلف بأن هذا العالم ليس إلا وليدا للوهم السياسي تماما كتصورات البعض في أمريكا التي يهاجمها ريف والقائلة بأن اعتقال بن لادن أو اغتياله من شأنه أن يسدل النسيان على كل ما يمثله؟ أول ما يدهشنا ان المؤلف لن ينبري لتقديم أدلة ووقائع وبراهين منطقية على ما اعتمده أطروحة أساسية, وإنما هو في الواقع شأن الكثير من كتاب صحافة التحقيقات يؤثر أن يبدأ معنا بحكاية يقدمها كأنها فاتح شهية ليسيل لعابنا ونلتهم الوجبة أو ان شئت فقل (الطبنجة) التي يعدها لنا, فلنبدأ المسيرة إذن متسلحين برصيدنا من المعلومات... ومن الوعي أيضا. أصل الحكاية شأن راوية بارع, يبدأ مؤلفنا مما يتصور انه جذور الحكاية التي سيرويها, والجذور التي يحكي عنها هي جذور ما يقول انه موجة من الارهاب المتطرف, يرى انه من الممكن تتبعها وصولا إلى جبال المناطق القاحلة في أفغانستان, فبعد أن غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان في 1979 انطلق آلاف من الشبان المسلمين من مختلف أنحاء العالم للقتال مع المجاهدين الأفغان. وعلى امتداد أكثر من قرن تسلحوا بأسلحة قدمتها بعض الدول العربية بالاضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا. ولكن بعد أن لقي السوفييت هزيمة مريرة في أفغانستان توقف هذا الدعم وترك الآلاف من الشبان الذين عرفوا باسم (العرب الأفغان) ليتدبروا شأنهم بأنفسهم. ولما كانوا مسيسين إلى حد كبير ولا ينقصهم الحماس فقد مضوا يبحثون عن أعداء جدد في بلادهم وفي مختلف أرجاء العالم. وينقل المؤلف عن أولفر ديفيل نائب الرئيس السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي قوله: (الأمر يمثل مفارقة كبيرة, في ضوء ان الولايات المتحدة هي التي قدمت الدعم اللوجستي والتدريب والأسلحة لجانب على الأقل من المجاهدين) . هل هذا كله يبدو مألوفا للقارئ؟ هل يذكره بشيء سبق أن قرأه وسمعه وطارده صباحا ومساء كطنين الذباب؟ طبعا, فهذه هي نفسها الاسطوانة المشروخة إياها التي تحاول رسم صورة لعشر سنوات من النضال ضد السوفييت على الأرض الأفغانية وكأنها اختراع أمريكي بينما تعرف ان أسامة بن لادن أكد ان (العرب الأفغان) لم يتلقوا شيئا من أمريكا, وان ما وصلهم كان من مصادر عربية بصورة كاملة. ولكن دعنا لا نقفز إلى النتائج ولا نحكم على القصيدة بأنها كفر من أولها ولنر ما يبادر المؤلف إلى طرحه عند هذا المنعطف الاستهلالي من كلامه الذي لا يستطيع أحد الزعم بأنه يعكس براعة الاستهلال حتى في حدودها الدنيا. يقول سيمون ريف إن رمزي يوسف كان أحد الشبان الذين تدربوا على القتال في أفغانستان ثم انطلق في مواجهة مع العالم بأسره. وكان أسامة بن لادن أحد القادة, وهما معا يجسدان ما يصفه بالتهديد الارهابي الجديد الذي يواجه الغرب. وينقل المؤلف عن رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو قولها: (الأمر كله جاء نتيجة للحرب الأفغانية حيث جرى الكثير من التلقين العقيدي, حيث قيل للمقاتلين من المسلمين في أفغانستان انهم إذا تسلحوا باليقين فلن يحتاجوا إلى أي شيء آخر ليقضوا على القوى العظمى, ودفعوا إلى الاعتقاد بأن بوسعك القضاء على كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة والعالم بأسره. وبعد طرد الاتحاد السوفييتي من أفغانستان شعروا بأن لديهم القدرة على طرد أمريكا بدورها) . وبلهجة العارف يقول المؤلف إن السي. آي. ايه لديها اصطلاح للتعبير عن مثل هذه الأحداث التي تستعصي على امكانية التنبؤ بها مسبقا, وهذا الاصطلاح هو (بلوباك) أو ان شئت فقل (الضربة المرتدة) . ولا