الانتصار الكبير الذي حققه التيار الاصلاحي في الانتخابات البرلمانية الايرانية جعل من يوم 18 فبراير الماضي علامة بارزة في تاريخ ايران مابعد الثورة الاسلامية، فما حدث في ذلك اليوم هو »انتفاضة ديمقراطية« قام بها الناخبون الايرانيون عبر صناديق الاقتراع وانتزعوا بها مجلس الشورى »البرلمان« من ايدي المحافظين ليضعوه في ايدي التيار الاصلاحي العريض بمختلف روافده وهكذا حقق الاصلاحيون انتصارهم الثالث الكبير في »حرب المواقع« التي يخوضونها ضد المحافظين المستميتين في الدفاع عن هيمنتهم على مقاليد الامور في ايران فبعد الانتصار الساحق الذي حققه »خاتمي« على منافسه »ناطق نوري« في انتخابات الرئاسة »مايو 1997« حقق الاصلاحيون فوزا كبيرا اخر في انتخابات المحليات »فبراير 1999« ثم تمكنوا اخيرا، من انتزاع معقل المحافظين العتيد »مجلس الشورى« وبأغلبية كاسحة. الا ان الانتصار الاكبر في الانتخابات الاخيرة كان للديمقراطية فأول ما يلفت النظر في انتخابات 18 فبراير هو نسبة المشاركة العالية في التصويت (اكثر من 80%) وهي نسبة مشاركة مرتفعة بصورة لافتة للنظر في أية انتخابات جدية، لاتنتمي للنوع الشائع في اغلب دول العالم الثالث، حيث تبلغ نسبة المشاركين في التصويت عادة 99%! يؤيد 99% منهم الزعيم الملهم وحزبه الحاكم! وهذه المشاركة الواسعة بحد ذاتها تبرهن على الحيوية السياسية الكبيرة التي يتسم بها جمهور الناخبين الايرانيين، والتي تمثل اساسا لاغنى عنه لنجاح أية تجربة ديمقراطية والواقع ان هذه الحيوية السياسية اللافتة للنظر تجلت في كل »الانتفاضات« التي قام بها الناخبون الايرانيون عبر صناديق الاقتراع خلال السنوات الاخيرة.. كما تجلت في الانتفاضة الطلابية الواسعة التي شهدتها طهران ومدن ايرانية اخرى في شهر يوليو الماضي والتي كان محركها الاول هو اغلاق صحيفة »سلام« الموالية للرئيس »خاتمي« ثم ادى اقتحام قوات الشرطة للحرم الجامعي وقمعها للطلاب الى اشتعال الوضع واتساع نطاق الانتفاضة. ويرتبط هذا الاقبال الجماهيري الكبير على المشاركة السياسية بجو المعارك السياسية المحتدمة في المجتمع الايراني منذ انتخاب خاتمي (مايو 1997). فقد ادى شعور المحافظين بالخطر على سلطتهم الى لجوئهم لمحاولة وقف المد الاصلاحي المتزايد بشتى السبل: وضع القيود على حرية الصحافة واغلاق الصحف ومحاكمة محرريها وسجنهم لابسط الاسباب سحب الثقة او محاولة سحبها من بعض ابرز وزراء حكومة خاتمي (تم عزل وزير الداخلية السابق عبدالله نورى، بينما فشلت محاولات سحب الثقة من وزير الثقافة عطاء الله مهاجراني)، اغتيال عدد من المثقفين الليبراليين، شن حملات عنيفة على اهم رموز التيار الاصلاحي بمن فيهم خاتمي نفسه، من جانب صحافة المحافظين وبعض رموزهم.. الخ الخ.. وكان من الطبيعي ان تؤدي هذه المعارك المستمرة الى رفع مستوى حيوية المجتمع السياسية، الامر الذي يدفع المحافظون ثمنه غاليا. انتخابات نزيهة انتصار الديمقراطية في الانتخابات التشريعية الايرانية تجسد في وجه آخر بالغ الاهمية للانتخابات هو نزاهتها.. فالمؤكد ان مستوى النزاهة الذي اتسمت به تلك الانتخابات غير شائع في دول العالم الثالث.. ويكفى ان نشير الى سقوط عدد من اهم رموز المحافظين، والى ان مرشحا بوزن هاشمي رافسنجاني ظل لايام عدة يتأرجح بين المراكز الاخيرة في نصاب المقاعد المخصصة لطهران (30 مقعدا) وبين