مع ان المراقبين يجمعون على الاهمية الكبيرة للانتخابات التشريعية الايرانية الاخيرة، الا ان زوايا الرؤيا تختلف باختلاف المصالح والتوقعات والرهانات، ولعل العاصمة الايرانية طهران هي اكثر من يدرك هذه الحقيقة وهي تسعى بالتالي الى اعطاء هذا الحدث المكانة التي يستحقها في الداخل والخارج دون مغامرة او انجرار الى مواقع غير مرغوبة او غير محسوبة ونظرا لمسارعة كل الاطراف المعنية بالحدث الى تحليله وتفسيره، ومحاولة تطويعه ان امكن بما يخدم مصالحها، فان القراءة الموضوعية الدقيقة والبعيدة عن الهوى والغرض تصبح اكثر صعوبة، رغم اهمية هذه القراءة بالنسبة للعرب عموما ولمنطقة الخليج العربية خصوصا بفعل تشابك المصالح والجغرافيا والتاريخ، وقوة التأثير المتبادل بين الجيران الايرانيين والعرب، وتأثير العلاقات المتبادلة بقوة على الصعيدين الاقليمي والدولي. ونظرا لمكانة وامكانيات وموقع ايران، فإن كل القوى الاقليمية والدولية تبدي اهتماما شديدا بهذه الانتخابات قد لا يقل عن الايرانيين انفسهم، لكن الرصد الدقيق لردود الافعال يؤكد انه خارج النطاق العربي والاسلامي تأتي الولايات المتحدة واسرائيل واوروبا على رأس قائمة المنشغلين بالحدث وبآثاره قصيرة وطويلة المدى على الخيارات والتوجهات الايرانية. ذلك ان الصراع على ايران كان دائما عاملا مهما في اللعبة السياسية الدولية، لكنه يكتسب في الاجواء اهمية مضاعفة، حيث تسعى الولايات المتحدة الى الاستئثار بمنطقة »الشرق الاوسط« وبنفط العالم وتحويل اسرائيل الى القوة الاقليمية الكبرى والوكيل المعتمد، وهذا مستحيل في ظل معارضة ايران او اي من القوى الاقليمية عميقة الجذور والقادرة على التأثير في المنطقة. ولا شك ان النظرة الى الانتخابات الايرانية بكل هذه الابعاد تبرز حقيقتها كحدث بارز محليا واقليميا ودوليا وهو ما ستحاول هذه العجالة تسليط الاضواء عليه. الثورة والدولة بعد 21 سنة من انطلاق الثورة تبدو ايران بانتخاباتها الاخيرة، تحت زعامة خامنئي وبادارة عدد من قادة الفكر والادارة وكأنها تضرب المثل بالقدرة على الانتقال الآمن والديمقراطي من أجواء الثورة بكل عنفوانها وانفعالاتها الى متطلبات الدولة بكل رصانتها واستقرارها. ويحدث ذلك في اجواء ملتهبة داخليا وخارجيا، ومع حرص شديد ومعلن من قبل كل الاطراف بمبادىء الثورة، وباصرار على تحريك الكتلة البشرية الايرانية الفاعلة، بما في ذلك الشباب والنساء، باتجاه المساهمة الجادة في تأطير »دولة الثورة« ان صح التعبير. وهذه الحقيقة عكسها الرئيس محمد خاتمي بعد انتهاء الجولة الاولى من الانتخابات، حيث قال: »اثبت ابناء الشعب استعدادهم للاصلاح في اطار الثورة، والتزامهم بالدستور، وقد تأسس الاستعداد للاصلاحات لدى الشعب وضرورة مواصلة الاصلاح داخل نظامنا الاسلامي« واضاف »نحن لا نعبأ بما يعتقده العالم الخارجي وما يقوله، والمهم ما يعتقده شعبنا وما يقوله«. العامل الداخلي اذن هو العامل الاهم في عملية الانتقال، وفي هذا المجال لا يستطيع المراقب الا ان يتوقف عند ما يرصده من الصبر الطويل والمرونة التي تصبغ حركة النخبة السياسية الايرانية، والتي اعطتها فرص النجاح والتطور