يتردد في أن ينقل عن ضباط هذا الجهاز سيئ الصيت قولهم إن (العرب الأفغان) أصبحوا يشكلون (مشكلة تخلص) . وفي هذا الصدد يقول ريتشارد ميرفي المساعد الأسبق لوزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في عهد ريجان ما غيره:(لقد أوجدنا مسخا في أفغانستان) . ما الذي يعنيه بالضبط هذا الرجل الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في عدد من أبرز الدول العربية وشكل بؤرة لإدارة الأحداث في المنطقة في وقت من الأوقات. انه يقول على بلاطة, والمؤلف هنا لا ينقل عنه لمجرد الصدفة, ما معناه انه بعد انسحاب السوفييت من افغانستان مضى العرب الافغان يتطلعون حولهم باحثين عن اهداف اخرى, واستقر رأي اسامة بن لادن على القول ان امريكا هي مصدر الشر. قبضة من الاسئلة لكن من هم (العرب الافغان) بالضبط وما هو قوام قوتهم؟ وما سر هذا الاهتمام الامريكي الاستحواذي بهم؟ ولماذا يتصور الامريكيون انهم يقفزون إلى عربة الاحداث في كل الدنيا بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها؟ لمعرفة حجم الاهتمام الامريكي نشير إلى ما يقتطفه المؤلف من اقوال تشارلز كوجان رئيس عمليات السي. آي. ايه في الشرق الادنى وجنوب اسيا بين 1979 و1984 ـ وخد بالك من ان المؤلف لديه ترسانة بكاملها من هذه الاقوال وهو لا يدخر جهدا في توظيفها ـ من ان (الامر كان صدمة حقا, فافتراض ان المجاهدين سيحضرون إلى الولايات المتحدة ويرتبكون اعمالا ارهابية لم يدخل آفاق كون تفكيرنا في ذلك الوقت, فقد كنا منشغلين تماما بالحرب ضد السوفييت في افغانستان, وما حدث هو نتيجة مهمة وغير مقصودة. اما فيما يتعلق بقوام (العرب الافغان) فان المؤلف يشير إلى ان الآراء والتقديرات تختلف وتتشابك في هذا الصدد, وينقل عن احد المصادر وهو مسئول كبير سابق في السي. آي. ايه ان عددهم قريب من 17 الف رجل بينما مجلة (جينز انتلجنس ريفيو) البريطانية التي تحظى بكثير من التقدير تقدرهم بحوالي 14 الف رجل من بينهم الفا مصري وحوالي 2800 جزائري و3000 يمني و400 تونسي و370 عراقيا و200 ليبي بالاضافة إلى عشرات الاردنيين. ومن وجهة نظر المؤلف فان بعض هؤلاء الرجال هم اليوم الذين يقفون وراء جانب كبير من الارهاب الدولي الذي يهدد الغرب, بينما عاد اخرون فيهم من افغانستان إلى بلادهم لبدء حركات حرب عصابات أو لقيادتها ضد حكومات يرونها متناقضة مع النموذج الذي يسعى اليه منظروهم ومفكروهم. ويمضي سيمون ريف بهذا التصور ليجعل منه ما لا يقل عن ظاهرة عالمية, اي والله, فالرجل يقول لنا, ولسنا ندري من اين اتي بهذا الرقم ان (العرب الافغان) حملوا هذا النوع من الحروب إلى ما لا يقل عن 25 دولة في مختلف ارجاء العالم, والطريف انه عندما يضرب امثلة على هذه الدول لا ينسى ان يدرج بينها الولايات المتحدة ما غيرها. بالطبع, رد القارىء لا يمكن الا ان يكون: الله المستعان على ما تصفون, ولكن ما علينا, دعنا نسأل المؤلف عن امثلة من هذه الدول التي تسد عين الشمس. سيمون ريف يبادر على الفور فيرد قائلا: خذ عندك, يا سيدي, هناك على سبيل المثال لا الحصر حالة الشيشان. وعندما تهتف به: اتق الله يا رجل! إن تأثير العرب الافغان في الشيشان قطرة من بحر في بلاد تعود تقاليدها الكفاحية إلى قرون خلت من الصدام بين ابناء الشيشان ومهندسي روسيا القيصرية وصناع القرار فيها, ستجد أن المؤلف ينظر اليك ببرود وهو يرد مردفا كلامه بالعد على اصابعه: لديك ايضا بورما (أي والله بورما ما غيرها وليس هناك خطأ في الكتاب أو ضعف في نظرك) , والصين (يا عيني) وفرنسا (يا سيدي, قل كمان) وبريطانيا و... من حقك هنا ان تقاطع المؤلف وقد ضاق صدرك ونفد صبرك قائلا: كفاك عدا على اصابعك واعطني نموذجا واحدا متماسكا وجديرا بالمناقشة يمكن ان يؤكد وجهة نظرك. يهتف سيمون ريف بلهجة المنتصر الذي اوقع خصمه في فخ لم يكن يحسب له حسابا: اليك, يا صاحبي, النموذج الجزائري! ومن وجهة نظر المؤلف فان اقوى تأثير للعرب الافغان هو ما حدث في الجزائر, فهو يرى أنه بعد ان الغت الحكومة الجزائرية الانتخابات العامة في عام 1992 والتي ساد فيها التنبؤ بفوز الاصوليين عاد حوالي 900 من العرب الافغان الذين صقلتهم المعارك إلى الجزائر في ثلاث موجات متوالية, استمرت حتى عام 1994 وشكلوا جوهر صفوف المتشددين الجزائريين الذين يحملهم المسئولية مع القوات الحكومية الجزائرية عن المذابح الرهيبة التي عرفتها الجزائر, حيث يعتقد ان اكثر من 65 الف نسمة قد قضوا نحبهم هناك في غمار عمليات العنف السياسي التي اندلعت منذ عام 1992. هنا يلفت المؤلف نظرنا, مشكورا إلى أن تطرف هؤلاء الناس كان رهيبا وانه يتعين علينا ان نلاحظ ان الارهاب في السبعينيات والثمانينيات قد تألف إلى حد كبير من اعمال جماعات يسارية متطرفة في اوروبا وامريكا الجنوبية لها اهداف يمكن تحديدها بغض النظر عن قابليتها للتحقق من عدمه, اما النوعية الجديدة من الارهابيين ـ والوصف لايزال للمؤلف ـ فانها لها اهداف محدودة, فكل ما تريده هو القتل وانزال العقاب على ما تعتقد انه امبريالية غربية واستبداد عالمي بالمسلمين. وهو لا ينسى هنا ان يلجأ إلى الحيلة الجديدة ـ القديمة باخراج مقتطفات من اقوال اسامة بن لادن من سياقها والقيام بليها ليجعل منها ادانة للرجل من فمه, وهو في هذا الصدد يعتصر اقوالا وتصريحات لاسامة بن لادن حول الجهاد ليخرج منها برسالة للرأي العام بأن الامريكيين مستهدفون والمطلوب رأسهم وابادتهم عن بكرة أبيهم! ويقول سيمون ريف في هذا الصدد ان ابن لادن يتحمل المسئولية عن حرب سرية يجري شنها ضد الغرب, بدأت في مستهل التسعينيات ولا يبدو في الافق مؤشر يذكر على انحسارها, ويقول ان امريكا ربما تظن انها بشنها عملية (الوصول المطلق ضد اسامة بن لادن باطلاق 80 صاروخا من طراز توما هوك من خمس سفن حربية في بحر العرب وسفينتين في البحر الاحمر على معسكرات تابعة له في افغانستان قد حالت دون وقوع فظائع في غمار عمليات تفجير مقبلة, ولكن صواريخها بدأت حرب لا سبيل إلى احراز النصر فيها مع الراعي الرئيسي للارهاب. لعبة الثلاث ورقات من جراب سحري لسنا ندري من اين يستمد ما يحويه يستل المؤلف معلومة قوامها ان ابن لادن يتولى قيادة جيش من الارهابيين قوامه خمسة آلاف رجل, يبدو جميعا على استعداد للقتل والموت من اجل القضية التي يتحمسون لها. ولكن من هم هؤلاء الجنود المزعومون في هذا الجيش الخيالي؟ الاجابة التي سيخرج بها المؤلف تحدثنا بالكثير عنه, وتقول لنا انه كما يتحدث عن جيل جديد من الارهابيين, فان بوسعنا ان نتحدث عن جيل جديد من المؤلفين يضع احدث تقنيات المعلومات في خدمة لعبة الثلاث ورقات, فهو يشير إلى أن جنود جيش اسامة بن لادن هم رجال مثل رمزي يوسف, الذي يعد النموذج والقدوة لنوعية جديدة من الشباب الارهابي. ولكن ما هي بالضبط صفات هذه النوعية الجديدة من الشباب؟ ولماذا يرى المؤلف في ظهورها تطورا على مثل هذا القدر الكبير من الخطورة؟ يشير المؤلف إلى المجموعة التالية من الصفات التي تتسم بها هذه النوعية من الشباب: * انهم جميعا في مقتبل العمر وينتمون حصرا إلى فئة الشباب. * ان الحماس الشديد للقضية التي يتبنونها يشكل القاسم المشترك الاعظم الذي يجمع بينهم. * انهم يتمتعون بقدر ليس باليسير من المهارة الفنية يصل إلى مستويات رفيعة في بعض الأحيان. * انهم مصممون على جعل الارهاب السلاح الذي ينالون به من الغرب. هكذا فإنه حيثما يمضي رمزي يوسف يتبعه الألوف ممن يشاركونه طريقة التفكير وفي التصورات الذهنية والرؤية العقيدية. ويرفع المؤلف الصوت عاليا من أن هناك آلافا من الشبان المسلمين المتشددين يجري تدريبهم الآن لخوض غمار هذه الحرب. ولا ينسى المؤلف أن يضفي على تنظيراته هذه لمسة سحرية يراها فعالة وذلك من خلال اقتطاف أقوال باحثين ينتمون إلى عالمنا العربي, فهل ينقل عن ضياء رشوان, الباحث بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لـ (الأهرام) قوله عن الشباب الذين يشكلون جنود هذا الجيش الذي يقول بوجوده انهم (جاء معظمهم من الجامعات, وهم عصريون, ويستخدمون وسائل حديثة. والأمريكيون يتخيلون انهم أناس جاءوا من القرون الوسطى, لكنهم ليسوا كذلك) . ويمضي سيمون ريف في تحذيراته مشيرا إلى ان الكثير من المتطرفين يتجمعون تحت قيادة أسامة بن لادن, ولكن إذا تم اغتياله أو أسره فإن ذلك لن يردعهم ولن يمنعهم من أداء مهمتهم, فهم لن يلبثوا أن يعودوا إلى التجمع لمقاتلة ما يرون انه امبريالية أمريكية, وهم يعرفون ان مهمتهم بسيطة, وهي مهاجمة الغرب ومعاقبته بالرصاصات والقنابل. دوائر الحكي تماما كما في ألف ليلة حيث تفضي بك الحكاية إلى حكاية أخرى تفوقها تعقيدا واسترسالا, وهذه بدورها تقودك إلى حكاية ثالثة لا لشيء إلا وتجدها تتفرع إلى حكاية رابعة, يمضي بنا مؤلف هذا الكتاب من حكاية الجذور ليروي لنا حكاية الدوي الذي زلزل الأفق. وهذه الحكاية الأخيرة لا تعدو ان تكون حكاية تفجير المركز التجاري العالمي في نيويورك في 26 فبراير عام 1993. والمشهد الافتتاحي في الحكاية هو قافلة سيارات صغيرة تنطلق في شوارع جزيرة مانهاتن في نيويورك تتقدمها في الرابعة من فجر ذلك اليوم سيارة فان من طراز فورد إيكونولاين يقودها رمزي يوسف وتحتوي في سعتها البالغة 295 قدما مكعبا متفجرات يبلغ اجمالي زنتها ألفي رطل. وتليها سيارة لنكولن يستقلها محمود أبو حليمة وسيارة ثالثة يقودها محمد سلامة. غير ان هذه القافلة الصغيرة التي تتوقف عند محطة للتزود بالوقود لن تمضي إلى هدفها في ذلك الصباح البارد, وإنما سنعود لنلتقي بها في وقت لاحق من اليوم نفسه وهي تنطلق نحو مرأب مخصص للعاملين في مبنى المركز التجاري العالمي, وهو في الواقع مجمع هائل يضم سبعة مبانٍ ويرتفع إلى 107 طوابق كاملة أي حوالي ثلث ميل نحو السماء ويخدمه 250 مصعدا ويفخر بهوائي هائل يقفز بارتفاعه إلى اجمالي يصل إلى 1710 أقدام فوق مستوى سطح البحر. وتدور دائرة أخرى للحكي ينقلنا المؤلف فيها إلى رمزي يوسف وهو يشعل بقداحته الرخيصة أسلاك التفجير التي تمتد 20 قدما والتي ستستغرق 12 دقيقة في الاحتراق قبل أن يدوي الانفجار الهائل. وهكذا بعد الاشعال يعود رمزي يوسف ليستقل السيارة الحمراء التي كانت تتبعه في القافلة الصغيرة وينطلق بها في حرص إلى مخرج المجمع ثم تكون المفاجأة عندما يكتشف ان هناك سيارة فان تسد المدخل وتقطع عليه طريق الهرب, لكن سائقها يصيح به انه سيغادر بعد لحظات قلائل, وخلال دقيقتين يغادر رمزي يوسف المركز التجاري عائدا إلى زحام شوارع مانهاتن. آن أوان الانفجار في الساعة الثانية عشرة والدقيقة السابعة عشرة والثانية السابعة والثلاثين, حيث احترق أحد فتائل الاشعال حتى نهايته فأشعل البارود الموجود في رأس