احتمال خوض انتخابات الاعادة في حالة عدم حصوله على (25%) من اصوات الناخبين حتى تأكد اخيرا »فوزه« بالمقعد رقم 30 بعد حصوله على 25.58% من اصوات ناخبي العاصمة!! والامر المؤكد ان مثل هذا المشهد نادر الحدوث في دول العالم الثالث.. ومعروف ان رافسنجاني كان على رأس قائمة المحافظين، وفي الوقت نفسه على رأس قائمة »كوادر اعادة البناء« التي تمثل رافدا من اهم روافد التيار الاصلاحي وفضلا عن ذلك فقد كان المرشح المفضل من جانب المحافظين و»الكوادر« لرئاسة مجلس الشورى(!) الامر الذي اصبح احتماله ضئيلا للغاية ان لم يكن متعذرا على ضوء الاداء الانتخابي الضعيف للرئيس السابق، واحد ابرز قيادات الثورة الايرانية. وفي المقابل فقد احتل انصار خاتمي وزعماء »جبهة المشاركة« الاماكن الاولى في قائمة الناجحين في طهران وكان اولهم شقيق الرئيس محمد رضا خاتمي. واحتلت المركز الثاني »جميلة كديور« زوجة عدو المحافظين اللدود عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة. وجاء في المركز الثالث علي رضا نوري شقيق وزير الداخلية المعزول والمسجون حاليا عبدالله نوري.. ونظرا لأن نوري وكديور ليسا من السياسيين البارزين، فان انتخابهما بهذه الاغلبية الكاسحة يمثل رسالة بليغة الدلالة من الناخبين الى التيار المحافظ. وفيما يتصل بنزاهة العملية الانتخابية يلفت النظر أيضا انه لم يتم خلالها تسجيل اعمال عنف تستحق الذكر كما انه بعد ظهور النتائج لم تقع احتجاجات عنيفة من جانب المحافظين وانصارهم الا في اماكن معدودة، وفي حدود ضيقة، الامر الذي يشير الى انصياع الجميع لنتائج الانتخابات، وللاختيار الديمقراطي للناخبين، ولو من الناحية الشكلية.. ذلك ان خبرة السنوات الماضية تعلمنا ان المحافظين لن يستسلموا بسهولة. وغني عن البيان ان المشاركة الجماهيرية الواسعة في الانتخابات، والتأييد الواضح للتيار الاصلاحي كانا السياج المتين الذي حمى العملية الانتخابية وساعد على ضمان نزاهتها. أهم من »خرداد« يمكن القول ان نتائج الانتخابات التشريعية الايرانية جاءت بمثابة تجديد للتأييد الشعبي الواسع للرئيس خاتمي وخط الاعتدال والاصلاح الذي يمثله، واذا كان خاتمي قد حصل في انتخابات الرئاسة في مايو 1997 الشهيرة بانتفاضة »خرداد ــ مايو« على نحو 70% من اصوات الناخبين، فان التأييد الشعبي لاتجاه الاصلاح قد تعزز في الانتخابات الاخيرة فمن بين 226 مقعدا تم اعلان نتائجها في الجولة الاولى حصل الاصلاحيون وحلفاؤهم من المستقلين على 177 مقعدا، بينما حصل المحافظون (قائمة خط الامام والمرشد) وحلفاؤهم من المستقلين على 49 مقعدا. وتبقى (64 مقعدا) تدور حولها الجولة الثانية من الانتخابات في شهر ابريل المقبل (اجمالي مقاعد المجلس 290 مقعدا). والواقع ان دلالة »انتفاضة 18 فبراير« أهم من دلالة »انتفاضة خرداد ــ مايو« الانتخابية.. لان اختيار الناخبين للمرشحين في الانتخابات التشريعية هو اختيار واضح لنهج فكري وسياسي واجتماعي محدد. بينما انتخابات الرئاسة رغم دلالتها غير المتكررة، يمكن ان تدخل فيها اعتبارات مثل »كاريزما« هذا المرشح او ذاك، او تقدير الناخبين لكفاءته الشخصية. ومن ناحية اخرى فان انتخاب خاتمي كان أول اختراق اصلاحي كبير للمؤسسات السياسية الاكثر أهمية. وفي المقابل كان البرلمان يقف بالمرصاد للرئيس وحكومته، ويضع العقبات امام تنفيذ سياستهما.. وليس