والانتقال من الثورة الى الدولة رغم الصعوبة الشديدة لهذه العملية كما تؤكد التجارب العالمية، حيث كثيرا ما ادت مرحلة الانتقال في معظم الثورات العالمية اما الى ان تهلك الثورة الدولة او ان تبتلع الدولة الثورة، وهو ما لم يحدث في التجربة الايرانية رغم الضغوط الخارجية والداخلية الهائلة التي سعت الى نسف التجربة أو الانقلاب عليها من الداخل والخارج. ويمكن القول ان جهود التكيف مع التطور وضبط عملية التغيير مع المحافظة على تجييش وحيوية الشعب الايراني والحيلولة دون انكفائه او عزلته عن النظام قد مرت بمراحل عدة بداية من عهد آية الله الخميني وحتى الآن. ويمكن التأريخ لهذه العملية من تلك اللحظة التي اتخذ فيها الخميني قرار ايقاف الحرب مع العراق وتحرك خلفاؤه بالمهارة والجدية نفسها، فنجح الثنائي »خامنئي ـــ رفسنجاني« في المصالحة على القمة بين الثورة والدولة، وبينما جسد خامنئي فكر الثورة وضميرها والحارص على مبادئها واهدافها كان رفسنجاني ينجح في بناء اسس الدولة وترميم العلاقات الايرانية الاقليمية والدولية. وساعد على تحقيق النجاح ما يتوافر لايران من امكانيات مهمة، وشغف القوى الاقليمية والدولية باعادة بناء الجسور والعلاقات، واجواء حرب الخليج الثانية التي تباعدت بمركز الازمة في المنطقة بعيدا عن طهران التي نأت من ناحيتها بنفسها عن الصراع مستفيدة من »فترة امان« هي اشد ما تكون حاجة اليها في المرحلة الانتقالية الصعبة، بل واتاح لها هذا الظرف ان تتحول من مركز خطر قائم او محتمل الى مركز اعتدال يتسابق اليه الجميع، وذلك الوضع مكنها من اعادة العلاقات مع اوروبا والاندفاع في عملية التنمية والتحديث. راية الاصلاح مرحلة رفسنجاني ساهمت اذن بوضع اسس الدولة والتنمية وفتح قنوات العلاقات السوية مع الدول في المحيطين الاقليمي والدولي، وكان من الطبيعي أن تبدأ الدولة بفرض منطقها وتسعى الى توسيع هامش سيطرتها على حساب الثورة، ويساعدها على ذلك أن اجيالا شابة وصلت الى الجامعات والى سوق العمل وهي لم تعرف اجواء عهد الشاه ودوافع الثورة عليه، وكل ما يهمها بالتالي فرص عمل مناسبة والتطلع الى رفاهية تفتقدها. لكن النخبة الايرانية الحاكمة كانت محتاطة لهذه التطورات فأحاطت عمليات التغيير بضوابط تحول دون الانفلات أو اختراق معارضي الثورة لاطر الدولة، وفضلا عن اجهزة الثورة التي ما زالت قوية وفاعلة اداريا وعسكريا كانت هناك الضوابط الفكرية والقانونية فضلا عن المؤسسات الممسكة بزمام تطور النظام في قمته مثل مجلس الاشراف على تطبيق الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام. هذه الاجواء ساعدت على بروز قيادات جديدة للدولة من رحم الثورة، وتجسد ذلك في الرئيس محمد خاتمي وتياره المجدد الذي تمكن من الوصول الى رئاسة الجمهورية عبر انتخابات مباشرة وتحت لواء ترسيخ دولة عصرية، واصلاحات تستجيب لتطلعات الشباب وتدفع خطوات اخرى على درب التنمية داخليا وتفتح افاقا اوسع للعلاقات السوية دوليا واقليميا، واذا كانت ايران قد نجحت خلال هذه الفترة في تحسين علاقاتها مع عدد من دول الخليج العربية فان الجائزة الاهم كانت بناء علاقات قوية مع اوروبا ساهمت بافشال