العبوة الناسفة, وفي جزء من الثانية انفجرت الرأس مولدة ضغطا يصل إلى 15 ألف رطل على البوصة الواحدة, وهو ما أشعل بدوره حاوية النيتروجلسرين الأولى في العبوة الناسفة مما ولد ضغطا وصل إلى 150 ألف رطل على البوصة الواحدة, وبدوره أشعل النيتروجلسرين صناديق من الورق المقوى تحتوي على حاويات تضم مجموعة أخرى من المواد شديدة الانفجار. في جزء من الثانية دوى انفجار هائل متسعا في كل الاتجاهات وممزقا السيارة الفان والمكاتب القريبة ومنطلقا كعملاق هائل استيقظ من نومه ليرتفع مارا بخمسة طوابق كاملة, وعلى الفور قتل ستة أشخاص وجرح 1042 شخصا ليتحول هذا الانفجار إلى أكبر حدث أدى إلى تدفق الضحايا على المستشفيات الأمريكية منذ انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية. ومن الناحية المادية كان الضرر الذي أحدثه الانفجار كبيرا, حيث تهاوت كتل ضخمة من الاحجار بحجم سيارات صغيرة إلى الحفرة الهائلة التي أحدثها الانفجار في أسفل المجمع وظلت تتهاوى حتى بعد وقت ليس بالقصير من الانفجار. مطاردة اللغز وكأنما بقوة الفراغ اتجهت مسئولية مطاردة علامات الاستفهام المرعبة التي أثارها الانفجار إلى نيل هرمان العميل المشرف الخاص بمكتب التحقيقات الفيدرالي والمسئول عن القوة المشتركة لمكافحة الارهاب التي يقودها المكتب حيث كان جالسا في مكتبه بالطابق الثامن والعشرين من المقر الرئيسي للمكتب في نيويورك, وكان عليه التعاون مع هذا الانفجار - اللغز استنادا إلى خبرة في مواجهة العمليات الارهابية تعود إلى أوائل السبعينيات. وكان على نيل هرمان ورئيسه جيمس فوكس, مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي المسئول عن مكتب نيويورك ان يجيبا عن سؤال محدد: من الذي يقف وراء هذا الانفجار؟ يشير سيمون ريف إلى انه مع اجراء التحقيقات الاولية برزت ثماني نظريات في تفسير الانفجار - اللغز بالاضافة إلى الطرح الاولي عن مسئولية جيش التحرير الصربي عن هذا العمل الذي استهدف قتل عشرات الآلاف من الامريكيين. وهذه النظريات هي كالتالي: 1ـ اغتيال الرئيس: هذا هو التفسير الذي قفز فورا إلى الاذهان لان الخدمة السرية الامريكية المسئولة عن حماية الرئيس الامريكي يقع مقرها في نيويورك في مجمع المركز التجاري العالمي. 2ـ اغتيال عمدة نيويورك: فقد كان من المقرر ان يترك العمدة ماريو كومو سيارته في المستوى الثاني من المبنى لحضور اجتماع به لكنه الغى الاجتماع في اللحظة الاخيرة. 3ـ المقدونيون: لم يكن الصرب يشكلون الصلة البلقانية الوحيدة وانما كان هناك المقدونيون كذلك حيث اعلن متحدث يعتقد انه مقدوني المسئولية عن الحادث. 4ـ العراق: تصور البعض ان الانفجار هو الرد العراقي على القصف الامريكي لفندق الرشيد في 17 يناير 1993. 5ـ مصر: اشار مسئولون في السي. آي. ايه, والخارجية الامريكية إلى احتمال وجود صلة بين انفجار وقع في مقهى بالقاهرة واودى بحياة اربعة اشخاص وبين انفجار نيويورك. 6ـ الاجرام: طرح البعض تصور ان عصابات ذات اهداف اجرامية تقف وراء الانفجار. 7ـ المبنى نفسه: فقد اجرت شرطة نيويورك تحقيقا مطولا حول امكانية ان يكون المبنى في ذاته هو المستهدف. 8ـ الاسلاميون: اتجهت انظار البعض في دوائر التحقيق إلى التشابه في اسلوب العمل في الانفجار وبين عمليات تفجير عبر البحار تم الربط بينها وبين عناصر اسلامية متشددة. هنا ينطلق بنا المؤلف في منعطف جديد لا يقل تعقيدا عن سابقه نواجه فيه عملية المطاردة على امتداد العالم التي حشدت فيها امريكا كل قدراتها, فإلى اين امتدت خيوط هذه المطاردة؟