البرلمان وحده بالطبع، لكن هذا حديث سنجيء اليه فيما يلي من موضوعنا، اما بعد فوز الاصلاحيين بالاغلبية في مجلس الشورى فان المجال سيصبح اوسع بصورة ملحوظة امام امكانية تنفيذ السياسة الاصلاحية للرئيس خاتمي وحكومته، المتمتعين بتأييد شعبي »طازج« وواسع النطاق، دون عقبات من جانب السلطة التشريعية. وبدلا من اصطدام الحكومة ببرلمان محافظ في كل خطوة سواء في المجال التشريعي او في مجال الرقابة على عملها، فان الحكومة ومؤسسة الرئاسة ومجلس الشورى سيكونون معا.. وبهذا المعنى فان (1+1) لا يساوي (2) بالضرورة، لأن قوة كل من هذه المؤسسات ستكون مضافة الى قوة المؤسسة الاخرى، وبالتالي فان المحصلة ستكون اكبر من نتيجة الجمع الحسابي البسيط. ولا شك ان من شأن كل ما ذكرناه ان يمثل تعزيزا كبيرا لمكانة التيار الاصلاحي، ومكانة الرئيس خاتمي شخصيا. وان يجبر المحافظين على أخذ القوة المتزايدة للرأي العام المنظم بعين الاعتبار.. وكل هذا يصب في مصلحة تعزيز النهج الديمقراطي في ادارة البلاد وفتح الباب لارساء تقاليد ديمقراطية جديدة لم يكن المحافظون يقيمون وزنا كبيرا لها، وخاصة قبل انتخاب خاتمي عام 1997. وإذا كان الأمر كذلك فيما يتعلق بالديمقراطية السياسية، فإن النتائج لاتقل أهمية على المستوى الاجتماعي، فقد برزت على المسرح السياسي بوضوح قوتان، كان لهما الدور الحاسم في نجاح الرئيس خاتمي عام 1997، ثم في انتصار التيار الاصلاحي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكان فوز خاتمي قد مثل دفعة معنوية كبيرة للشباب والنساء وأصبح المناخ الاجتماعي أكثر انفتاحا، وتقلدت امرأة شابة هي الدكتورة معصومة ابتكار منصب مساعد رئيس الجمهورية.. وهو أكبر منصب تتولاه امرأة في تاريخ ايران، ولا شك ان هذا الاتجاه مرشح للاستمرار في ظل التطورات الأخيرة، ويكفي ان نشير إلى نجاح (6 نائبات) في الانتخابات التشريعية في طهران وحدها، أي بنسبة 20% من عدد نواب العاصمة الثلاثين. أما بالنسبة للشباب فإنهم يمثلون أكبر فئة عمرية في المجتمع الايراني، إذ يبلغ عدد الشباب دون سن الثلاثين 60% من سكان ايران ويمثل طلاب الثانوي نحو 90% من المنتمين إلى فئتهم العمرية، كما يمثل طلاب الجامعات أكثر من 50% من الشباب في سن التعليم الجامعي، وبحكم السن ومستوى التعليم نجد الشباب والطلاب في الغالبية منهم أكثر ميلا للأفكار الاصلاحية والمستنيرة ولذلك فإنهم يمثلون رصيدا بالغ الاهمية للاتجاه الاصلاحي، كما انهم أكثر تفاعلا مع القضايا العامة، ومشاركتهم في دعم التيار الاصلاحي تعطيهم شعورا بقوتهم وأهمية دورهم، كما تطبع الاتجاه الاصلاحي عموما بطابع أكثر ديمقراطية. ليس انقلابا خلاصة القول ان الانتخابات التشريعية الأخيرة خطت بايران خطوة واسعة ومهمة نحو الديمقراطية كنهج في ادارة شئون البلاد ونحو تأسيس تقاليد أكثر ديمقراطية في المجالين السياسي والاجتماعي، لكننا لا نستطيع الاتفاق مع المبالغات التي تذهب إلى حد القول بأنها تمثل انقلابا في علاقات القوى السياسية داخل ايران، أو الآراء التي تنطلق ضمنا من مثل هذا الافتراض، وخاصة تلك التي نجدها في بعض الكتابات الغربية كتابات »النيو ليبراليين« ــ »الليبراليين الجدد« المعرب، والتي تدعو المعسكر الاصلاحي للتعامل بصورة راديكالية سعيا إلى حسم الصراع مع المحافظين واقصائهم عن مراكز النفوذ..إلخ..