السياسة الامريكية القائمة على »الاحتواء المزدوج« ضد ايران والعراق، مع اضعاف تأثير الحصار الامريكي لايران. ولقد كان خاتمي قد وصل الى الرئاسة بأغلبية كاسحة معظم قاعدتها من الشباب والنساء، وشكلت هذه القاعدة اغلبية مناسبة لبناء »حزب المشاركة« الذي قاد الانتخابات الاخيرة بزعامة اخيه »رضا خاتمي« الذي يتطابق مع الرئيس في الفكر والتوجه، الا ان تحرره من اعباء المناصب الرسمية مكنه من القيام بدور الزعامة الاكثر تحررا وشعبية وراديكالية، واتاح ذلك التفاف الايرانيين حول حزبه بمن فيهم اولئك النفر من الشباب الذين لم يعجبهم موقف رئيس الجمهورية اثناء يوليو الماضي في مواجهة العنف الطلابي بطهران. وعلى كل حال فإن شعارات »حزب المشاركة« التي تقول: »ايران لجميع الايرانيين«، »روحانية، عدالة، حرية« تحمل من المرونة ما جعلها تتسع لفكر الثورة والدولة وصالحة لتشكيل مركز التفاف عملي لمعظم الشعب الايراني، رفع هذا الحزب دعوات التحديث واستكمال بناء الدولة والمزيد من تحسين العلاقات مع دول الجوار والعالم، ولم يستثن امريكا، وان كانت تصريحات مستشاري خاتمي بوضع العلاقات مع الدول العربية في رأس الاولويات. ولعل اهم ما يلفت الانتباه ان المرشد الاعلى للثورة الايرانية علي خامنئي آثر في الانتخابات الاخيرة ان ينأى بنفسه عن جميع التيارات المتصارعة وان ينشغل بحث جميع الايرانيين على المشاركة، ولعل هذا الاصرار مضافا الى شدة التنافس ساهما برفع نسبة المشاركين بالفعل الى رقم قياسي وصل الى 80% وهي نسبة عالية جدا قياسا بالانتخابات الامريكية على سبيل المثال والتي تحوم نسب المشاركة فيها حول 40% تقريبا. ان هذه النسبة ساهمت بتدعيم مكانة النظام الايراني امام العالم الخارجي من جهة، كما دلت على حيوية سياسية عالية لدى المجتمع، واصرار على تحقيق الانتقال لبناء الدولة باصرار وفعالية، وفي ذلك يقول رضا خاتمي: »اننا لم نشكل حزب المشاركة لايران الاسلامية لمجرد الفوز بالانتخابات، ولكن لكي يكون اكبر حزب في ايران بهدف تأسيس حكم الشعب ودولة القانون« مع التأكيد على ممارسة »الحريات المشروعة« التي تضمنها الدستور. العلاقات الدولية الحكومات الاوروبية التي كانت قد تحدت واشنطن وعملت على بناء علاقات سياسية واقتصادية مع طهران، وجدت في التطورات الايرانية ونتائج الانتخابات الاخيرة دعما قويا لموقفها تجاه الرأي العام في بلدانها وتجاه الولايات المتحدة الامريكية لمنطقها في مزيد من التقارب مع ايران تحت شعار »الحوار البناء«. اما الولايات المتحدة فبدت انها مصرة على اتباع سياسة »الاحتواء« تجاه طهران، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية ان نتائج الانتخابات »مشجعة« وعبر مسئولون امريكيون عديدون عن توفر فرصة لتحسين العلاقات بين البلدين الا ان الكونجرس الامريكي اتخذ قرارا بمعاقبة الدول والشركات التي تساهم بتدعيم قوة ايران العسكرية وما اسماه »اسلحة الدمار الشامل« مما ادى لردود فعل ايرانية حادة. واذا كان العديد من القادة الايرانيين الاصلاحيين قد عبروا عن رغبتهم بتحسين علاقات ايران الدولية والاقليمية، بما في ذلك مع الولايات المتحدة، فان المواقف الامريكية دفعت هاشمي رفسنجاني في خطبة الجمعة الماضية الى انتقاد الدول الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة على »تفسيرها الخاطىء لنتائج الانتخابات« وقال مخاطبا الغربيين: »انتم لا تعرفون الثورة والشعب الايراني والاسلام، لان ما جرى في الانتخابات كان تنافسا بين افراد من عائلة واحدة«. وحتى صحيفة »مشاركة« الناطقة باسم التيار الاصلاحي قالت في مقال افتتاحي: »على الولايات المتحدة ان تبدأ قبل الادلاء بأي تصريح حول المسائل الايرانية بإزالة كافة الخطوات المتخذة ضد ايران، فأمريكا مازالت تتبنى سياسات معادية لايران، ولم تغير مواقفها سوى في مجال الاقوال فحسب.. فالهوة ما زالت واسعة بين الجانبين« هذا رغم تأكيد زعامات هذا التيار على اهتمامهم بتحسين العلاقات مع واشنطن وتعاملهم مع هذه العلاقات بمقاييس »استراتيجية لا دولية« اي تغليب منطق الدولة لا منطق الثورة الذي يصف امريكا بأنها »الشيطان« الاكبر. على ان اكثر ما يلفت الانتباه ان اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة هو اكثر من يضغط في العاصمة الامريكية باتجاه تحسين العلاقات مع ايران، ولعل هذا ما يفسر اصرار واشنطن على وضع ما تسميه »وقف دعم الارهاب، واسلحة الدمار الشامل، وعدم معارضة عملية السلام في الشرق الاوسط« كمدخل للحوار مع ايران، لكن هذه الشروط تتصادم مع منطقي الدولة والثورة معا في ايران، حيث تعني عمليا منع ايران من تطوير قدراتها العسكرية، كما تعني انهاء دورها الاقليمي الذي يعتبر من جهة من اهم عناصر قوة الدولة كما يرتبط من جهة اخرى بأساس الشرعية الثورية القائمة على »الاسلام« الذي لا يمكنه التسليم على الاطلاق بسيطرة اسرائيل على اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. كذلك فان حرص طهران على تحسين علاقاتها العربية خاصة مع العراق ودول الخليج العربي، يعني تخفيف حدة التوتر في المنطقة، والذي يعني بدوره عدم الحاجة للوجود الامريكي العسكري والاستراتيجي القوي في المنطقة، وهذا ما يتصادم في النهاية مع الاستراتيجية الامريكية المصرة على الهيمنة على منابع الطاقة كاحدى اهم عناصر قوتها الدولية من جهة وحماية امن اسرائيل الذي تعتبره واشنطن قضية مرتبطة بأمنها الحيوي واستراتيجيتها والتي لا تتحقق الا في ظل الفرقة والصراع بين القوى العربية والاسلامية. التيار الاصلاحي الايراني يحاول طرح مخرج متمثل في عدم تأييد مسيرة التسوية الراهنة للصراع العربي ــ الصهيوني ولكن دون معارضتها او العمل على افشالها. لكن هذا الموقف لن يرضى واشنطن وتل ابيب الساعيتين الى فرض »الحل الاسرائيلي« للصراع العربي ـــ الصهيوني. في المقابل هناك رواسب وإرث تاريخي يحتاج الى جهود مشتركة عربية وايرانية لاقامة علاقات سوية وقوية بين الطرفين، كما يحتاج الى تنبه لدور واشنطن وتل أبيب وجهودهما لافشال محاولات التقارب ونفخ النار في الخلافات والصراعات، لكن الجهود الجادة والمخلصة للطرفين تستطيع تجاوز العقبات، ولعل رسائل التهنئة المتتالية من الزعامات العربية الى الرئيس خاتمي تشكل مدخلا مناسبا للحركة المتبادلة من اجل علاقات افضل ومستقبل ارحب لشعوب المنطقة.