إلخ، فالواقع ان التيار الاصلاحي حقق انتصارا بالغ الأهمية بفوزه بالأغلبية الساحقة في البرلمان، بعد ان سبق له انتزاع منصب رئيس الجمهورية، والفوز بالأغلبية في المجالس المحلية، لكن من الضروري وضع هذا الفوز الكبير في اطاره الصحيح.. أي بالنظر إليه في ضوء الاوضاع الخصوصية لايران والعلاقات بين المؤسسات والسلطات فيها، فالمرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية يقبض على مقاليد السلطة العليا في البلاد، والقيادة العليا للقوات المسلحة بكل أشكالها (الجيش والحرس الثوري وقوات الميليشيا ــ الباسيج وغيرها) ويعطيه الدستور حق اقالة رئيس الجمهورية نفسه، ومجلس الشورى يخضع في وظيفته التشريعية لرقابة مجلس صيانة الدستور برئاسة اية الله جنتي، وهناك أيضا مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي أصبحت له صلاحيات واسعة تحد من سلطات الرئيس والحكومة (تم اسناد كثير منها أثناء فترة رئاسة رافسنجاني له) فضلا عن سلطته في الاعتراض على المرشحين للانتخابات، و هناك »مجلس الخبراء الذي ينتخب المرشد الأعلى ويراقب عمله (برئاسة آية الله مشكين) وهناك السلطة القضائية برئاسة آية الله شهروردي، وكل هذه الهيئات والمؤسسات لاتزال خاضعة للمحافظين، ولذلك فان تنفيذ السياسات الاصلاحية يقتضي الكثير من التأني والحذر واللجوء إلى الحلول الوسط، بل وتقديم التنازلات في احوال غير نادرة، والرئيس خاتمي نفسه يعي كل ذلك ويتصرف على اساسه ليستطيع حماية التيار الاصلاحي، وكسب ارض جديدة لتنفيذ السياسات الاصلاحية. وبديهي ان زعماء الاتجاه الاصلاحي يفهمون ذلك كله، ولا ينبغي ان يغيب عن البال ان اغلب زعماء التيار الاصلاحي، أو عدد كبير منهم على الاقل في مقدمتهم خاتمي، هم اصلا من ابناء المؤسسة الدينية أو تربطهم بها وشائج قوية، وافكارهم ليست معادية لهذه المؤسسة في حد ذاتها، ولكنها تعبير عن فهم اوسع واكثر استنارة لواقع البلاد وطبيعة العصر الذي نعيشه، وعلاقات ايران بجيرانها وبالعالم. والحقيقة ان الدعوات الخارجية المريبة إلى »الحسم« و»القطع« مع المؤسسة الدينية وهيئات السلطة الخاضعة لها هي دعوات ساذجة وطائشة اذا افترضنا حسن النية، وهي دعوات مشبوهة اذا نظرنا اليها بواقعية ودون افراط في حسن النية، وخاصة على ضوء مصادرها مثل اسرائيل والولايات المتحدة، فالاستجابة لمثل هذه الدعوات من شأنها ان تؤدي إلى الحرب الاهلية وإلى اجهاض التجربة الاصلاحية التي يقودها خاتمي ورفاقه. وهو مصير لا يتمناه اي مسلم لايران. كما لا يتمناه اي عربي باعتبار ان ايران دولة جوار كبيرة ومهمة للمشرق العربي. والاستقرار والتطور الديمقراطي السلمي فيها امر يهم العرب، ويصب في مصلحتهم بينما ينطوي عدم الاستقرار فيها أو انتكاس التجربة الاصلاحية، على مخاطر فادحة على الدول العربية المجاورة لها، ورغم ان انعكاسات نجاح الاصلاحيين في الانتخابات التشريعية الاخيرة على علاقات ايران الاقليمية والدولية، تخرج عن نطاق موضوعنا، فانه يمكن القول ان تعزيز مكانة الاتجاه الاصلاحي والنهج الديمقراطي في ايران، يخلق شروطا افضل لتفاعلها مع الدول المجاورة لها، ومع العالم عموما، وللتركيز على التنمية بما تقتضيه من بناء علاقات طيبة مع دول الجوار. ومن شأن هذا ان يساعد على خلق مناخ افضل لتسوية الخلافات العربية الايرانية، وفي مقدمتها قضية الجزر العربية الثلاث التي تحتلها ايران.